آخر تحديث:12:44(بيروت)
الخميس 31/10/2019
share

أمجد ناصر.. موت "كسرد متقطع"

هشام أصلان | الخميس 31/10/2019
شارك المقال :
أمجد ناصر.. موت "كسرد متقطع" أي همّ للشاعر، يدفعه، في مواجهة مثل هذه مع الطبيب، أن يفكر في ما تبقى له من كتابة؟
حوار قصير ومرعب، دار بين الشاعر الأردني أمجد ناصر وبين طبيبه قبل شهور، كان مدخلًا لنصٍ سردي فاتن ومؤلم أوقف المهتمين في الأوساط الثقافية العربية على أطراف أصابعهم. افتتح أمجد نصه بكيف أخبره الطبيب أن الأمل في علاجه من السرطان بات معدومًا:
"وفي ما يخصني ماذا عليّ أن أفعل؟
قال: أن ترتب أوضاعك. وتكتب وصيتك!
قلت له: لدي أكثر من كتاب أعمل عليه، وأريد أن أعرف الوقت.
حدد وقتاً قصيراً، لكنه أضاف: هذا ليس حساباً رياضياً أو رياضيات. فلا تتوقّف عنده".

ثم استعاد أمجد، في سرد تتخلله مقاطع شعرية، حكاية مرضه منذ اكتشافه بقدرة إبداعية لافتة، في ظرف مثل هذا، على أن يحيّد نفسه ككاتب، كأنه لا يحكي عن واقعه الذي على حافة الانتهاء. بعدها أصدر أمجد بالفعل ديوانه "مملكة آدم" عن منشورات المتوسط، ونشر عدداً قليلاً من النصوص والمقالات إلكترونيًا، وكان يهتم بين حين وآخر أن يشارك عبر صفحته بعضاً من كتابات الأصدقاء عنه.

وأنا، بعدما قرأت رثاء أمجد لنفسه قبل شهور، ذهبت أسأل كل من أقابله عن أي همّ للإنسان، ولو كان شاعرًا، يدفعه، في مواجهة مثل هذه مع الطبيب، أن يفكر في ما تبقى له من كتابة؟ بصيغة أخرى: ماذا تعني الكتابة لصاحبها الذي عرف أنه موشك على الرحيل؟ اتهمني صديق في لحظة ثمالة بأنني لست مهمومًا بالكتابة ما يكفي لأن أصدق فيها إلى هذه الدرجة. في لحظة الثمالة نفسها منعتُ نفسي من ضربه واكتفيت بطرده من الجلسة.

ويعني أمجد ناصر كتلةً فعالة في الواقع الثقافي العربي. هنا عدد من الأعمال الشعرية والسردية التي تُرجم بعضها إلى لغات عديدة: "مديح لمقهى آخر"، "بيروت"، "سُرَّ من رآك"، "حياة كسرد متقطع"، "رعاة العزلة"، "وصول الغرباء"، "أثر العابر"، "خبط الأجنحة"، "هنا الوردة"، وغيرها من الأعمال، فضلًا عن تجربة خاصة وكبيرة في الصحافة الثقافية، تجربة نجحت في أن تكون نقطة التقاء الكُتّاب العرب من داخل وخارج الوطن العربي، عبر إشرافه سنوات على الصفحة الثقافية لجريدة "القدس العربي" التي شارك في تأسيسها، ثم موقع "ضفة ثالثة" الذي أسسه قبل ثلاث سنوات ضمن جريدة "العربي الجديد".



بالأمس، وكعادة ما يحدث مع رحيل عزيز، تدفقت الذكريات دفعة واحدة. تذكرتُ ليلة وقف أبي عند باب شقتنا في إمبابة، قبل نحو 25 سنة، يراقب إن كان أحدًا من الجيران سيتيقظ على ضجيج أصدقائه الذين نزلوا السلم يغنون ويضحكون بصوت عالٍ بعد سهرة طويلة أثناء زيارة إلى القاهرة: أمجد ناصر والسيدة أم أنس زوجته، ومعهما الشاعران نوري الجراح ولينا الطيبي. كانوا منتشين بالشراب، بينما شعر أبي بالقلق من أن تسري أصواتهم في صمت الليل إلى آذان جيراننا المحافظين. في الليلة التالية، حضرنا أمسيتهم الشعرية في المؤتمر الذي جاءوا للمشاركة فيه، ثم كانت المرة الأولى التي أدخل فيها حانة "الجريون". كنت في الصف الثالث الإعدادي. كان ذلك في سنوات ما قبل طفرة الإنترنت وسهولة التواصل بين البشر. أخذت الدنيا الجميع من بعضه بعضاً، لكننا كنا نعرف أن هناك أصدقاء قريبين يعيشون بعيدًا، قبل أن يظهر "فايسبوك" ليعيد التواصل.

لم يفقد أمجد شكله المُميز، إن لم يكن زاد حضورًا. زيادة الوزن لم تفسد شيئًا، على العكس، وخصلات شعره الكثيف الناعم صارت رمادية لامعة. ملامح وتكوين جسدي يساعد في أناقة الملبس. أشعر بسعادة شخصية عندما لا يأتي الزمن على من عرفتهم صغيرًا. هكذا فكرت وأنا أقلّب في صوره بعدما جاءتني منه رسالة يدعوني للتعاون في عمل.

كان مشغولًا بفخ الاستقطاب الذي وقع فيه بعض مثقفي العالم العربي، بسبب الأحداث السياسية المهولة، وتلك الفراغات التي حفرتها السياسة في الواقع الثقافي الذي كان بالأمس يشبه مدينة واحدة يعرف ساكنوها التعايش مع بعضهم البعض، وإن اختلفوا. كان يتكلم عن فَقدٍ شخصي لسنوات أجمل عاشها بين أصدقاء في كل مكان يذهب إليه.

هكذا لم يتوقف التواصل منذ ثلاث سنوات، حتى اختفى فجأة. بعد فترة عاود الظهور وحكى لي حكاية الورم الذي أصاب دماغه. كان متفائلًا لدرجة التوصية بألا أتكاسل عن العمل المتّفق عليه، بينما رحت أفكر كثيرًا في أن الرجل الذي يعاني منذ سنوات، في رفقة زوجته التي أصاب السرطان كليتها، صار هو الآخر مصابًا. المفارقة الكبيرة، أن تلك الكلية المصابة في جسد زوجته كانت كليته هو قبل أن يتبرع بها قبل ذلك بسنوات. وكأن الورم الخبيث ظهر خارج جسده، قبل أن يظهر بداخله.

بالأمس رحل أمجد شاعرًا حتى آخر نفس. كان مثقفا كبيراً يتسم بالطيبة والجمال، ومحبة أخوية في قلوب عشرات الأصدقاء من كل بلد عربي رغم قوانين الجغرافيا. ذهب إلى العالم الآخر على مراحل، في موت "كسرد متقطع"، ومنحنا في كل من مراحل موته، شعرًا وحكاية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها