آخر تحديث:08:42(بيروت)
الأحد 06/10/2019
share

المُقَلِّدون.. فنانون خَنَقَهم جلبابُ الأب

شريف الشافعي | الأحد 06/10/2019
شارك المقال :
المُقَلِّدون.. فنانون خَنَقَهم جلبابُ الأب "لن أعيش في جلباب أبي"
في روايته "لن أعيش في جلباب أبي"، لمس إحسان عبد القدوس، ببساطة، أن التحقق في الحياة هو التحرر، ومن دون هذا الانفلات الحتميّ من قبضة السائد فإن جلباب الأب يصير قيدًا كابوسيًّا وخيمة خانقة. وتكتسب هذه الرؤية أهمية مضاعفة بطبيعة الحال في مسارات الإبداع الشائكة ومسالك الفن المتشعبة، فخلع الجلباب في هذا الفضاء الابتكاري هو الإعلان الشرعي الوحيد عن حقيقة الوجود، بينما التمسُّك المتهافت بهذا الرداء، مهما تكن قيمته ونفاسة قماشته، هو قبول نهائي بالوأد في المهد.


كثيرون هم مَنْ يطرحون أعمالاً فنية محسوبة عدديًّا، لكنّ أصابع الإبداع لا تُحصي إلا القليل عادة، إذ تندفع الأغلبية بفعل الاستسهال أو ضعف الموهبة أو المحدودية أو الرغبة في جني ثمرات الغير أو المكايدة وتصفية الحسابات، إلى تقليد الكبار والرواد، والسير على نهجهم دون تطوير أو ابتكار، ومثل هذه الظواهر القائمة على الاجترار مصيرها دائمًا الفجاجة، ومآلها إلى الابتذال والنسيان.

الأمثلة على هذه الهشاشة أوسع من أن تُدرج في إطار، ويكفي استحضار القليل منها في الموسيقى والغناء والتمثيل، للتفرقة بين الاستثنائي المغاير، والروتيني المنسوخ. المقارنة تُبرز الفرق بوضوح؛ بين عبد الحليم حافظ متحدثًا عن بداياته، وهاني شاكر متذكرًا بواكير ظهوره. الأول استرجع رفضه أداء أغنيات عبد الوهاب في مطلع الخمسينات من القرن الماضي، مفضلًا المغامرة بأغنياته الخاصة من ألحان محمد الموجي "صافيني مرة"، وكمال الطويل "على قد الشوق"، والثاني لا يزال يتباهى إلى يومنا هذا بما تردد عن تشابه صوته وأدائه بأسلوب عبد الحليم، والدعاية الإعلامية التي أكسبت وجود"عبد الحليم جديد يلوح في الأفق".

في حديث حليم، لم يغفل إمكانات المطرب الصاعد في منتصف السبعينات، لكنه لم يتوقف عند حلاوة الصوت طويلًا بقدر توقفه عند ما هو أهم: الهوية والشخصية والإضافة إلى حركة الموسيقى والغناء، فأين منها هاني شاكر الذي امتدحه مشجعّوه أنفسهم بأنه شبيه عبد الحليم، واعتبر هو ذلك الوصف مدعاة للافتخار؟ وقد اندهش حليم كثيرًا من هذه الأمور، وقال ما معناه: "ما المديح في وصفي بأنني نسخة من عبد الوهاب أو غيره؟ هذا معناه أن مكاني سلة المهملات!".

في حين أدرك حليم منذ أغنياته الأولى أنه يمضي صوب هدم معبد الغناء التطريبي القديم، معتمدًا العفوية والحساسية التعبيرية في تجسيد الحالة الشعورية والتعمق في المعاني كبدائل عن الاستعراض والقوة والفخامة، إلى آخر مقوّمات نجاحه الأسطوري المتعددة، فإن هاني شاكر بنى صعوده على الدوران في فلك حليم، من دون القدرة على أن يكونه، ولا أن يكون ذاته.

لم يتجاوز وعي هاني شاكر فكرة التشابه الشكلي الخارجي لملامح الصوت، بينه وبين حليم، وغابت عنه جُملة عناصر بينها تفوّق حليم ككيان مؤسسي غيّر صفة الغناء والموسيقى من حال إلى حال في توقيت زمني محدد، مرتادًا أقصر الطرق إلى القلوب، بجناحي المصداقية والتخلص التام من الزخارف والتصنّع، وعشرات المفردات الأخرى الخاصة به، دون غيره.

التقط شاكر الخيط من طرفه أو نهايته، كما هو، من دون أي اشتغال، وظن أنه من الممكن أن ينسج به أغنيات بمستوى ما يغنيه حليم، فجاءت أعماله الأولى "يا ريتك معايا" (من كلمات مجدي نجيب، وألحان محمد سلطان)، و"كده برضه يا قمر" (من كلمات ممدوح عفيفي، وألحان خالد الأمير) نموذجًا كاملًا للتقليد وغياب الملامح الذاتية على كل المستويات: الكلمات، الموسيقى، التوزيع، الأداء، وصولًا إلى قسمات الوجه ونظرات العينين وإشارات اليدين إلى العازفين والمشاهدين.

 

أراد شاكر، أو أريد له، أن يكون أسطورة، لكن هذه الأسطورة تخص آخرين، فلم تمنحه أكثر من ضجيج عابر فاتر، تمخّض لاحقًا عن سراب وأعمال فردية اجتهادية لا ترقى إلى درجة مرحلة أو تيار، بمعنى الإزاحة والتمرد والتثوير، وذلك على الرغم من الدرس الأكاديمي والتثقيف الموسيقي والغنائي، لكن الموهبة الخام والروح الوثابة محصورتان على طول الخط في قوالب وكليشيهات.

هكذا شأن الموسيقار محمد سلطان كذلك، ملحّن أغنية شاكر "يا ريتك معايا"، التي وضعتهما معًا في موضع التشكك بشأن الشخصية الفنية والهوية الخاصة للمبدع، على أن أزمة سلطان أعمق بكثير من المطرب الشاب صاحب "الصوت الحلو" من دون مقوّمات أخرى، فالموسيقار الذي تعامل مع عشرات المطربين، على رأسهم زوجته فايزة أحمد، هو من دون تعسّف رحلة لا تنتهي من البحث عن الذات الضالة، المتأثرة بشكل كبير بترددات الآخرين من أصحاب التجارب الناضجة، ومن أبرزهم: محمد عبد الوهاب، رياض السنباطي، محمد الموجي، بليغ حمدي، كمال الطويل.

في الوقت الذي شهدت فيه فترة السبعينات الأغنيات الطويلة الناجحة لعبد الحليم ووردة، مصحوبة بمعالم موسيقية واضحة، إما في إطار الأناقة والانضباط والهندسة اللحنية المتقنة كما في مدرسة عبد الوهاب، أو في الإطار الشعبي والفلكلوري والمزج بين الشرقي والغربي والمصري كما في مدرسة بليغ حمدي، فإن صوتًا عبقريًّا ناله الظلم الفادح بتعامله الدائم مع محمد سلطان، هو صوت المطربة فايزة أحمد، التي بدأت كبيرة مع ألحان الموسيقيين النابهين مثل محمد الموجي، وانجرفت لاحقًا إلى ألحان سلطان المتواضعة خصوصًا بعد زواجهما، ففقد الصوت بريقه مع الأنغام الباهتة والجمُل الموسيقية المشتتة، التي تبدو كأنها نثرات من هنا وهناك، بدون نبض، كما في "خليكو شاهدين"، وغيرها من الأعمال الكثيرة التي جمعتهما.

 

ويمكن استشفاف التقليد الكامل ودلالات السطو المعنوي (غير المجرّم بقانون) وانتحال الروح والهوية والشخصية بصيغة تكاد تبدو كلية لدى الموسيقار حلمي بكر، فهو في تلحينه أغنية "عرباوي" لمحمد رشدي على سبيل المثال، من كلمات حسن أبو عتمان، يتقمص جلباب بليغ حمدي كتلميذ في حصة تدريبات، على مستوى المنهج والطابع والجُمل اللحنية والجذور الفلكلورية وإعادة إنتاج التراث والتوزيع الموسيقي واستخدام الربابة والوتريات وأبجديات التعاطي مع صوت محمد رشدي إلى آخر عناصر التوليفة النسقية المعنونة باسم بليغ حمدي، ولا يخطئها المستمع الذواقة.

 

وثمة لون من ألوان التقليد والاجترار لا يأتي عن ضعف أو ضيق أفق أو قلة حيلة، وإنما يندرج تحت باب استثمار نجاح الآخرين أو الرغبة في التشويش على نجاحاتهم، وربما بسبب النكاية والعند وتصفية الحسابات، وأبرز حالات هذا النمط من "صناعة التقليد بوعي واقتدار" نموذج المطرب كمال حسني، في تعامله مع الموسيقار محمد الموجي في أغنية "غالي عليّا"، التي أراد بها الموجي وصنّاع فيلم "ربيع الحب" في عام 1956 استنساخ تجربة عبد الحليم حافظ بصوت جديد.

على الرغم من نقاء صوته وحساسيته ورهافته، لم يزد سطوع "موضوع" كمال حسني على ما أريد له من أن يكون ضربة مؤقتة ورسالة حادة لعبد الحليم حافظ، الذي بدأ يتعامل مع عبد الوهاب وملحنين آخرين ويبتعد نسبيًّا عن صديقه الموجي ورفقاء الكفاح ورحلة الصعود منذ البداية، فجاء فيلم "ربيع الحب" استنساخًا لفيلم "لحن الوفاء"، بمخرجه نفسه إبراهيم عمارة وأبطاله شادية وحسين رياض وآخرين، مع استبدال عبد الحليم كممثل ومطرب بكمال حسني، الذي ظهر أيضًا باسم "جلال" في فيلمه العجائبي، وهو الاسم نفسه الذي حمله عبد الحليم في "لحن الوفاء". وحتى الدويتو الناجح "حليم وشادية"، جرى تقليده بدويتو "لو سلمتك قلبي" لكمال حسني وشادية، من ألحان منير مراد. وكان طبيعيًّا ألا تستمر حكاية كمال حسني أبعد من "قرصة الأذن" التي أعادت حليم إلى صوابه، والمياه إلى مجاريها في ما يخص علاقته بأصدقائه الملحنين، ولم يتجاوز حسني محطة التقليد المصنوعة، التي تهدّمت من تلقاء ذاتها سريعًا.

 

ومن ماكينة الإنتاج المحدودة الهادفة إلى الإيهام بوجود عبد الحليم حافظ آخر، في حياته، إلى ماكينة الصناعة السينمائية والغنائية الضخمة لتخليق أحمد زكي "مودرن" بعد رحيل الفهد الأسمر بسنوات، وذلك في صورة الفنان محمد رمضان، استغلالًا للتشابه الشكلي في المقام الأول ولون البشرة وقدرة الشاب على التمثيل والتقليد والأداء الجسدي والغنائي وانتقاء شخصيات وأدوار وكادرات تعيد إلى الأذهان حضورًا حيًّا حقيقيًّا لأحمد زكي، بغض النظر عن الجوهر الفني، والعمق الإنساني، والإمكانات المهارية والتلقائية.

لا يمكن تجاهل محمد رمضان كظاهرة جديرة بالتحليل، في ظل مناخ فني ضحل كاسد، يقترب من حد الإفلاس ما عدا استثناءات فردية نادرة، الأمر الذي خلق تعطشًا إلى نجوم الماضي المحبوبين، وأجج النوستالجيا إلى أقصى درجات اشتعالها في القلوب.

بخلطة سحرية، فيها من شخصية أحمد زكي الكثير، بعد تفريغها من محتواها الفني والقيمي بما يلائم العصر، وفيها ما هو مستجدّ مصنوع من لغة العنف والدم والبلطجة والجريمة والفهلوة والإثارة الرخيصة والجنس والعبارات الجريئة والبذيئة والرقص العاري والتقاليع الشخصية والهوس بالذات حد الجنون والتباهي بالسيارات والممتلكات الفارهة وغيرها من البهارات ومتطلبات السوق والسوشيال ميديا واحتياجات الجمهور المنخرط في السوقية والاستهلاكية والتدني، حققت أعمال "الزلزال" الدرامية والغنائية أرقامًا يصعب تصديقها من حيث عدد المشاهدات والمتابعات والحضور الكمي الطاغي، فكليب "بابا" تجاوز 36 مليون مشاهدة، وتعدى "فيروس" 35 مليونًا، واقترب كليب "مافيا" من 155 مليونًا، وتخطى "إنساي" 155 مليون مشاهدة على يوتيوب.

لا يمكن نسبة تجربة رمضان إلى التقليد وحده، فهو في بعض الأعمال الجادة، مثل مسلسل "زلزال" من تأليف عبد الرحيم كمال وإخراج إبراهيم فخر، قادر على التحرر وتقمص الشخصيات وفق معطياتها الجسدية والنفسية والسلوكية المرسومة، باحترافية وعفوية في آن، لكن آلة الصناعة الثقيلة هي التي تسطر خطوات رمضان كنجم كاسح "نمبر وان"، بترويج احتكاري متعمد، وفي هذا التصعيد المستمرّ اتكاء غير هيّن على كاريزما أحمد زكي، التي اعتبرها رمضان جينات وراثية مكتسبة، من فرط ما يلجأ إليها وقتما شاء، وفي هذا التقليد المسطّح الأجوف إساءة مزدوجة، إلى زكي (فنان البسطاء والطبقة الشعبية الكادحة المطحونة) وإلى ذاته، في وقت واحد.

ويبقى فنانو التقليد، المحصورين في عباءة الأب، أنفاسًا اصطناعية باردة وشجيرات بلاستيكية قصيرة، في حديقة الإبداع التي لا تعمّرها إلا الأشجار الباذخة.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها