آخر تحديث:15:07(بيروت)
الجمعة 04/10/2019
share

رولا الحسين لـ"المدن": لا يهمني في الكتابة سوى الحذف

روجيه عوطة | الجمعة 04/10/2019
شارك المقال :
رولا الحسين لـ"المدن": لا يهمني في الكتابة سوى الحذف
صدر لرولا الحسين مؤخراً، رواية جديدة بعنوان "بعد ظهر يوم أحد" (دار ألكا للنشر)، وبهذا، تكون قد أصدرت روايتها الثانية، التي تضعها، وفي مشغلها الكتابي، إلى جانب روايتها السابقة "حوض السلاحف" (دار الساقي)، فضلاً عن مجموعاتها الشعرية، ومعها، لوحاتها التي لا تتوقف عن رسمها. 

هنا مقابلة "المدن" مع رولا الحسين، حول مشغلها، وروايتها الجديدة...

- أخبرينا قليلاً عن سيرتك، أعرف أنك قبل كل شيء مستثمرة، ولاحقاً، شرعتِ في تجربتك الكتابية كشاعرة، كيف حصل ذلك، من أنتِ؟

* أبدأ إجابتي بضحكة ضرورية.
لا ، لست "مستثمرة" قبل كل شيء. إنما لدي مغامرات استثمارية متوازية مع مغامراتي الأخرى، ومن ضمنها الكتابية. وهي مغامرات لأن معظمها كان من دون دراسة فعلية، وبالتالي فشلت. لطالما أغرتني فكرة المشاريع التجارية وربما هذا له علاقة بحب والدي، ومحاولاته المتواضعة وأحلامه الكبيرة المرتبطة بالتجارة. نقل لي حب المحاولات وللأسف الفشل فيها أيضاً. شاركت أخي في PUB في بيروت، Anise، هذا كان استثمارًا ناجحًا، لكن لا يد لي في هذا النجاح.

أما، في خصوص الشِّعر، فكان طريقي إليه سهلًا، لأنه كان حاضرًا وقريبًا من طبيعتي التي فهمت متأخرةً أنها ميلانكولية وتأملية. شرعت في كتابته، ثم، لاحقاً، كتبت نصوصًا سردية قبل الانتقال إلى الرواية. وهذه النصوص هي نواة روايتي التي نشرت مؤخرًا "بعد ظهر يوم أحد". كتبت هذه الرواية قبل رواية "حوض السلاحف"، لكن ظروف نشرها تأخرت. هذه الرواية نُشر بعض منها في شكل نصوص على مراحل عديدة سابقًا. كتبت معظمها خلال إقامتي في دبي. المجموعتان الشعريتان في البداية أيضًا كتبتهما في دبي ("أترك ورقة باسمك وعنوانك ولونك المفضل"، "أتحرك فقط ليكنسوا الغبار تحتي"/ دار الغاوون). وبما أني خريجة فنون جميلة، كان هاجس الرسم يطاردني. ورسمتُ من دون أن أتمكن من العرض. أولاً، لأني كنت بعيدة من الأجواء الثقافية والفنية. ثانياً، لأني أصلًا لم أثق في أني فنانة. وهذا، على عكس الكتابة، إذ كنت مع الوقت أشعر بأنني متمكنة منها أكثر، فكتبت المجموعة الشعرية الثالثة أثناء إقامتي في قطر ("نحن الذين نخاف أيام الآحاد"/ دار الجديد)، وأكملت الرسم أيضًا وأيضًا من دون أن أعرض.

في ما بعد، كتبت روايتي الثانية، والتي كانت الأولى من حيث النشر (حوض السلاحف) أثناء إقامتي في قريتي في جنوب لبنان.

تتنقلين بسهولة بين شعرك وروايتك ورسمك، كيف تفعلين ذلك؟ كيف تقررين أن هذه الفكرة شعرية، وتلك سردية، وهذه للرسم؟

* أحيانًا، لا أنتقل من وسيلة إلى أخرى، بل بين هذه الوسائل كلها. وأحياناً، أكرر الفكرة بكل الأشكال رسمًا، نثرًا، وشعرًا. أينما نظرتُ، أجد الشعر، إذ يفرض نفسه عليَّ كأنه توأمي، أو كأنه أناي الأصلية. أما الرواية، فتلبي جانباً آخر مني، وتعبّر عنه، وهو جانب يسيطر عليه الانضباط والمنطق والبنية والمنهجية. هذا الجانب تم تحفيزه من قبل عملي الوظيفي. وكتابة الرواية بالنسبة إلي بمثابة تحدٍّ ممتع، فيه الكثير من البناء إذ أجدني مدفوعة بابتكار تجربة من دون مرجعيّة سواي.

أما الرسم فانتقلتُ معه من حالة التعبير والانفعالات اللونية، إلى مرحلة النضج اللوني والاهتمام أكثر بالتأليف والخطوط وحساسيتها التي تسحرني، والتي لا يمكن التعبير عنها كتابة، ولا يمكنني تجاهل تأثيرها فيَّ.

مع قراءة شعرك، هناك احساس دائم يعبر كل قصيدة، وهو نوع من الخمول، الخمول، الذي تحولينه إلى مسقط للمعنى، والذي غالباً ما يلازمه التهكم... لماذا يشغلك هذا الإحساس؟

* حين أعبّر عن هذا الخمول، لا أكون في صدد الشكوى منه. بل أنا معجبة به، ومعجبة باكتشافي له، وإرتياحي إليه. أجده طبيعياً جداً، ويليق بهذه الحياة التي كل ما فيها وكل من فيها يطالبك بالانجاز. وهذا أمر لا يناسبني، إنما يضحكني. لا أجد أن لدينا هدفاً أو أهدافاً في هذه الحياة، النشاط أو الإنجاز هو أساس تحقيقها. فعيش الحياة، إن قرَّرنا الاستمرار فيها كفرض، هو بعينه الهدف. أما كيف نعيشها، ففي ظني بالبحث عن اللذائذ، الصغيرة منها والكبيرة.

ولهذا أتهكم معلنة، انتصار الخمول، أو تمجيده في وجه دعاة الإنجاز. فالخمول، والتهكم، هما من وسائلي للاستمرار في العيش على هذا الكوكب الفاسد والجميل. ولا أرى أن هناك وسيلة أخرى تجعل الوجود – طالما أنه وقع – ممكناً. فكل الاحترام لهما.

- لا ينطلق سردك، وفي أغلب مقالبه، بلا تعيين مكان وزمان واحد له، يدور في غرفة، في زنزانة، خلال وقت بعينه، هل يساعدك على التمكن من تفاصيله؟

* كل شيء يحدث داخلنا. نحن محور الأحداث، وحيث نكون تكون. وكل ما أبحث عنه أجده عندي، في مكاني، وفي محيطي الضيق. لا شيء خارج الرأس، ولا خارج مرمى النظر، لا شيء حيث لا تصل يدي أو ساقي. وما يمكن أن يحصل في سنوات، من الممكن أن يحصل في دقيقة. وبما أني أحب الكثافة، وأبحث عنها، فلا أذهب إلى التفتيش بعيدًا. فبالسرد أجدها هنا وحولي وفيَّ.

 ترفعين سردك دائماً على محمل الأنا، وهي، في لحظاتها القصوى، تكون لامبالية، ومن هذه اللامبالاة، تجد منفذها، وهذا حتى لو كانت في السجن. هل تجدين أن هذه الأنا، طريقة وجودها، هي سبيل إلى الحياة؟

* لا أعرف ولم أتعرَّف على أي شيء خارج هذه الأنا، إذ أبحث دائماً فيها، وهذا، انطلاقًا من قناعة تفيد بأني، في حال تعرفت عليّ، في مقدوري التعرف على كل شيء. وعملية البحث يجب في اعتقادي أن يدور في رجائه الأساس، فخارج "الأنا" الخاصة بأي شخص منا، تكون الأجوبة جاهزة ومعلبة دائماً.

روايتك الجديدة، "بعد ظهر يوم أحد" تحيل بعنوانها إلى عنوان مجموعتك الشعرية "نحن الذين نخاف أيام الآحاد"، ما هو يوم الأحد في حسبانك؟

* أحبُّ الآحاد، تمامًا كما أحب ليالي رأس السنة، وفترة الامتحانات والأزمات. أمام هذه المناسبات أو الأيام، تسقط كل الحواجز بين الناس، لأن المناسبة تجمعنا. فكما في وسعك أن تبتسم لأي شخص لا تعرفه يوم رأس السنة، وتطمئن على الغرباء بعد زلزال، بإمكانك أيضًا أن تشعر بخيط وهمي يربطك بالجميع أيام الآحاد. شكل ستائر الشقق المقابلة، يتحرك بشكل مختلف يوم الأحد، صوت الهدوء مختلف، كل الأصوات الآتية من الخارج مختلفة.

ينتابني شعور دائم أن للآحاد لوناً ونكهة واحدة لدى الجميع، وهي كخريف الأسبوع، تمامًا كما هو الوقت بين الساعة 7 والساعة 9 من كل يوم. الآحاد تحمل خيبة نهاية الأسبوع، وتحمل أوجاع المعدة قبل بدء أسبوع طويل آخر. هي نقطة نهاية الأغنية، والإنذار بإعادتها مجدداً مرة بعد مرة بعد مرة.

في مقدورك ان تؤلفي نصاً سردياً عن فعل مألوف، ولا يُعدّ محط انتباه، الصعود على سلم خشبي إلى السطح مثلاً، هل هذا ابتعاد عن مسائل روائية كبرى، تبغي أن تكون تأريخاً، ومحاولة "تسريد" مواقف صغرى؟ أستفهم منك بطريقة أخرى:"على ماذا تسردين؟"

* وما المسائل الكبرى؟ وكبرى لمن؟ أرغب في الظن أن المسائل التي تشغلني أو أهجس بها كلها كبرى، مهما صغرت كتفاصيل. الحساسية هي ما يحركني، وهي قضيتي الكبرى. وهي تماماً كالآحاد، وكليالي رأس السنة، بحيث تصيبنا جميعنا، وبالتالي، تجمعنا.

- في روايتك الجديدة، البطلة بلا اسم ولا هوية، لماذا؟

* في الروايتين لا اسم للبطلة. أحاول ألا أضيف ما لا داعيَ لإضافته. ما الذي كان سيضيفه اسم هاتين الشخصيتين على أحداث الروايتين؟ لا شيء على الإطلاق. لا علاقة للاسم بتركيبة الشخصية. أنا أيضًا لا أذكر مهنتها، لكني أبيّن أثرها في الشخصية. تمامًا كالكثافة، أنا مهتمة بالحذف. وأتمنى أن أصل إلى مرحلة ليس فيها حرف واحد زائد. الزيادة تذكرني بالغبار.

- هل فعلاً تريدين أن تكوني كاتبة مشهورة؟

* نعم. أريد أن أكون كاتبة مشهورة، ورسامة مشهورة إن أمكن، وهذا، رغم كوني أستبعد ذلك. وهكذا، أنهي إجابتي مثلما بدأتها، أي بضحكتي نفسها.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

روجيه عوطة

روجيه عوطة

كاتب لبناني من أسرة "المدن"

مقالات أخرى للكاتب