آخر تحديث:11:22(بيروت)
الأحد 20/10/2019
share

رأس العين... مدينة الأسماء "مزاجها عسل وماء"

محمود الزيباوي | الأحد 20/10/2019
شارك المقال :
  • رأس العين... مدينة الأسماء "مزاجها عسل وماء"
    مدينة التحولات
  • رأس العين
    رأس العين
  • رأس العين (منبع الخابور) عام 1929
    رأس العين (منبع الخابور) عام 1929
  • راس العين
    راس العين
 
تحوّلت مدينة رأس العين في الأيام الأخيرة إلى ساحة للقتال بين الجيش التركي وقوات سوريا الديمقراطية، وتردّد اسمها في سائر أنحاء العالم مع احتدام هذا القتال المتواصل. تقع هذه المدينة في شمال غرب محافظة الحسكة على الحدود التركية السورية، وهي واحدة من مدن شمال سوريا التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين، وقد عُرفت بأسماء عديدة، منها رش عيناو، وهو الذي تحوّل إلى راس العين في العهد الإسلامي.


كانت رأس العين في العهد العباسي مدينة من مدن الجزيرة، واشتهرت بمياهها التي تدفّق من عيون عديدة تجري في جداول تنساب في مروج خصبة، ثم تلتقي وتشكّل نهر الخابور. في القرن العاشر، ذكر مؤلّف كتاب "حدود العالم من المشرق إلى المغرب" هذه المدينة، وقال في تعريفه المختصر بها: "مدينة نزهة وبها عيون ماء كثيرة، ثم يتكون من هذه العيون خمسة أنهار تجتمع في مكان واحد فتُدعى الخابور الذي يصبّ في نهر الفرات".

في هذه الحقبة كذلك، ذكر ابن حوقل في "صورة الأرض" هذا الموقع يوم كان سكانه العرب تحت سلطة الروم الذين عادوا وسيطروا على مناطق واسعة من شمال سوريا، وقال: "كانت رأس العين مدينة ذات سور من حجارة نبيل (أي من النوع الجيّد)، وكان داخل السور لهم من المزارع والطواحين والبساتين ما كان يقوتهم لولا ما منوا به من الجور الغالب والبلاء الفادح ممّن لا رحم الله منهم شعرة ولا ترك من نسلهم أحداً ليجعلهم آية وعبرة. وكان يسكنها العرب، وبها لهم خطط، وفيهم ناقلة من الموصل أصلهم. وفيها من العيون ما ليس ببلد من بلدان الإسلام، وهي أكثر من ثلثمائة عين ماء جارية كلّها صافية، يبين ما تحت مياهها في قعورها على أراضيها، وفيها غير عين لا يُعرف لها قرار، وغير بئر عليها شبابيك الحديد والخشب، ويُقال أنّها خسيف، وقد جعل الشبّاك دون وجه الماء بذراع ونحوه ليحفظ ما يسقط فيها. وتجتمع هذه المياه حتّى تصير نهراً واحداً، ويجري على وجه الأرض، فيُعرف بالخابور، ويقع الى نواحي قرقيسيا، وكان عليه لأهل رأس العين نحو عشرين فرسخا قرى ومزارع، وكان لهم غير رستاق وناحية كبيرة كثيرة الضياع والأشجار والكروم على هذه المياه الجارية المذكورة".

في القرن الثاني عشر، استعاد الشريف الادريسي هذا الوصف كما يبدو، وكتب في "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق": "رأس العين مدينة كبيرة وفيها مياه كثيرة نحو من ثلاثمائة عين عليها شباك حديد يحفظ ما يسقط فيها، ومن هذه المياه ينشأ معظم نهر الخابور الذي يصب بقرقيسيا في الفرات". وتُعرف قرقيسيا اليوم باسم البصيرة، وهي بلدة صغيرة تحوي أطلال أثرية، وتقع قرب مدينة الزور. في المقابل، ذكر أبو عبيد البكري بعضا من أخبار سكان رأس العين، وكتب في "معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع": "رأس العين، على لفظ عين الماء، وبعض اللّغويّين يقول رأس عين، وينكر أن تدخله الألف واللام. وهو موضع فى ديار بنى أبي ربيعة بن ذهل ابن شيبان. وهو كورة من كور ديار ربيعة، وهي كلها بين الحيرة والشام. وفيه أغارت بنو رياح بن يربوع عليهم، وقتلوا منهم معاوية بن فراس. ففي ذلك يقول سحيم بن وثيل الرّياحيّ: هم قتلوا عميد بني فراس/ برأس العين في الحجج الخوالي". كذلك، استعاد أبو عبيد البكري في الختام بيتين من شعر البحتري:
نظرت ورأس العين منّى مشرق/ صوامعها والعاصميّة مغرب
بقنطرة الخابور هل أهل منبج/ بمنبج أو بادونَ عنها فغُيّب


في نهاية العصر العباسي، جمع ياقوت الحموي في "معجم البلدان" ما قيل من قبله في رأس العين، وتحدّث عن عيونها الصافية العجيبة، وقال إن أشهر هذه العيون أربع، وهي: عين الآس، وعين الصرار، وعين الرياحية، وعين الهاشمية. كما تحدّث عن عين أخرى "يُقال لها خسفة سلامة، فيها سمك كبار ينظره الناظر كأنّ بينه وبينه شبرا ويكون بينه وبينه مقدار عشر قامات". وذكر عين الصرار، وهي العين "التي نثر فيها المتوكّل عشرة آلاف درهم، ونزل أهل المدينة فأخذوها لصفاء الماء ولم يفقد منها شيء، فإنّه يبين مع عمقها ما في قعرها للناظر من فوقها، وعمقها نحو عشرة أذرع". وقد دخلت هذه المسميات للعيون في النسيان، وباتت مواقعها الأصلية مجهولة. كما ظهرت في المقابل عيون بمسميات أخرى، منها عين الزرقاء وعين البانوس، وعين الحصان، وعين سالوباب.

بساط الزبرجد
مرّ ابن جبير الأندلسي برأس العين، وكتب في وصفها: "هذا الاسم لها من أصدق الصفات، وموضوعها به أشرف الموضوعات، وذلك أن الله تعالى فجر أرضها عيوناً وأجراها ماء معينا، فتقسّمت مذانب وانسابت جداول تنبسط في مروج خضر، فكأنها سبائك اللجين ممدودة في بساط الزبرجد، تحف بها أشجار وبساتين قد انتظمت حافتيها الى آخر انتهائها من عمارة بطحائها".

بدوره، تحدث ابن جبير مطوّلا عن عيون رأس العين العجيبة، وقال: "شاهدنا ذلك عيانا". وتوقّف عند موقع يحوي "مدرسة بإزائها حمام"، وأضاف مستطرداً: "وشأن هذا الموضع كله عجيب جدا، فغاية حسن القرى بشرقي الأندلس أن يكون لها مثل هذا الموضع جمالا أو تتحلى بمثل هذه العيون، ولله القدرة في جميع مخلوقاته".

في القرن الثالث عشر، جمع ابن شداد في "الأعلاق الخطيرة في ذكر أمراء الشام والجزيرة" ما وصله من أخبار رأس العين، وقال إنها  كانت من "ديار ربيعة منذ فُتحت في صدر الإسلام إلى أن ملك تاج الدولة تتش ديار بكر، واستولى على كثير من بلاد ديار ربيعة، فلما قتله ابن أخيه بركياروق ابن ملكشاه، استولى على ما كان بيده من البلاد، فوهب لمغن له يسمى لجا كسرى ماردين، فلم يزل بها إلى أن أخذها منه ياقوتي ابن أرتق". شهدت رأس العين معارك عديدة، وتنافست على حكمها القوى المتصارعة في ذلك الزمن إلى أن حظي بها الأيوبيون، "واستمرت في يد الملك الصالح نجم الدين أيوب، إلى أن استولى عليها الخوارزمية"، ثم اخذها الملك الناصر صلاح الدين يوسف، "وولّى فيها، واستمرّت في يده إلى أن أقطعها الملك السعيد نجم الدين غازي ابن الملك المنصور ناصر الدين أرتق بن إيلغازي"، وملكها من بعده ولده الملك المظفر قرا أرسلان.

في القرن الخامس عشر، استعاد الحميري في "الروض المعطار في خبر الأقطار" مرة أخرى طائفة من الأخبار التي نقلها الجغرافيون والاخباريون في وصف رأس العين، وقال إنها "مدينة قديمة واسمها عين الوردة"، واستشهد بقول حسان بن ثابت: "كأن سبيئة من رأس عين/ يكون مزاجها عسل وماء".
  
 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها