آخر تحديث:13:15(بيروت)
السبت 05/10/2019
share

السجاد القاجاري... حكاية سلطة فارسية جديدة

محمود الزيباوي | السبت 05/10/2019
شارك المقال :
  • السجاد القاجاري... حكاية سلطة فارسية جديدة
    6 سجادة من الطراز الأوروبي تحمل توقيع أستاذ حسين كرماني، أُنجزت بين 1864 و 1865.
  • سجادة تحمل اسم علي أكبر خان شرف الملك، حيكت عام 1837، وفيها يتكرّر الشعار القاجاري الذي يجمع بين الأسد والشمس.
    سجادة تحمل اسم علي أكبر خان شرف الملك، حيكت عام 1837، وفيها يتكرّر الشعار القاجاري الذي يجمع بين الأسد والشمس.
  • سجادة ملكية من توقيع أستاذ علي أُنجزت سنة 1910، وتزيّن وسطها صورة شخصية لآخر الملوك القاجار، سلطان أحمد شاه.
    سجادة ملكية من توقيع أستاذ علي أُنجزت سنة 1910، وتزيّن وسطها صورة شخصية لآخر الملوك القاجار، سلطان أحمد شاه.
  • سجادة بلاط من نتاج بلدة هريز نعود إلى منتصف القرن 19، وتحمل بيتا من الشعر للشاعر الصوفي بابا طاهر.
    سجادة بلاط من نتاج بلدة هريز نعود إلى منتصف القرن 19، وتحمل بيتا من الشعر للشاعر الصوفي بابا طاهر.
  • سجادة قبلية من نتاج قبيلة "الخمسة"، حيكت بطلب من إسماعيل ذو الأنوار في سنة 1240 هجرية، أي في عام 1824
    سجادة قبلية من نتاج قبيلة "الخمسة"، حيكت بطلب من إسماعيل ذو الأنوار في سنة 1240 هجرية، أي في عام 1824
  • السجاد الفارسي في كتاب جديد من توقيع هادي مكتبي.
    السجاد الفارسي في كتاب جديد من توقيع هادي مكتبي.
افتُتح، مساء الجمعة، في صالة "هادي مكتبي"، معرض يسلّط الضوء على تطوّر فن السجاد الفارسي في القرن التاسع عشر، خلال "الأعوام المنسية" كما يشير العنوان، وهي الأعوام التي حكمت فيها السلالة القاجارية بلاد فارس. استمرّ هذا العهد من العام 1794 إلى العام 1925، وفيه عاشت بلاد فارس تحوّلاً كبيراً ترك أثراً عظيماً في سائر فنونها، ومنها فن السجاد الذي اشتهرت به هذه البلاد على مدى العصور.


في العام الماضي، تحت عنوان "إمبراطورية الورود"، أُقيم في متحف اللوفر الفرنسي أوّل معرض مخصّص للعصر القاجاري في أوروبا الغربية. ضمّ هذا المعرض الكبير أكثر من 400 قطعة فنية، منها عدد من قطع السجاد تعود إلى مجموعة هادي مكتبي الخاصة. وأصدرت منشورات اللوفر بهذه المناسبة كاتالوغاً ضخماً شاركت في إنجازه مجموعة من كبار المتخصصيّن في هذه الحقبة، منهم هادي مكتبي الذي كتب مقالة تعريفية بفن السجاد في هذه الحقبة. واليوم، يقدّم مكتبي منفرداً، مجموعته، في معرض تعريفي يستمرّ حتى 26 تشرين الأول/اكتوبر في صالته الكائنة في برج سرق، في منطقة التباريس. ويترافق هذا المعرض مع صدور كتاب كبير من توقيعه بالإنكليزية، يؤرخ لتطوّر السجاد الفارسي بين العام 1722 والعام 1872. وتجدر الإشارة إلى ان هذا الكتاب الفخم صدر في لندن عن "منشورات هالي" العريقة التي تعني بنوع خاص بالمؤلفات العلمية، لا سيما فن السجاد.

منذ القرن التاسع عشر، اهتمّ الأوروبيون من محبي الفنون الشرقية، بالسجاد، وسعوا إلى اقتنائه ودراسة تاريخه وأصنافه. كان مؤرخ الفن، الألماني يوليوس لسنج، أوّل من اقتنى سجادة من الكليم التركي لمتحف برلين في العام 1868، كما انه كان أول من وضع كتاباً خاصاً بفن السجاد. وقد حمل هذا الكتاب عنوان "تصميمات السجاد الشرقي القديم، علامة على الطريق"، وضمّ مجموعة من التصاميم المأخوذة من لوحات وقطع أصلية تعود إلى القرنين الخامس عشر والسادس عشر. بعدها، أُقيم في فيينا العام 1891 أول معرض خاص بروائع هذا الفن التراثي، وشهد هذا المعرض لصعود نجم السجاد الشرقي في أوروبا خلال فترة زمنية قصيرة.

وفي مطلع القرن العشرين، نشر المستشرق الألماني، وليم فون بود، صور أهم قطع السجاد الموجودة في برلين، وأرسى قواعد الكتابة العلمية عن السجاد الشرقي الكلاسيكي في دراسة تشكل أساساً للمعرفة الأكاديمية الخاصة بهذا الفن التراثي الرفيع. من جهة أخرى، قدّم هذا المستشرق مجموعته الخاصة من السجاد إلى متحف برلين، وشكّلت هذه الهبة نواة مجموعة متحف الفن الإسلامي في مرحلة التكوين. وخَلَف وليم فون، مستشرق يدعى فريدريش، اشتُهر بتجواله في أقاليم آسيا الصغرى وإيران، وكان أول من بدأ بالأعداد لمعرض ضخم افتتح العام 1910 تحت عنوان "روائع الفن الاسلامي في ميونخ"، ومع هذا المعرض انطلقت شرارة معارض الفن الإسلامي المتعاقبة في أوروبا.

نما فن السجاد على ما يبدو في آسيا الصغرى في عهد السلاجقة، وتطوّر بشكل متواصل منذ تلك الحقبة، وبلغ القمة في الفترة الممتدة من القرن الخامس عشر إلى نهاية القرن السابع عشر، وهي الفترة التي تُعتبر العصر الكلاسيكي لهذا الفن. وتميّزت هذه الكلاسيكية بلغتها التجريدية القائمة على وحدات هندسية خالية من أي تجسيم، تُغطي السطح كله تبعاً لتصاميم متعددة، تقوم على أسس هيكلية ثابتة. انتقلت هذه الصناعة باكراً إلى بلاد فارس، حيث تشكّلت مدرسة خاصة بها منذ مطلع القرن السادس عشر. لمعت هذه المدرسة في عهد الصفويين، حيث ظهرت أغنى أنواع السجاد تركيباً وتلويناً، وتميّز هذا السجاد باعتماده على التراكيب التي توحّد بين العناصر التصويرية والتراكيب التجريدية. طوّع الحرفيّون الفرس الأشكال الحيوانية والآدمية وحوّروها، وجعلوا منها مفردات تشكيلية تنصهر انصهاراً تاماً في تأليف السجادة تجريدية الطابع. وشكّلت هذه الخصوصية التصويرية أساساً للمصطلحات الحديثة، التي تقسم السجاد الإيراني إلى مجموعات تبعاً لموضوعاتها، مثل "سجاد الزهور"، "سجاد الحدائق" و"سجاد الصيد".

