آخر تحديث:10:27(بيروت)
الثلاثاء 08/10/2019
share

أطوار الطاغية

أسعد قطّان | الثلاثاء 08/10/2019
شارك المقال :
أطوار الطاغية كم كنّا ساذجين حين صدّقنا فيروز لمّا غنّت "ما في حبوس تساع كلّ الناس"
كم كنّا ساذجين حين صدّقنا فيروز لمّا غنّت "ما في حبوس تساع كلّ الناس". صدّقنا الصوت المتّكئ على القصيدة، وكذّبنا وقع المسامير في جلدنا. فنحن منذ بدء الأشياء، مغرمون بالشعر. وحين صار الأدب كلّ حياتنا، تراجع الحسّ بالحياة التي لم تصبح أدباً.

لقد كذبت فيروز. ليس صحيحاً أنّ السجون تضيق بالناس. فالطاغية يحبّ العمران. يبني القصور لأولاده وأحفاده وذريّتهم من بعدهم. ويبني السجون للناس كي يثبت لهم كم كانت فيروز ساذجة. وها هي بلادنا تتحوّل إلى سجن كبير سوّره الطاغية بالأسلاك والجماجم.

والطاغية يحبّ الالتباس: حقّ التظاهر مصان لكلّ المواطنين. لكنّ هذا لا يمنع رجال الأمن من إطلاق النار على المتظاهرين وقتل عشرات النساء والرجال والأطفال.

والطاغية يحبّ الجمال: يسافر إلى الجزر القديمة بحثاً عن النساء. لا الرقيق الأبيض يزعجه ولا الأسود. وقليل على الجمال أن تُسفك عند قدميه ميزانيّات الدول والبشر والحجر وآبار النفط والغاز التي تتفجّر في الصحاري وخلف تجاعيد الجبال.

والطاغية يحبّ الحرّيّة. يطلب من الإعلاميّين والصحافيّين أن يسمّوا الأشياء بأسمائها. لكنّه يختلف مع بعضهم في تحديد "ماهيّة" الأشياء. وحدها الأشياء التي لا تشبه أشياء الطاغية، تمتلك أسماء. أمّا الأشياء التي تختصّ بالطاغية، فيستحيل الكلام عنها، لأنّ ظلّه يجعلها عصيّةً على احتمالات اللغة. هكذا تتجمّد اللغة في بلادنا وتتخشّب وتغادر معانيها.

والطاغية يحبّ بُعد النظر. يرسم للبلاد مستقبلها بعد مئة سنة، بعد ألف سنة. يلمّ الشباب من بيوتهم قبل أن يفكّروا في التظاهر، لئلا يفكّروا بالتظاهر. يسوس الناس، لا بالنظر إلى ما يقولون ويفعلون، بل بالنظر إلى ما يفترض أنّهم يضمرون. فبُعد النظر هو أوَّل شروط الحكمة والسياسة الحصيفة.

تمتدّ قامة الطاغية من الرباط إلى مَشهد، ومن عدن إلى اسطنبول. يتربّى الأولاد في عزّه، ويتعلّمون كيف ينكسر الوقت، وينكسر الحبّ، وتنكسر الأشياء على ظلالها. يقرّرون الرحيل. يرحلون على أشلاء قوارب تطفو على صفحات البحار، أو يرحلون في مواكب نساء يحمّلن ما تبقّى من الدمع في صرر بيضاء. يرحلون ويسلّمون مفاتيح بيوتهم إلى فيروز فتصبح المرأة من جديد كاهنة الزمن الآتي وتصبح "ناطورة المفاتيح". يُفاجأ الطاغية ويتخلخل عرشه حين يكتشف أنّ فيروز أقلّ سذاجةً ممّا اعتقد. وهكذا تنتهي الحكاية... أو هكذا تبدأ.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها