آخر تحديث:12:27(بيروت)
الأربعاء 02/10/2019
share

لبنان... عيشٌ في غبار الزوابع

محمد حجيري | الأربعاء 02/10/2019
شارك المقال :
لبنان... عيشٌ في غبار الزوابع لوحة لفرنسيس بيكون
مع العرض السريع لفيلم "البكيني والسياسي"، أو "كانديس والشيخ سعد والـ16 مليون دولار"... بدا لافتاً، كم يستهلك اللبنانيون من الزوابع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية والخطابية والخرافية في يومياتهم... كأن الزوابع خبزهم اليومي، وملح حياتهم "الفاسد".

الزَّوْبَعةُ في لسان العرب: ريح تدور في الأَرض لا تَقْصِد وجْهاً واحداً تحمل الغُبار وترتفع إِلى السماء كأَنها عمود، أُخِذَت من التَّزَبُّع، وصبيان الأَعراب يكنون الإِعصار أَبا زَوْبَعةَ يقال فيه شيطان مارد. وزَوْبَعةُ اسم شيطان مارد أَو رئيس من رؤساء الجن؛ ومنه سمي الإِعصار زوبعة. والزَّوابِعُ: الدواهي.

تهب الزوبعة اللبنانية في "فايسبوك" و"تويتر" وأخواتهما، يرتفع غبار القراء عمودياً (تريند)، ويغرق المجتمع في القيل والقال والتعليقات والفذلكات والفلسفات و"الدواهي"... بالطبع سينتهي فيلم "كانديس" مطموساً، مضافاً الى جعبة الذاكرة العابرة، وذاكرة كيف أن خبر الجنس يغدو في أكثر الأوقات، قنبلة صوتية. جانب منه للتسلية والحشرية والفضول، وربّما لإظهار الكبت المتراكم. هو عنوان لقضية، لكنه يتحول نكتة سمجة. نتذكر يوم أصدر روبير حاتم أو "كوبرا"، كتابه الفضائحي عن ايلي حبيقة. تهافت "الشعب العنيد" بشغف لمعرفة حريم السلطان أبو علي حبيقة، تناسوا كل جرائمه ومجازره، وبات همهم سريره وغرفة نومه. 

قبل كانديس، كانت زوبعة الدولار. فجأة وجد اللبنانيون أنّهم في حاجة ماسة إلى "الأخضر"، العملة التي كتب فيها "نظام العصور الجديدة"، وجعلت حياة المواطنين اللبنانيين "عصفًا مأكولاً" في أيام قليلة. باتوا يهذون في حديثهم عنها، جامعات عريقة لا تقبض إلا بالدولار، وكذا بعض الشركات والأطباء... الأفران دبّت الصوت، ربطة الخبز سيزيد سعرها. بدأت ترد عبارات "الدولار يرتفع". الدولار تخطى 1600 ليرة، لا دولار في السوق. المصارف لا تسلّف بالدولار، عبارة "السوق السوداء" عادت إلى الواجهة... على إيقاع درامتيكي، الدولار يشحن إلى سوريا، مصارف أخرى في لائحة العقوبات الأميركية... محطات البنزين ستبدأ إضراباً مفتوحاً، موزعو المحروقات يقولون غداً يوم عمل عادي.. هلع أصحاب السيارات لملئها بالبنزين، فجأة راح الناس يستذكرون زمن الحرب والوقوف في الطوابير، يستعيدون زمن بدء ارتفاع الدولار في الثمانينات أيام حكم الشيخ أمين، أو  يستذكرون جنون الدولار وسقوط حكومة عمر كرامي في بدايات التسعينيات... البلد إلى أين؟ لا جواب... إعلام "الممانعة" يتّهم من يتحدث عن تهريب الدولار إلى سوريا بأنه "إعلام عوكر". النائب أسود ينسب الأزمة إلى رفيق الحريري. رئيس الجمهورية العائد من الأمم المتحدة، يقول "لا علم لي بالأزمة النقدية"، وكلفة رحلته بلغت مليون دولار. فجأة، شباب بقطعون الطرق في وسط بيروت والمناطق، إطارات تشتعل، أصوات تريد إسقاط النظام... حاكم مصرف لبنان يقول: "الدولار الى الحل".

وفجأة، نقرأ أن الأمور عادية، لم يحدث شيء في لبنان. الدولار يهبط... من افتعل أزمة البنزين؟ من شحن الدولار إلى سوريا؟ من ركّب الشائعات؟... كالعادة، لا أحد. انتهت اللعبة، من دون اي توضيح، ومن دون أي تحمل للمسؤولية. جرائم كثيرة من دون القبض على مجرم واحد، فساد مديد من دون التعرّف على هوية فاسد واحد... صعد غبار زوبعة الدولار إلى درجة عالية جداً، انتهت القضية بأن مكتب جرائم المعلوماتية، حفظه الله ورعاه، استدعى الزميل عامر شيباني، على خلفية بوست في "فايسبوك" يقول "لا دولار في الصندوق".

وقبل هذا وذلك، كان البلد يعيش على وقع قضية العمالة. عامر الياس فاخوري، عميل سابق في جيش لبنان الجنوبي أو جيش أنطون لحد، كان الآمر والناهي في معتقل الخيام ووُصف بالجزّار. حطّ في مطار بيروت، آتياً من أميركا بعدما انتقل إليها من إسرائيل. ساعده رجل أمن لبناني في تسهيل معاملاته. كل الدلائل تشير إلى أن العميل أتى مستنداً إلى توصية أحد الأطراف السياسية في لبنان. فجأة، زوبعة ضخمة في "فايسبوك"، وانهمرت التفسيرات من كل حدب وصوب. ارتفعت أصوات ضحايا الفاخوري مطالبين بمحاكمته. شعارات ساخطة كثيرة ومحقّة، لكن من دون جدوى، في حين كان خبر اتهام المحكمة الدولية، سليم عياش، باغتيال جورج حاوي ومحاولة اغتيال مروان حمادة والياس المر، يمرّ عابراً ويتيماً. كأن أحداً لا يجرؤ على تبنيه.

قلّة من الناشطين وضعوا صورة العميل (فاخوري) والقاتل (عياش) ودعوا الى محاكمتهما... عياش ابن حزب ولاية الفقيه، لا تدري الدولة اللبنانية مكانه، أو لا تجرؤ حتى على البحث عن مكانه. أما العميل، ففجأة ظهر في صور سابقة، وكأنه أحد القبضايات، ضيفاً معززاً في السفارة اللبنانية في واشنطن. في صوره، وقف إلى جانب زعماء أحزاب وقادة أمنيين. وبعدما أطلق الشيخ حسن نصرالله تصريحاً عن مصير العملاء، انتهت الزوبعة، وخرست الحناجر.

لا بأس بالتذكير ببعض الزوابع اللبنانية الأخرى. استقالة الحريري عبر شاشة "العربية"، طيور النورس في مطار بيروت بعد تغريدة جنبلاط، صوت حنا غريب في التظاهرات المطلبية، صراخ نعمة محفوض أمام الكاميرات، ثورجية شربل نحاس السوفياتية، مطاردة الساحرات من السيد أبو كسم، مارسيل خليفة والنشيد الوطني في بعلبك، منع "مشروع ليلى" من الغناء في جبيل، رهاب المثلية من المفتي السابق، رصاص السيد نواف الموسوي في مخفر الدامور، التدعيش، شهود الزور، الخطط الأمنية ومطاردة نوح زعيتر... اللائحة لا تنتهي... هكذا، زوابع كثيرة، وغبار كثيف يتصاعد، ويعود إلى مكانه، كأنه لم يتحرك، ويبقى في معانيه نفسها. هكذا القضايا اللبنانية، غبار تقوده الزوابع.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

محمد حجيري

محمد حجيري

رئيس القسم الثقافي في "المدن"