عاشت الدولة الصفوية على مدى أكثر من قرنين من الزمن، وتبعتها الدولة الزندية التي استمرّت حتى العام 1796، حيث أطاحها القاجاريون الذين شرعوا بتوحيد الأراضي الإيرانية واعتمدوا طهران عاصمة لدولتهم. دام العصر القاجاري حتى العام 1925، وشهد تغلغل النفوذ الأوروبي في الشرق الإسلامي. وُسِمت هذه المرحلة بالانحطاط بسبب التراجع السياسي والاجتماعي، غير أن الآثار الفنية التي أنتجت في ظلّها تشهد لاستمرارية الإبداع الفني، وقد تميّز بها الإبداع بابتكار أساليب جديدة تجلّت في فنون الكتاب والحلي والأزياء والسجاد والمعادن، كما في ظهور رسوم البورتريه والطبيعة الصامتة، وذلك بتأثير مباشر من الثقافة الأوروبية. أهمل مؤرخو الفنون الإسلامية، هذه الحقبة، إلى أن أعيد اكتشافها في نهاية التسعينات من القرن الماضي، وتبيّن أن ازدهارها ارتبط بشكل وثيق بالسلطة السياسية التي رعتها لخدمة نفوذها، في زمن تنازُع الروس والانكليز للسيطرة على بلاد فارس.

تعكس مجموعة هادي مكتبي التنوّع الكبير الذي عرفه فن السجاد في ظل هذه التحوّلات. من هذه المجموعة، تبرز سجادة قبلية تحمل كتابة تقول بأنها حيكت على أيدي قبيلة "الخمسة" قرب شيراز، بطلب من إسماعيل ذو الأنوار في 1240 للهجرة، أي في العام 1824، ممّا يجعل منها أقدم سجادة قبلية مؤرّخة في العالم. ونقع على سجادة أخرى تحمل كتابة تحمل اسم علي أكبر خان شرف الملك، حيكت بين 1837 و1838، وهي من النوع الذي يُعرف بـ"سينا"، نسبة إلى مدينة بهذا الاسم تقع في غرب ايران. على هذه السجادة، يتكرّر ظهور الشعار القاجاري الذي يجمع بين الأسد والشمس، إضافة إلى ظهور صورتين لراقصات، تماثلان ما نراه في فن الرسم القاجاري الذي لمع في تلك الفترة. ويتجلّى الطابع التقليدي في قطع أخرى، منها سجادة بلاط من النوع الملكي منسوجة من الحرير، تتبنّى الطراز المعروف باسم "برده"، وهو الاسم الذي اشتُقّ منه لفظ "برداية"، وهي من نتاج بلدة هريز في منتصف القرن التاسع عشر، وتحمل بيتاً من الشعر يعود للشاعر الصوفي بابا طاهر.

ويبقى الطابع التقليدي حياً في مطلع القرن العشرين، وأبرز شواهده سجادة من نتاج قرية غزوس المجاورة لمدينة بيجار تعود إلى سنة 1328 هجرية، أي إلى العام 1910، وقد حيكت بطلب من قائد الجيش الملكي علي رضا خان تومان، بمناسبة زواج ابنته "محترم خانم"، وهي واحدة من ثلاث سجادات تتماثل في الشكل وتحمل التوقيع نفسه، غير أنها تتميّز بكونها منسوجة على أرضية من حرير.

في المقابل، نقع على سجاد من نوع جديد، يعكس تأثراً كبيراً بالفنون الأوروبية، منها سجادة ملكية من الحجم الصغير خرجت من مشغل الحرفي الشهير أستاذ علي في كرمان، وهي كذلك من نتاج سنة 1328 هجرية الموافقة لعام 1910، وتزيّن وسطها صورة شخصية لآخر الملوك القاجار، سلطان أحمد شاه. وقد أُنجز هذا البورتريه بطلب من البرلمان، تخليداً لفوز القوى الدستورية على القوى الملكية سنة 1906، كما تؤكد الكتابة التي حلّت في خانة فوق البورتريه، وأخرى في أسفله.

ظهر هذا النوع المبتكر من السجاد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كما تشهد سجادة من الحجم الكبير تحمل توقيع أستاذ حسين كرماني، في سنة 1281 هجرية، أي بين 1864 و1865. يحضر هذا التوقيع، أسفل اللوحة الدائرية التي تزين وسط السجادة، وهي من الطراز الغربي الصرف، وتعلوها لوحة بيضاوية من الطراز نفسه. على الشريط الأعلى من التأليف، تحضر كتابة مطوّلة تقول بأن هذه السجادة وضعت في القصر بأمر من الأمير عميد الدولة خلال حكم ناصر الدين الشاه.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها