آخر تحديث:14:03(بيروت)
الخميس 14/11/2019
share

أشعب الأكول... ثعلباً كوميدياً في رواية زهير هواري

محمد حجيري | الخميس 14/11/2019
شارك المقال :
أشعب الأكول... ثعلباً كوميدياً في رواية زهير هواري زهير هواري(مصطفى جمال الدين)
في بداية كتاب ("الثعلب أشعب/ من الحكايا الشعبية" – دار الفارابي 2019) يشير المؤرخ والجامعي زهير هواري إلى أن "أشعب ليس خيالاً، بل هو انسان حقيقي من لحم ودم، واسمه أشعب بن جبير"(...) كان ابوه من مماليك الصحابي، ثم الخليفة عثمان بن عفان، مما يعني أنه "كان قريباً من بيت النبوة". تولت تربيته عائشة بنت عثمان، وتعلّم القراءة على يدها، وتلا القرآن وجوّده، وقدم إلى بغداد للإقامة بها أيام الخليفة العباسي الثاني أبو جعفر المنصور، لكنه تنقل في العديد من مدن الحجاز والعراق، وبعدما أقام لفترة ببغداد عاد إلى المدينة حيث توفي بها أول سنوات خلافة المهدي على الأرجح، وهناك التباس في السنوات التي عاشها، فبعض التراجع تقول إنه عاش 150 عاماً وهو رقم مبالغ فيه.

ورويت الكثير من النوادر عن أشعب، لكن الصفات التي علقت به، اكثر من سواها، كانت "حب الطعام والشراهة والطمع فيه"، ولقيت نوادره رواجاً في مختلف العصور. وتوصف بأنها تعبّر عن موقف الطبقة الوسطى إزاء الطبقات العليا والدنيا، أو الطبقة التي ارتقت عن الفقر ولم تصل إلى مستوى الأثرياء والنخبة المرموقة من رجال السلطة. ومن الاطلاع على نوادره، يمكن ملاحظة انها تبدأ من السخرية من نفسه، ومن رواة الأحاديث النبوية، الى الأمراء والقضاة وكذلك بعض المعتقدات والجواري وأصحاب المهن، وتتناول نوادره الطفيليين، الذين يحضرون المآدب من دون دعوة لشدة حبهم للطعام، ولكونهم من البخلاء. 

وامتلأت بطون كتب الأدب والتراث العربيين، بحكايات أشعب مع الطعام وشرهه وحضوره الولائم، مترصداً إياها مقبلاً عليها، فذُكِر في "الحيوان والبيان والتبيين" للجاحظ، وعند ابن كثير في "البداية والنهاية"، وفي "نهاية الأرب في فنون الأدب" للنويري، و"ألف ليلة وليلة"... وأشعب في معناه اللغوي "الرجل إذا مات أو فارق فراقاً لا يرجع" (لسان العرب – ابن منظور)، وفيه أن "أشعب اسم رجل كان طمّاعاً"، وفي المثل "أطمع من أشعب"(الميداني)، وفي مثل آخر "لا تكن أشعبَ فتتعبَ"، وأشعب هو التيس إذا انكسر قرنه. وفي معنى آخر "صوته حسن يجيد القراءة"، إذ ينقل الأصفهاني بحديث متواتر عن الأصمعي قوله "رأيت أشعب يغني وكأن صوته صوت بلبل". ويقال إن أشعب كان خال الشاعر الأصمعي، الذي وصفه قائلًا: "إني أرى الشيطان ليتمثل على صورتك"، وترد هذه القصة في أن الأصمعي كان قد رأى أشعب وأطعمه هريسًا، وبعد ساعتين رآه مصفّر الوجه عاصب الرأس. وشخصية أشعب سابقة على معظم شخصيات الكوميديين العرب، أمثال الحطيئة وأبي دلامة وجحا وغيرهم.

وعدا رواج قصة أشعب في النسيج الاجتماعي الشعبي، فهي حاضرة في الكتب الأدبية، اذ جمع الأديب المصري توفيق الحكيم، معظم ما يتعلق بأخبار أشعب "الطفيلي" في كتب التراث العربي، ودمجها على حد وصفه "بشكل روائي بسيط غير متكلف، يُشعرك بأن الأحداث التي تضمنتها الرواية وقعت بالفعل بالترتيب نفسه الذي جاءت فيه". ونشرت هذه الرواية للمرة الأولى، العام 1938، وجاءت في غلافها صورة لتوفيق الحكيم وهو يمسك بشطيرة وفمه ممتلئ بقطعة منها، كأنه أراد أن يدلل على مضمون الشخصية والكتاب من خلال صورة الغلاف التمثيلية. والكتاب صدر في طبعة جديدة عن "دار الشروق"، وهو عبارة عن جولة طريفة في عوالم أشعب، التي يبدو أن الحكيم أخذ الجانب التخييلي منها، وحبكها ولم يهتم بأن يبحث عن أشعب الحقيقي، وهذا لطبيعة العمل الروائي، التي لا تبحث عن حقيقة التاريخ بقدر ما توظفه وفق رؤية الكاتب، فيخبر الحكيم: "لبث أشعب يسير في الأسواق في غير شيء، ينتظر أن يوافيه أحد بخبر عرس أو وليمة وهو ينشد ويغني، وطال انتظاره، ووقف على رجل يحمل طبقاً من الخيزران فقال له: أسألك بالله أن توسعه قليلاً وأن تزيد فيه طوقاً أو طوقين، فرفع الخيزراني رأسه وقال له: وما غرضك من ذلك، أتريد أن تشتريه؟، فقال أشعب: لا، ولكن ربما اشتراه شخص يهدي إليّ فيه شيئاً ذات يوم".

وإذا أسرفنا في التقديم، فلنصل الى القول بأن لأشعب، في كتاب زهير هواري، نكهة خاصة. أصل الحكاية رواها والد المؤلف (عبد الرحيم هواري)، الذي كان يلتقي الرواة والحكواتيين ويشاركهم عروضهم وقصصهم في القرى البقاعية، ومنهم تشرّب فنّ القص، ونقل أشعب من عالمه الإنسي إلى عالم الحيوان. وتحمل حكاية "الثعلب أشعب" في ثناياها "كل مقومات الفن القصصي المحلي في البقاع في مداها القريب، ولبنان وسوريا وفلسطين في المدى الأوسع. لكنها أعمق جذوراً إذ تستحضر التراث العربي والفارسي القديم. ومع ذلك لا يمكن اعتبارها نصاً كاملاً وأصلياً، بل الحكاية المروية نفسها، إذ إن فن القص بما يتخلله من لوازم تتكرر، ونبرات صوت، يختلف تماماً عن فن الكتابة، علماً أن جهداً جرى للحفاظ على البناء الحكائي القديم بمفاتيحه الأساسية. هذا إلى جانب أن ما أعادت بناءه الذاكرة يختلف إلى حد ما عما قيل لدى روايتها".

وكتابة الحكاية صارت تمريناً على الكتابة والسرد بالنسبة للمؤلف، كما القص تمريناً على الخيال. فقد نشأ والد زهير هواري في جو القصص وحكاية السير، حيث كانت في كل مجالاتها هي السبيل الوحيد لتمضية ليالي الشتاء الطويلة في البقاع، قبل أن يصل الراديو والتلفزيون... وروى والد زهير، قصة أشعب في أواسط الستينيات، وكان فن الحكاية في ذروته، اذ لم تكن قد وصلت الكهرباء بعد الى القرية، كما ان اجهزة الراديو كانت نادرة، و"ظلت حكاية الثعلب أشعب في ذاكرتي"، يقول زهير هواري، "حتى دوّنتها للمرة الأولى في التسعينيات من القرن ذاته، ولم يتسن لي نشرها، ثم أعدت كتابتها ثانية بعد ذلك بسنوات، والآن أرجع اليها بعد 19 عاماً". يضيف: "بالنظر الى ما أدخله أبي على تلك الحكايا، مما أفاد منه جراء اطلاعه على أمهات لكتب التراثية، ونقل الشخصيات البشرية إلى عالم الحيوان ومنحهم شخصيات آدمية تفكر وتناور وتحتال وتحب الطعام إلى درجة الشراهة. كانت شخصية اشعب مرشحة للعب هذا الدور دون سواها. وأصبحت الشخصية مزيجاً من شخصية اشعب الحقيقي كما تقدمه كتب التراث، والشخصيات الحيوانية التي وردت في "كليلة ودمنة"، مضافة اليها المرويات الشعبية، مما يدخل في قصص الثعالب على نحو فكاهي، علماً أن قصص الغيلان والجان، مثلت الجانب المرعب في ثقافة المجتمع حينها".

والحكاية في القص تبدو على النحو الشهرزادي، فهي كانت "عماد السهرات التي يقنع فيها الوالد، الابن والأصدقاء، البقاء معه ومساعدته في تنقية البذار". وإكمال الحكاية كان يحتاج أياماً هي التي يحتاجها الأب لإنجاز تنقية بذار القمح. والنص المدوّن بهذا المعني، هو حكاية من تأليف والد المؤلف أولاً، ومن إضافات المؤلف ثانياً، وتركز هذه الحكاية "على شخصية رئيسية هي الثعلب أشعب، الذي يملك مقاليد فن السرد والحركة والسياق عامة، وإدارة ما يحدث من وقائع، لصالح نهمه إلى الطعام وأطماعه وجشعه، وهو يمتاز عن باقي الشخصيات التي تحضر في النص بميزات كبرى تجعله قادراً على تلبس العديد من الأدوار دون سواه، فهو الناسك والخياط ومعلم المدرسة والطبيب المغربي والتاجر والطافر للنجاة بجلده في البراري والصحاري، لكنه رغم هذه التحولات، يظل المحتال بامتياز للحصول على طعامه بأسهل السبل وأيسرها، ومن دون أن يكلف نفسه عناء الصيد والقنص. والملفت أنه ينتصر في النهاية، بالنظر إلى أن الدهاء والحنكة يتغلبان على قوة بطش الذئب، الذي يقع في مكائده التي تنتهي بموت الأخير كمداً، بعدما خسر زعامته وكرامته وعنفوانه أمام حيوان قمّام صعلوك".
  
تعبّر شخصية الثعلب اشعب عن الكوميديا في العقلية العربية، من دون إغفال حضور الروافد الثقافية الأخرى وهي الفارسية القديمة والهندية والمحلية. وتمتاز شخصية اشعب في تحولاته، بمرح وادعاء التقوى والصلاح لممارسة الاحتيال، مما يطرح العلاقة الملتبسة بين الايمان ومثل هذا السلوك. ومن يقرأ قصص "الثعلب أشعب" يحسب نفسه أمام فيلم كرتوني للأطفال، مجسّداً بطريقة متقنة وجاذبة... كان يمكن ان يتحول سلسلة قصص مصورة للأطفال، وهو في كل الأحوال كتاب، فيه روح التسلية والمتعة من غير تكلف وبلا توظيفات في غير محلها. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"