آخر تحديث:13:49(بيروت)
الأربعاء 30/10/2019
share

"بيت القبطية" لأشرف عشماوي..قريبًا من الطائفية بعيدًا من المنطق

أحمد شوقي علي | الأربعاء 30/10/2019
شارك المقال :
"بيت القبطية" لأشرف عشماوي..قريبًا من الطائفية بعيدًا من المنطق
في رواية "بيت القبطية"* للروائي المصري أشرف العشماوي، تمهدك كلمة الغلاف الخلفي لأجواء مشابهة لما جاء في "يوميات نائب في الأرياف" لتوفيق الحكيم، فأحداثها تدور حول ما يواجهه وكيل نيابة شاب في إحدى القرى المصرية الواقعة على أطراف الدلتا وبداية الطريق إلى الصعيد، وهو ما لا يبدو غائبًا عن الكاتب الذي يدفع برواية الحكيم ومعها كتابه الآخر "عدالة وفن"، في صدارة الصفحات الأولى من الرواية أمام عيني البطل. لكن ذلك لا يعني أن اشتباكاً سردياً سيجري، سواء على صعيدي المقاربة الفنية أو الموضوعية، بين النصين. فالكاتب لم يستدع الرواية بعد ذلك، سوى مرتين أو ثلاث، لكي يقرأها بطله في أوقات فراغه. لا يبدو منشغلًا بعقد مثل تلك المقاربات، وكأن لحضورها وظيفة أخرى غير المعارضة السردية، وكأنه يدرأ عن نفسه من وراء استدعائها شبهتي الاقتباس أو التأثر، وكأنما يقول "نعم أعرف رواية الحكيم، لكن روايتي مختلفة"، وبالفعل هناك تباين كبير بين العملين.

تدور الرواية، في قرية تدعى "الطايعة"، تتعرض لأحداث طائفية جسيمة بين غالبيتها المسيحية وأقليتها من المسلمين، يضطلع بالنظر فيها وكيل نيابة شاب هو نادر كمال فايز، الذي يطمح لإرساء القانون، لكنه يصطدم بعراقيل تفرضها الدولة للتغطية على تلك الفتن، تحول بينه وبين تحقيق العدالة، قبل أن تتصاعد الأحداث إلى ذروتها فتؤدي إلى مذبحة تجبر الأخيرة على الاعتراف بالأزمة، لكن بعد ضياع القرية ومعها "هدى" الصوت السردي الآخر في الرواية، والباحثة عن مآل أفضل لحياتها البائسة.

وينسج الكاتب خطوطًا لقصص محتملة توسع من دائرة السرد، لكنه لا يؤسسه بناء عليها، ولا تلعب أدوارًا محورية في حركته الخطية، سوى أن تمثل نقاطاً إشارية قد يستدعيها وكيل النيابة لربطها – أحيانًا - بأحداث القضايا التي ينظرها، من دون أن تشكل واقعًا يتعامل من خلاله أبطال أحداث تلك القضايا من أهل القرية. فـ"نور"، ابنة العمدة الهاربة، أو التي تاهت في الماضي البعيد داخل الحقول "مثل حمامة النار"، ترتبط في ذهنه أو ذهن حاجبه بحادثة تالية عند انتحار (أو قتل) حارس الطواويس (محمد علوان) محترقًا فوق سطوح منزله مثل "طائر النار"، ثم تظهر سيرتها أيضًا بظهور (هدى القبطية")، التي للمفارقة تختار اسم "نور" في بداية القصة لإخفاء هويتها الحقيقية، ويحدث ظهورها أثرًا مماثلًا لما أحدثته قصة نور الأصلية في حال القرية، وذلك –فقط - وفقاً لما تفترضه التمثيلات الذهنية لكل من وكيل النيابة وحاجبه، من دون أن تتجاوزهما إلى واقع الأحداث الرئيسي المنشغل بعرض الأحداث الطائفية التي تمور بها تلك القرية.

كذلك تبدو الشخصيات الثانوية، من دون وظيفة سردية سوى تشكيل المشهد الطائفي للقرية ذات الغالبية المسيحية، والتي قد تثير مصائرها المبتسرة ذهن القارئ المنشغل بمنطق حكاياتها. فحارس الطواويس في حديقة حيوان الجيزة، الذي يهم بسرقة أحدها إرضاء لزوجة شابة تصغره بسنوات كثيرة، لا يسرقها مثلًا لبيعها والاستفادة من ثمنها، أو لاستخدامها في أي من أعمال الشعوذة والدجل، وإنما ليثبت حبه لزوجته، فما يكون من الأخيرة إلا أن تكافئه بذبح ما سرق وطهوه له على الغداء، وذلك قبل أن تتسبب جريمته في طرده من عمله، ومن ثم هجران زوجته له كي تتزوج من آخر غنيّ، ربما كان أمامها منذ بداية القصة، وأكثر صلاحًا لتحقيق تطلعاتها من شيخ لا يملك من الدنيا سوى عمله كحارس للطواويس في حديقة الحيوان.

أما المستشار رضوان، الذي ظهر في بداية الرواية، بما يوحي باضطلاعه بدور مهم في مجرياتها التالية، فإنه اختفى من بعد ظهوره تمامًا ولم يأت ذكره إلا للإشارة إلى نزاعه مع عائلة أخرى تدعى "عائلة بيشوي"، التي لم يظهر أي من أفرادها ولو مرة وحيدة طوال أحداث الرواية، وكذلك لم يشفع الظهور الكاريكاتوري لعمدة القرية المسماة على اسم عائلته، لاختفائه المتتالي خلال الأحداث.

ورغم أن أحداث الرواية تدور في العقد الأخير من دولة مبارك، إلا أن مظهر واقعها الريفي لا يبدو مختلفًا كثيرًا عما كانه في بداية القرن العشرين، أو ما يظهر عليه في الدراما المصرية التقليدية. فلا دليل على تبدل الزمن سوى أن بعض الفلاحين صاروا يملكون هواتف محمولة، وأن العمران قد زحف على بعض أراضيها المزروعة، لكن المظهر العام للقرية غير البعيدة من محافظة الجيزة، لم يكشف عن أي من التغيرات الجذرية التي طالت الريف المصري منذ نهاية السبعينات وحتى اليوم... ربما يكون الكاتب آثر الاكتفاء بما رصده من مظهر بدائي للقرية، لتهيئتها كي تكون تربة خصبة لنمو الحرب الطائفية البشعة التي جرت على أرضها. لكنه، في الوقت نفسه، لم يستعرض سوى المعلوم سلفًا لدى غالبية المصريين من شحن طائفي وجرائم بشعة، لم تعد خافية رغم إنكار الدولة المتكرر لوجود أي فتنة طائفية بين مواطنيها من الأساس.

اختار الكاتب أن يمنح سرد أحداث الرواية، لصوتين غريبين على القرية، هما وكيل النيابة نادر فايز كمال، وهدى يوسف حبيب، اللاجئة إلى بلدة الطايعة بعد ضلوعها في قتل زوجها، في حين لم يتح لأبناء تلك القرية القدر نفسه من المساحة أو أقل، لسرد وقائع حياتهم، على الرغم من أن البنية الدرامية للرواية قد تسمح بذلك، باعتبار أن باقي الشخصيات شهود على الوقائع التي تدور فيها، والتي، يحقق فيها وكيل النيابة، فهل قصد العشماوي أن يتمثل بذلك ما وضعه من توطئة في بداية الرواية، باقتباس من إيتالو كالفينو، يقول فيه الأخير، إنه "لا يوجد مكان لحفظ السر أفضل من رواية غير مكتملة".

تملك الرواية نواياها الواضحة، وتسفر عنها بجلاء؛ أن الخطر الطائفي الموجود ترعاه الدولة بدلًا من أن تحاربه. لكن الكاتب يختار دولة بعينها لإدانتها، هي دولة مبارك البائدة، والذي يبدو انتقادها وأجهزتها أكثر أمانًا من انتقاد الدولة الحالية، المهددة لا تزال بخطر الطائفية. ومثل دولة مبارك، ترصد الرواية الأزمة من دون أن تذهب أبعد من ذلك، من خلال صوت واحد هو صوت كاتبها، الذي يعكسه كلا الصوتين السرديين في تماثل، ومن دون أي تباين تفترضه شخصيتاهما المختلفتان. فوكيل النيابة المنحدر من أسرة قضائية، يفكر ويتحدث باللغة نفسها التي تتحدث بها القبطية الهاربة هدى حبيب، التي لا يشفع تعليمها المتوسط وتطلعاتها الشخصية لامتلاك وعي يشابه وعيه، أو لغة مثل لغته، يقول الراوي: "يحيط بي ليل ثقيل، يلفه صمت مريب، كأنما أرهقه كتمان سر يوشك أن يغلبه، خيوط الفجر تتسرب، تتباعد، تنتهز فرصة تردد الليل في آخره لتغمر ما تبقى منه بضوء النهار، لأدري كم مر من وقت وما إن كنت أحلم أم أن ما يحدث أمامي واقعًا (...) الليلة رضي عني القدر، أبعد سحب الحزن وغيوم الهم عن سمائي فدفنت خضر بين ثنايا ذكرياتي، عددت نجوم السماء فوجدتها بعدد سنوات عمري، ها أنا أعيش من جديد حياة أخرى بعدما أنار القمر ليلتي بشموع البهجة فتلمست طريق الفرحة وسرت فيه على مهل كي لا أبلغ منتهاه بسرعة"، غير أن ما سبق من اقتباس، ليس قطعة سردية متصلة أو متقطعة تخص صوتاً واحداً، وإنما اقتباسان من فصلين مختلفين لصوتين يفترض أن يكونا مختلفين كذلك.
ولا تظهر أزمة اللغة فقط، في ما يفترض أن تعكسه من تباين بين وعي كل شخصية على حدة، وإنما في تقليدية العبارة السردية أيضًا، واعتمادها على تركيبات وألفاظ جامدة. لا تعكس حيوية أو إيقاعًا يخصان منطق السرد في الرواية، وإنما تبتغي إيقاعًا عامًا هدفه استعراض الملكة اللغوية واتساع المعجم الذي يملكه الكاتب، وهو منهج – باتت تعكسه بعض الأعمال مؤخرًا - يظن أن رصانة اللغة العربية يدل على البلاغة، فهدى يوسف حبيب حاملة دبلوم المعلمين، تستخدم فعلا مثل "فدغ" للدلالة على تهشيم أحدهم لفحل بصل!

وإن كان هذا الأداء اللغوي الذي قرر الكاتب أن تتحدث به بطلته ليخلع عليها وعيًا يناسب الدور الذي أراده لها في روايته، فإن ذلك الوعي يصطدم بمنطق الحكاية التي يقدمها من خلالها. فهدى القبطية ولدت لأب وأم مسيحيين لا يعرفان القراءة أو الكتابة، هربت أمها بعد وفاة أبيها لتتزوج من آخر مسلم. وقد حالت الظروف المعيشية الطارئة دون أن تكمل هدى تعليمها الجامعي، فاضطرت إلى الالتحاق في معهد المعلمين، الذي أهّلها لتعمل مدرسة للغة العربية بأحد مدارس القرية. يعتدي زوج الأم جسديًا على هدى فتظن وأمها أنه أفقدها بكارتها، وللتغطية على تلك الفضيحة تجبرها أمها وزوج أبيها على الزواج من "كلاف بهائم" (وهو عامل الزريبة المسؤول عن رعاية الدواب فيها)، فلماذا لم تثُر هدى وتهرب من ذلك الواقع مثلا؟ إن زواج مدّرسة مسيحية الديانة من كلاف للبهائم مثل "خضر"، فضلا عن كونه مسلمًا، سيثير الشبهات حول سلوكها، وربما يتحول إلى فضيحة تماثل فضيحة فض بكارتها. ربما لم يكن في استطاعة هدى الهرب والعودة إلى أهل أبيها الذين كفروها وأمها لزواج الأخيرة من مسلم، ولكن ألم يكن في استطاعتها –مثلا - أن تلجأ إلى الكنيسة طلبًا للحماية؟!
لا تفعل هدى ذلك، ولكنها تقتل – أو تظن أنها قتلت - زوجها وتهرب إلى قرية الطايعة مسرح الأحداث في "بيت القبطية"، وهناك تخبرهم في الكنيسة أنها مسيحية وأن زوجها مات في العراق، ودون أن تطلع الكنيسة على شهادة الوفاة، ودون أن تطلبها، تزوجها من أحد أبناء ملتها، بكل بساطة. وفي ظل ما تفرضه الكنيسة المصرية عادة من قيود صارمة على الزواج الثاني حتى بالنسبة للأرمل، وبعد تصاعد الأحداث ومرور قرية الطايعة بوقائع طائفية متتابعة، تنكشف قصة هدى وتدفع بأحداث الرواية إلى ذروتها. ولو طلبت الكنيسة شهادة الوفاة منذ البداية، لخلّصت القرية من مصير دموي! أو لكانت هذه هي القصة، إذا اكتفت بها الرواية في ظل تغاضي الكنيسة عن شهادة الوفاة ثم اكتشاف اقتران مسيحية بزوجين أحدهما مسيحي والآخر مسلم، لتكون مسرحًا أكثر مناسبة لفتح نقاش متعمق حول الفتنة الطائفية، بدلاً من تحويل القرية إلى مسرح لاستبيان أعراض مختلفة للفتنة الطائفية من دون الحفر عميقًا للكشف عن جوهرها.
(*) صدرت الرواية في القاهرة عن الدار المصرية اللبنانية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها