آخر تحديث:14:00(بيروت)
الأربعاء 23/10/2019
share

للمنزعجين من الشتائم: اللغة فضاء الحرية الأول

أسعد قطّان | الأربعاء 23/10/2019
شارك المقال :
للمنزعجين من الشتائم: اللغة فضاء الحرية الأول اعتصام والحشود في رياض الصلح وساحة الشهداء(مصطفى جمال الدين)
الذين انزعجوا من كميّة الشتائم التي لجأ إليها المتظاهرون والمتظاهرات في شعاراتهم، فاتهم أنّ اللغة هي فضاء الحرّيّة الأوّل، وأنّها الحيّز الذي يتحوّل فيه الوجع إلى حكاية.


والذين جرحتهم كثافة الإيحاءات الجنسيّة في التظاهرات التي لم تنتهِ بعد، غاب عنهم أنّ الجنس، إلى جانب الممارسة السياسيّة، هو أكثر مساحات حياتنا العربيّة تعرّضاُ للقمع المتحالف مع الصمت.

والذين شعروا بالسخط والتقزّز لمرأى الكثير من صبايا لبنان يرفعن لافتات تختلط فيها الشتيمة بالمجاز الإيروتيكيّ أو بالمفردات الجنسيّة المباشرة، لم يلتقطوا الإشارة التي تختبئ وراء كلّ هذا، وهي أنّ الحرّيّة لا تتجزّأ ولا تمارس بالتقسيط، فهي إمّا أن تكون أو لا تكون.

هذه الثورة التي يصنعها اليوم شباب لبنان وصباياه بأغانيهم الصاخبة وشعاراتهم الماجنة ولغتهم المتهكّمة ليست مجرّد ثورة من أجل الخبز والكرامة والعدالة الاجتماعيّة فحسب، بل هي أيضاً ثورة من أجل الحرّيّة بتفاصيلها الكبيرة والصغيرة. أفهم أن ينزعج البعض. ولكن في ظلّ تحكّم الطبقة السياسيّة الفاسدة بيوميّاتنا، من الطبيعيّ أن تبحث الحرّيّة عن متنفّس لها كي تستعيد ذاتها وتصبح حرّيّةً من جديد. وهذا المتنفّس هو تكسير محرّمات اللغة، وهذا المتنفّس هو استرداد الفضاء الجغرافيّ الذي حرمتنا منه مافيا أهل السياسة حين أقفلت مداخل البرلمان ودوائر الدولة وجعلت من وسط العاصمة بيروت، المدينة التي احتضنتنا صغاراً رغم الحرب، رمزاً للرأسمال الذي يضطهد الناس وينهبهم ويذلّهم.

هذا المشهد الثوريّ يتجاوز في دلالاته حدود لبنان. وهو بمعنى ما مؤشّر لمسارات الحرّيّة في العالم العربيّ التي لم تنتهِ حكايتها بعد. فبرغم كلّ مفردات التفوّق الجينيّ والخطاب الفاشيّ وفوبيا الغريب التي حاصرتنا في الأشهر الأخيرة، لا ينفصل لبنان، رغم تمايزه، عن بلاد الشام، ولا ينفصل عن هذا الفضاء العربيّ الرحب الذي ما زال ناسه يزرعون الركام ويشهرون الياسمين في وجه الترهيب والاستبداد ومنطق السجون.

إنّ الانتفاضة التي يصنعها شبّان لبنان وصباياه اليوم بعيونهم المفتوحة على الشمس وجباههم الشامخة مثل الفيحاء وصدورهم الواسعة كبحر صور ترسم من جديد مسارات التحوّل في هذا الشرق. فالسنونوة تؤذن بالعودة، والربيع ما زال يحفر فيهم، ويحفر فينا. وغداً سيكون لنا موعد مع شباب هذا الشرق وصباياه... من فاس إلى صنعاء.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها