آخر تحديث:13:50(بيروت)
الخميس 03/10/2019
share

صهيب الباري يستكشف السينما السودانية الخارجة من مخابئها

محمد صبحي | الخميس 03/10/2019
شارك المقال :
  • صهيب الباري يستكشف السينما السودانية الخارجة من مخابئها
    الباري لـ"المدن": كانت الرمال في العيون، وشاشة السينما ترفرف كشراع مركب يقاوم.. حينها قررت إنجاز هذا الفيلم
  • حديث عن الأشجار
    حديث عن الأشجار
  • حديث عن الأشجار
    حديث عن الأشجار
منذ العام 1989، ومع وصول عمر البشير وجبهتة الإسلامية الوطنية إلى السلطة؛ أجبر النظام القمعي ثقافة المشاهدة السينمائية على الخروج من المجال العام، بتعطيلها وإغلاق دور السينما، مما دفع صانعي الأفلام الجدد إلى اختبار التعذيب والمنفى. مع ذلك، فإن الأصدقاء الأربعة القدامى، إبراهيم شداد والطيب مهدي ومنار الحلو وسليمان محمد إبراهيم، لم يفقدوا أياً من شرارة حماستهم حتى يومنا هذا، وهم أكثر من سعداء في مواجهة التحدي اليائس المتمثل في بث حياة جديدة في صالة سينما مهجورة.

في فيلمه التسجيلي "حديث عن الأشجار"، يرافق المخرج صهيب جاسم الباري، ذلك الحماس المدهش، لأربعة من روّاد السينما السودانية، من أجل تحقيق حلم حياتهم بجعل السينما من جديد واقعاً في بلدهم، وفي الوقت نفسه، يجري الفيلك جردة مهمة لبلد تقوم سياسته الأصولية الإسلامية في ظل حكم نظام بوليسي (بائد حالياً، إلى حين) بتهيئة مناخ معاد للتفكير الحر والإبداع الثقافي.


أربعة رجال أدركهم الزمن من دون أن ينال من مثابرتهم وشغفهم، يشكّلون "جماعة الفيلم السوداني"، وهم أنفسهم مخرجو تلك الأيام البعيدة، حين كان لا يزال هناك إنتاج وحركة سينمائيين في السودان. درسوا فنون السينما في ألمانيا وموسكو والقاهرة، وأنجزوا بضع علامات فارقة في مسيرة سينما ناشئة، سرعان ما أدركتها رياح السلطة العاتية فأطاحت أضواءها إلى أركان مظلمة. دور السينما القديمة خلت وتداعت. الآن، مع ناديهم السينمائي المتنقل في الأفنية الخلفية، بعيداً من عيون الرقباء، لم يعد متاحاً أمامهم سوى تنظيم عروض صغيرة مجانية لعشرين أو ثلاثين شخصاً، فيستمتع أطفال وآباء إحدى القرى النائية، بأداء شارلي شابلن في "مودرن تايمز". لكن الأربعة يودون أيضاً توسعة نشاطهم، ونشر ثقافة الفرجة السينمائية عبر إحياء "سينما الثورة" القديمة، وهي دار عرض سينمائي كبيرة، نصف مفتوحة في الهواء الطلق، يؤجرها لهم مالكها في مقابل تكفّلهم بكلفة استخدامها المؤقت، قبل أن يأتي مستثمرون صينيون بخططهم لتحويلها مركزاً ضخماً لإقامة الحفلات والمناسبات.

العراقيل البيروقراطية وأيدي السلطة الطويلة في بلد مثل السودان، ليست هي كل العقبات التي يختبرها كل من يودّ افتتاح دار سينما. فثمة محاذير أخلاقية ودينية تعترض الطريق، ولا سبيل بادياً لمواجهة سيل الصعوبات المتكاثرة على طول الطريق إلا بروح ساخرة، وتقبّل الأمور على نحوها الكوميدي الأسود. ستبدأ العروض المسائية بأداء الرقص، ثم استراحة حتى يتمكن الجمهور من الصلاة في المساجد الستة المحيطة (بتلميحات كوميدية، يأخذ المخرجون الشيوعيون القدامى في اعتبارهم احتياجات وميول جمهورهم). فيلم العرض التجريبي: "جانغو آنتشايند" لكوينتن تارانتينو، وهو فيلم عن عبد أسود يبدأ شرارة تحرير. هذه هي الخطة.


بينما ينتظرون موافقة السلطات الرسمية، يبحثون في مخزنٍ مترب عن شرائط الأفلام الكلاسيكية القديمة، ويكنسون الشاشة العملاقة بالسلالم والمكانس. واحد يدلّك ظهر زميله بعد عمل شاق. في الجوار، يلعب أولاد، كرة القدم في ملعب ترابي مرتجل. يستغل المخرجون الفرصة لإجراء مسح بسيط بين روّاد الملعب، للوقوف على الأفلام المحتمل عرضها مستقبلاً في سينماهم العائدة من الموت. أمام الكاميرا، يتحدث الشباب عن حبهم لأفلام الأكشن والسينما الهندية، أحدهم يشدد على أهمية تجربة الفرجة الجماعية في صالة سينما. احتمالات واعدة وأجواء مطمئنة تلوح في المدى، لكن الحكومة والأجهزة الأمنية لا تريد. تأتي مع المزيد والمزيد من الاعتراضات، وأسئلة كافكاوية لا معنى لها. الحسّ الأمني السائد في معالجة الأمور (كما في كافة الديكتاتوريات القائمة)، تستثيره تجمعات الناس حتى لو كان في عرض سينمائي، ناهيك عن أن إلغاء دور السينما السودانية، كان قراراً سياسياً بالأساس ضمن خطة تدمير الحياة الثقافية في السودان للقضاء على أي نوع من التمرين الفكري أو متنفس يمكن أن يضم أصداء الحرية المفقودة. يقتبس أحد السينمائيين من برتولد بريشت معلّقاً: "يأتي زمن يصبح فيه الحديث عن الأشجار جريمة، لأنه يعني السكوت عن كل ما يحدث".

السينمائيون الأربعة، بصبرهم ودأبهم وأريحيتهم، يذكّرون كثيراً بأعضاء "نادي بوينافيستا الاجتماعي". عانوا الكثير من الأشياء السيّئة: ثلاث ديكتاتوريات، وثلاث ديمقراطيات، وسجن وتعذيب. يبقى المخرج على مقربة من أبطاله الأربعة، يأخذ مسافته الموضوعية منهم، وفي الوقت ذاته يلتقط بحساسية وتواضع نادرَين، سحرَهم الذي يستشعره كل مَن يشاهد الفيلم.

يفعل ذلك على طول الفيلم تقريباً، سواء كان في مصاحبتهم أثناء مكالمات هاتفية حذرة مع هيئات حكومية وأصحاب عقارات، أو في أحاديثهم الطويلة عن الوضع السياسي وقصص حياتهم التي دمغتها تبدلات السياسة وحبهم للسينما. في أحد المشاهد، يقضون مساءهم في جوّ استوائي، يستذكرون ماضي الأحوال، بينما يشربون الصودا ويخبرون الكاميرا نتفاً مما كان وما صار. لا ينجرّ الفيلم إلى اجترار نوستالجيا السينمائيين القدامى. عوضاً عن ذلك، يعيّش المشاهد معهم، بتعريضه لأشيائهم الخاصة: سيناريوهات لم تصوَّر، وأدوات قديمة لم تستكمل حياة عملها، ومراسلات ذات بلاغة غنائية ولغة جزلة، وأوراق محاضرات، وصُور وَداع.

شيءٌ أصيل وجميل يسكن تلك اللحظات، يلتقطه الفيلم بمحبة وادعة، تصل إلى القلب مباشرة، حتى يتمنّى المتفرج أن يغادر مقعده ويدخل إلى الشاشة ليجلس مع هؤلاء الرجال المثاليين يشاطرهم مرحهم وأحزانهم وخططهم للتغلب على واقع ميت. في إحدى الليالي، يحتفلون بعيد ميلاد أحدهم (67 عاماً)، فيحضرون كعكة بثلاثة شموع، كل منها تمثّل 22 سنة ونيف، كما يتندّر أحدهم. أطرفهم وأكبرهم سناً، إبراهيم (83 عاماً)، يلقى جَمَلاً وحيداً وجد طريقه إلى داخل سينما الثورة، فيأخذه في جولة بين أرجائها موضحاً وشارحاً، في واحد من أكثر مشاهد الفيلم ذكاءً.

عن بداية فكرة الفيلم، يقول المخرج صهيب الباري لـ"المدن": "سليمان محمد إبراهيم هو الذي قدمني إلى المجموعة، وأول ما فعله الأعضاء هو دعوتي لحضور عرض كانوا ينظمونه في قرية بالقرب من الخرطوم. وصلنا متأخرين جداً لأن السيارة تعطلت. أقاموا شاشة عرضهم الخاصة (من القماش)، وفجأة، خلال الفيلم، هبت عاصفة رملية. شاهدتهم يهبّون لتثبيت شاشة العرض بأيديهم، حتى أن إبراهيم ومنار ربطا كرسيهما بالشاشة حتى لا تطيّرها الرياح. الجمهور ظلّ في مكانه حتى نهاية الفيلم، رغم الشاشة المهتزة واختفاء الصورة أحياناً. كانت الرمال في العيون، والشاشة ترفرف أمامي، بفعل الرياح، مثل شراع مركب يقاوم. كان ذلك بالنسبة اليّ صورة نموذجية للواقع، وحينها أدركت أنني أريد عمل هذا الفيلم".

أضواء وظلال، ظلام ديكتاتوري يبدو بلا نهاية، لتأتي بعده شمس ناعمة تخرج من فجر سوداني، ليلة سوداء بلا كهرباء تجعلنا نشعر بجمال القمر الهادئ في سماء الخرطوم. أشياء يضمّنها صهيب الباري فيلمه، ربما ليذكّرنا بخصوصية السينما السياسية وقدرتها على ارتياد آفاق أوسع مما يحلو لكثيرين تأطيرها داخل بيانات زاعقة وقضايا كبرى. فإذا كان الظلام يعيدنا إلى ما نكافح لأجله، تعيدنا السينما بالقدر ذاته إلى جمال أن نكون بشراً. هذا فيلم عن الشغف بالسينما، والأمل في استعادة حب بلد لها. تأثيره أكبر من مجموع أجزائه، وقوته تأتي من شخصياته وافرة المثالية والعطاء. درسٌ جميل في الأمل والشجاعة واللطف، لأن هذه الصداقة المتينة الراسخة بين السينمائيين الأربعة تذكرنا بما هو أساسي، بما يكفل في نهاية المطاف حياة ناجحة.

لا يهمّ إن لم تمنحهم المهرجانات السينمائية جوائزها، ولا يهم إذا لم يكمل مجموع أعمال هؤلاء السينمائيين سوى ثلاث ساعات على الأكثر، ولا يهم تواضع معداتهم وتجهيزاتهم لعروضهم السينمائية المتنقلة. ما يهم فعلاً هو ما يربط هؤلاء الرجال: مُثُلهم وأحلامهم وثوراتهم وغضبهم وحياتهم المشتركة ودعابتهم وسخريتهم ومراسلاتهم التي كتبوها على مرّ السنين والمنافي. أليس هذا ما يجعل الإنسان إنساناً؟ هذا هو الشيء الذي جرى اغتياله في السودان، على مرأى من عيون عاجزة، لكن هؤلاء صدّقوا (مثلما علينا أن نصدّق معهم ومن أجلهم) أن يوماً سيأتي ولن يكون الضوء حنيناً.

(*) حصل الفيلم على جائزة أفضل فيلم وثائقي في مهرجان الجونة 2019. وفي شباط/فبراير2019، فاز بجائزتَي الجمهور وأفضل فيلم وثائقي في قسم "بانوراما" ضمن دورة مهرجان برلين السينمائي.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها