آخر تحديث:13:39(بيروت)
الأربعاء 13/11/2019
share

موسيقى الثورة: بين الشارع والذات المُحرَّرة

حسن الساحلي | الأربعاء 13/11/2019
شارك المقال :
موسيقى الثورة: بين الشارع والذات المُحرَّرة موسيقى الشارع
لا تزال الموسيقى المُنتَجة في سياق الثورة اللبنانية، متأخرة عن الحدث، أو أقله، غير قادرة على مجاراته والتعبير عنه. هذا مع أن الإنتاج الموسيقى غزير، خصوصاً في وسائل التواصل الإجتماعي، التي فتحت الباب امام فنانين غير معروفين، وهواة، كي يقدموا تحياتهم الخاصة لها، عبر استعادة أغان وطنية قديمة، أو تأليف أغانيهم الخاصة التي تكون في الغالب إعادة تدوير للأغاني الوطنية السائدة. 


من المبالغة الطلب من الموسيقيين، القيام بثورة فنية أو إنتاج يوازي، بأهميته، حدثاً سياسياً واجتماعياً، لكن في الوقت نفسه، لا ضرر إن عبّر الفن عن الحدث بلغة أقرب لروحيته، من دون اللجوء للمباشرة التي تطبع أكثرية الأعمال التي أنتجت حتى الآن. ربما أسابيع قليلة لن تكون كافية، خصوصاً ان الموسيقيين مشاركون في الثورة، وليس من السهل أن يفصلوا أنفسهم عنها. 

بكل حال، ليس "الإغتراب عن الواقع" متساوياً، فهناك أنماط تمتلك علاقة أكثر عضوية مع الشارع من غيرها، مثل "الراب"، و"الهيب هوب" اللذين ولدا في الأساس في الشارع، ويتماهيان مع قضايا الفئات المهمشة التي تسيطر عليه. يحاول فنانو الراب والهيب هوب امتلاك لغة وسلوكيات شعبية وشارعية، ما ينطبق على الموجودين في العالم العربي ولبنان. يظهر التداخل بين سلوكيات الشارع والفناين أنفسهم، في استعمال اللغة المنفلتة، إن جاز التعبير، والشتائم في الأغاني، الإحتفاء بالمهمشين في المدينة والتشجيع على الشغب في التظاهرات والأفعال الموجهة ضد السلطة، كما السلوكيات الصِّدامية والراديكالية، التي تأخذ ميلاً عند قسم آخر من المشهد (غيرالمسيّس) إلى العنف الرمزي واستعراض القوة.

يُعتبر الجزء المشارك في الثورة من مشهد الراب اللبناني، الأكثر تسييساً. نقصد هنا مغنين مثل مازن السيد (الراس)، بو ناصر وجعفر الطفار، هاني السواح (الدرويش). يغلب على أغاني هؤلاء مواضيع مرتبطة بالتمرد والقضايا الإجتماعية والسياسية (وأحيانا الثقافية والدينية) ويتبنى غالبيتهم مفهوماً للهوية الوطنية "غير مركزي" وأكثر انفتاحاً على الأطراف، بعكس "الهوية" التي تروج لها الأغاني الوطنية السائدة التي تهمش المختلفين عنها.

منذ أيام، قدم فنانا الراب، مازن السيد وجعفر الطفار، حفلاً في مبنى اللعازارية، بمشاركة فرقة "الراحل الكبير". بدت الحدود عند الجمهور غير واضحة، بين الذين أتوا لمشاهدة الحفلة والمشاركين في الإحتجاج، وهو ما يميز هذا النوع من الحفلات على كل حال، إذ تعيد المعنى للممارسة الفنية واتساع فضائها. قدم السيد ايضاً أغنية مخصصة للثورة تحت عنوان "شوف"، كان قد أرفقها برسم للمصمم رامي قانصو في وسائل التواصل، ويستعمل فيها (أي قانصو) الأسلوب نفسه الذي صمم به صورة الفتاة راكله المسلح في وسط جسده (كان بعنوان "عليهم" وما زال من أكثر التصاميم انتشاراً خلال الثورة)، مكرساً بذلك ارتباط الأغنية بما يحصل في الساحات.

يوصّف السيد في أغنيته، ما حققته الثورة حتى الآن، موجهاً كلامه أحياناً للزعماء بصفته واحداً من الشعب: "شوف وين صرنا شوف شو بنينا شوف شو كسرنا... شوف البلد كيف بزقتكم وما عاد إلكن مطرح"، وأحياناً أخرى مقدماً رأيه عن التفاصيل التي تشكل المشهد الحالي من تغطية التلفزيونات المنحازة للسلطة، إلى وصفات التخوين واتهام اللاجئين وورقة الإصلاح... وذلك بأسلوبه المعتاد الذي يحاول مزج السخرية المتحدية باللهجة الحماسية التي تحرك المشاعر. تعطي الأغنية ثقة للمتظاهرين بما حققوه ويقومون به في ثورتهم، من قطع الطرق إلى الشتم، الذي يعطيه حصة من الأغنية من خلال استعمال مقطع منتشر يقول فيه أحد المتظاهرين "أنا ما بدي وصلو رسالة أنا بدي .. إختو".


تبقى الأنماط التي تعتمد على الموسيقى الإلكترونية والتي تُنتَج بواسطة الكومبيوتر، الأكثر استعمالاً لهذا النوع من المقاطع (التي تحوي شتائم غالباً وتنتشر بقوة في وسائل التواصل) بسبب طبيعتها الرقمية التي تسهل الإنتاج الشعبي والجماهيري (بعض الأغاني تنتج بواسطة الهاتف الذكي أيضاً). من الأمثلة الأكثر انتشاراً، سلسلة المقاطع التي أنتجها ركان ملاك (Rkay) تستعمل مقاطع صوتية تحوي شتائم للسياسيين، وقد جعل لكل سياسي أغنية خاصة به، مع موسيقى ترانس وتيكنو صاخبة ومؤاتية للرقص.

 

في المقابل، قدّم السوري، مجد حموي، مقطعاً هو عبارة عن ترجمة موسيقية لهتاف "هيلا هيلا هو" المخصص لشتم باسيل، لكن هذه المرة في صيغة تهويدة مهدئة مخصصة لنوم الأطفال، كما لو أنه أراد أن يقول أننا سنربي أولادنا على هذا الهتاف وما يرمز إليه من رفض الطبقة السياسية الفاسدة والمستأثرة بالسلطة منذ عقود. وقدم الأخير أيضاً أغنية قوامها التسجيل الصوتي الذي هددت فيه "ريسة" مدرسة راهبات في عبرا (صيدا) التلاميذ في حال مشاركتهم بالتظاهرات، وقد عدّل حموي في صوت الراهبة أحياناً، ليصبح ملائماً للجو الموسيقى للأغنية بشكل عام، كما أن المقطوعة مشغولة بشكل يصنع من كلماتها سرداً جديداً مختلفاً وأقرب إلى وجهة نظر التلاميذ.

يحضر عدد من الموسيقيين أيضاً مباشرة في الشارع، ويشاركون في التظاهرات بشكل دوري، من بينهم فنانو "مترو المدينة" (الذي أوقف برنامجه المسرحي منذ بداية الثورة وينطلق قريباً ببرنامج جديد بلا بطاقات ويرتبط بعلاقة وثيقة بالثورة)، إذ يُعتبر هؤلاء الفنانون من الأكثر انخراطاً في الحدث، وربما هم المجموعة الوحيدة من فناني "المشهد البديل"، الذين يُعدّون في الوقت نفسه من أبرز الناشطين في الثورة اليوم، لا سيما في بيروت.


ومَن يواظب على النزول إلى ساحة الاعتصام في رياض الصلح، لا بدّ أن يلتقي ساندي شمعون أو سماح أبي المنى بين المحتجين، وهناك أكثر من مقطع فيديو يظهر فيه أبي المنى وهو يعزف الأكورديون في أمكنة قطع الطرق لتخفيف التوتر عن المشاركين.


كما انتشرت مقاطع أخرى تظهر فيها كوزيت شديد، وساندي شمعون وعبد الرحيم الشعار، مع عازفين من "مترو"، وهم يقدمون أغاني سياسية في الشارع. وأنتج أيضاً هشام جابر (المدير الفني في "مترو المدينة") أغنية مخصصة للثورة بصوت ياسمينا فايد، ربما هي أول نموذج تقدمه الثورة ولا تغلب عليه المباشرة، ويحاول النظر إلى الحدث من وجهة نظر نفسية وشعورية، والتعبير عن المشاعر المتناقضة التي يختبرها الفرد في الثورة من الحب إلى الحماس والخوف، مستعملاً أحياناً لغة الشارع الساخرة، وأحياناً أخرى اللغة الرومانسية التي يختبرها الإنسان في علاقته مع الحدث. 


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها