آخر تحديث:12:47(بيروت)
الأربعاء 02/10/2019
share

عشاق الرومي لا يسمعون سوى أصدائهم

ناصر كامل | الأربعاء 02/10/2019
شارك المقال :
عشاق الرومي لا يسمعون سوى أصدائهم رقص الدراويش
(*) هذه مفارقة تبدو ملغزة: ففي العام 2007؛ وبمناسبة ذكرى مرور 800 عام على ولادة جلال الدين الرومي، دعت منظمة اليونيسكو للاحتفاء به، شاعرًا وعالِمًا ورمزًا كونيًّا، ولبّت الدعوة عواصم ومدن عديدة في العالم، بينما "العالمُ العربي لم يَبْدُ معنيًّا كثيرًا بهذه الذكرى! لم تسعَ أيةُ عاصمة عربية خلال هذه السنة إلى الاحتفاء. فالقاهرة، التي كانت أولى العواصم التي عرَّبتْه، لم تكرِّمه، ولا بيروت، ولا دمشق التي قَصَدَها مرارًا، ولا بغداد التي مرَّ بها مع عائلته"، على حد وصف الشاعر اللبناني عبده وازن؛ إلذي أشار في مقال له عشية الاحتفال بالعام الجديد، إلى أن "البادرة العربية الوحيدة اللافتة، هي انطلاق خمسة كتَّاب عرب في رحلة إلى قونية، مدينة الرومي التي تحتضن ضريحه، يسلكون عبرها طريقه ويكتبون من بعدُ انطباعاتِهم وملاحظاتِهم. وهذه البادرة ترعاها "مؤسسة السويدي" (أبوظبي) ضمن اهتمامها بأدب الرحلة". بينما الملاحظة- التساؤل الآن: ما كل هذا الاحتفاء، هل أحدثت بادرة "السويدي" والسنوات العشر ما يشبه ما أحدثه ظهور شمس الدين التبريزي في حياة الرومي، وهل الأمر في هذه البساطة؟
هنا محاولة للبحث عن بعض علامات تمهيدية؛ فالمفارقة تختزن الكثير.

1-
الحرب والخراب والهجرة، ثلاثة عناوين كبرى ترسم إطاراً لمحاولة حل المفارقة- السؤال، ففي ظلها، ترتسم، أولاً، الملامح الأساسية لطفولة وشباب الرومي الباكر؛ فقد هاجر والده؛ بهاء الدين، من مسقط رأسه بلخ إلى قونية، مارّاً ببغداد، ومكة، والشام، وكانت طبول الحرب تقرع، وظلت تدوي فى ربوع أغلب تلك المناطق؛ واحدة أثر أخرى، حتى وفاته. يخبرنا ابن بطوطة: أن تنكيز خان "المغولي" تجهز في عساكر لا تحصى كثرة برسم غزو بلاد الإسلام.. ودخل بلخ بالسيف، وتركها خاوية على عروشها".

وربما كان هناك سبب آخر للهجرة، فبعض المصادر تذكر أن رب الأسرة هاجر أثر المعارضة التى حصلت بينه وبين الأهالي وكذلك الاختلاف مع الحكام. سبب الهجرة إذاً يتراوح بين استشراف الغزو المغولي، وبين المنفى الاختيارى نتيجة اشتداد وطأة معارضة الأهالي والحكام.

وتحت ظلال الحرب والخراب والهجرة ترتسم، ثانياً، علاقة عدد من الدارسين الثقات بعالم الرومي. فالشاعر والأكاديمي المصري محمد عبد السلام كفافي؛ الذي ظل تعريبه لكتابين من "المثنوي"، لأكثر من ربع قرن؛ منذ نُشر جزءه الأول (1966)، المرجع اليتيم لقراءة المثنوي عربيًّا، يذكر في تقديمه للكتاب أنه بدأ يعرف الرومي "في تلك الأعوام، التى كانت مسرحاً لحرب ضروس شملت أقطار الأرض"، وهو يقصد طبعاً الحرب العالمية الثانية. في ذلك الوقت، كانت المستشرقة الألمانية آنا ماري شيمل، تشعر في برلين، حيث تعمل مترجمة وباحثة في وزارة خارجية ألمانيا النازية، شعوراً قريباً من شعور كفافي تجاه الرومي، لكن مع اختلاف بسيط بينهما. كفافي كان يطالع "المثنوي"- بالفارسية بالطبع، التى كان يدرسها في جامعة القاهرة، خلال الصيف في قرية صغيرة يملكها جدّه لوالدته. بينما كانت شيمل تحمل معها "المثنوي"- بالفارسية بالطبع- ضمن عدد محدود من الكتب التى سُمح لها بحملها حين خرجت من برلين معتقلة رهن التحقيق، إلى مخيم الاعتقال الأميركي، عقب هزيمة ألمانيا، ثم ظلت تحتفظ به بعدما أعطيت صك براءة، حيث وجد المحققون أن عملها ذاك لم يكن اشتراكاً "عضوياً" في الحرب، وبقيت تهتم بأعمال الرومي على امتداد أربعين عاماً تالية.



وتحت ظلال الحرب والخراب والهجرة ترتسم، ثالثاً، هذه العودة "العربية" إلى الرومي- أو الذهاب إليه للدقة. حرب وخراب وهجرة تتجاوز كثيراً مسار هجرة بهاء الدين وأسرته، لكنها تظل في ذلك الفضاء العام "الإسلامي"، مع تنويعاته وتلويناته الهائلة، بعض من العودة- الذهاب إلى الرومي في العقد الماضي آشبه برتق سحري لنسيج التاريخ لتتصل اللحظات الثلاث.

2-
هناك رتق ثان، يصل بين مسار الحرب والخراب والهجرة في زمن الرومي وبين مساراتها في العقد المنصرم. فزمن الرومي شهد سقوط بغداد، ودخول هولاكو لعاصمة الخلافة العباسية وانتهاء دولتها، وهو إذ يأتي من موطن يُعد من المراكز الثقافية والأدبية والعقائدية الايرانية، ليقيم في مهجر سيكون مركزاً للخلافة الإسلامية (الدولة العثمانية "السنية") في حين ستتحول إيران إلى دولة "شيعية"، في الوقت الذي يتراجع "العرب" إلى مرتبة "التوابع"، تتشكل ملامح مشهد محدد. وقد شهد العقد الفاصل بين عدم الاكتراث بالرومي، وبين التخمة من متابعته، بروز حالة أشبه به: هناك صعود تركي وإيراني على مستوى الفاعلية في المنطقة؛ وربما في العالم، وتنافس على "تمثيل الإسلام"، بينما يبدو العرب وكأن واحدهم ينسل وراء الآخر من كل هذا.

في عصر الرومي كان عدد كبير من العلماء والصوفية من أنحاء العالم الإسلامي، يبحث عن الملاذ في قونية، التي كانت من الأماكن القليلة الهادئة في زمن دمرت فيه فلول المغول أجزاء واسعة من الدولة الإسلامية. وكانت الفارسية هي لغة المثقفين، غير أن العامّة في قونية كانوا يتحدثون إما اليونانية- إذ كان فيها جزء كبير من المسيحيين شديدي الإيمان- وإما التركية، وكان الرومي يستخدم اللغتين في أشعاره، بينما كان خجل العربية بادياً.

بالنسبة إلى الغرب لا متصوف مسلماً أشهر من الرومي، عرفه الرومانسيون الألمان: الشعراء والكتّاب، وعرفه فلاسفتهم المثاليون، ترجمت أعماله، وقدرت، ونقدت، واعتبرت تعبيراً شعرياً وفلسفياً جديراً بالدرس. كان ذلك في نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر، وكان الإسلام بالنسبة للكثيرين يعني بالأساس؛ وطوال أكثر من أربعة قرون، الدولة العثمانية، وفي أحيان قليلة إيران الصفوية.

كانت طريقته؛ وخاصة "السماع"، تعتبر بلا شك أشهر تعبير عن الحياة الصوفية في الإسلام، وأجمل، وأكثر دهشة وقابلية للمقاربة، التسمية في حد ذاتها ساحرة؛ على مستوى ما: كالدراويش الراقصين.

3- 
ظهور واختفاء شمس الدين، رتق ثالث: الروايات عديدة؛ فقد قيل أن الرومي قابل شمس الدين في أحد شوارع قونية، فأجج فيه نار الحب الصوفي، فأهمل عائلته وتلامذته لأشهر، حتى احتجوا في النهاية، وأن شمس الدين قُتل في مؤامرة شارك فيها ابن الرومي "بهاء الدين ولد"، وقال البعض إن ابن الرومي البكر "علاء الدين" قُتل مع شمس الدين، وأن أخاه اشترك في ذلك.

وينقل كفافي عن ابن بطوطة هذه الحكاية: "كان (الرومي) في ابتداء أمره فقيهاً مدرٍّساً يجتمع إليه الطلبة في مدرسته بقونيه، فدخل يوماً إلى المدرسة رجل يبيع الحلوى وعلى رأسه طبق منها، وهي مقطعّة يبيع القطعة منها بفلس، فلما أتى مجلس التدريس قال له الشيخ: "هات طبقك"، فأخذ الحلواني قطعة منه وأعطاها للشيخ فأخذها الشيخ بيده وأكلها، فخرج الحلواني، ولم يُطعم أحداً سوى الشيخ، فخرج الشيخ في إتباعه وترك التدريس، فأبطأ على الطلبة، وطال انتظارهم إياه، فخرجوا في طلبه فلم يعرفوا له مستقراً، ثم إنه عاد إليهم بعد أعوام، وصار لا ينطق إلا بالشعر الفارسي المتعلق (المزدوج) الذي لا يُفهم، فكان الطلبة يتبعونه ويكتبون ما يصدر عنه من ذلك الشعر، وألفوا منه كتاباً سموه "المثنوي". وأهل تلك البلاد يعظمون ذلك الكتاب ويعتبرون كلامه، ويعلمّونه، ويقرأونه في زواياهم في ليالي الجمعات".



يجزم مصطفى غالب أن شمس الدين تبريزي "كان حداً من حدود الدعوة الإسماعيلية وشقيق الإمام الإسماعيلي (ركن الدين خورشاه بن علاء الدين محمد)"، وأن الرومي وأباه كانا جزءاً من الدعوة الإسماعيلية.

ويلفت عيسى علي العاكوب (أكثر المخلصين في السنوات العشر لتعريب نصوص الرومي والدراسات الصادرة عنه، بدعم واسع من مؤسسات ثقافية إيرانية) إلى مسألة مهمّة فيقول إن شمس الدين قال: "كنتُ أطلب شخصـًا من جنسي، لكي أجعله قِبْلةً وأتوجّه إليه، فقد مللت من نفسي". وهناك روايات كثيرة حول اللقاء بين شمس الدين وجلال الدين. ويبدو أنه منذ اللقاء الأوّل سحَرَ جلالُ الدّين شمسـًا بشخصيته، وسحر شمسٌ جلالَ الدين. وكان جلال الدّين يريد أن تخرّبه هذه الصاعقة؛ ومن ثم قال شعرًا:
وما الذي يزعجني في أن يحلّ الخراب؟/ إنّ تحت الخراب كنزًا سلطانيـًّا.

وعصف هذا اللقاء بالحياة المستقرّة لجلال الدّين، إذ اختلّ نمط تدريسه وبحثه ولقائه تلاميذَه. ومن ثم تخلّى عن كرسيّ التدريس، كما تذكر الروايات، وعن إمامة الناس في الصلاة، لكي يرقص، ويضرب القدمين على الأرض، وينشد الأغزال المثيرة المؤثّرة.

كم مليوناً خلال العقد المنصرم تمنوا أن يذوقوا "حلوى مخصوصة" تخرجهم مما هم فيه من قتل ونفي وتهجير، وأن يجدوا تحت الخراب كنزاً سلطانياً؟ حتى وإن رقصوا من الألم، وضربوا القدمين على الأرض من اللوعة.

4- 
رتق أخير يشير علينا به الفيلسوف زيغمونت باومان، في نقده لوسائل التواصل الاجتماعي، فهي كما يلاحظ: "تُشعر (مستخدمَها) بالسيطرة، يمكنك إضافة أصدقاء إذا أردت، وحذفهم كذلك. أنت تتحكم في الناس المهمين الذين يقربون إليك، وكنتيجة يشعر الناس بحال أفضل؛ لأن الوحدة والهجران هما الخوف الأعظم في عصرنا الفرداني".

المدهش في نقد باومان أنه ينير أسباب تلك التخمة التي يشعر بها البعض من كثرة الاستشهاد بأقوال الرومي عبر حسابات مصرية وعربية عفي وسائل التواصل الاجتماعي. صحيح أن الرومي ليس وحيداً، فهناك العشرات الذين يجري الاستشهاد بأقوالهم: مشايخ، وكتّاب، وشعراء، وثوار، لكن الرومي حالة فريدة إذ تتحقق معه صوابية نقد باومان بدقة غريبة. فهو يذكر أن "معظم الناس يستخدمونها (وسائل التواصل الاجتماعي) ليس للاتحاد مع بعضهم، ليس لتوسيع آفاقهم، ولكن على النقيض، لإيجاد مساحة من المألوف، حيث لا يسمعون سوى أصداء أصواتهم، وحيث ما يرونه هو انعكاس وجوههم. إذ ليس إلا أصداء صوت وصورة خيال".


(والد الرومي بهاء الدين)

وهو هنا يكاد يلخص "منطق الطير" لفريد الدين العطار، الصوفي الكبير الذي بارك الرومي صغيراً وهو برفقة أسرته في مسار هجرتهم. فالطيور التي تنطلق بحثاً عن "السيمورغ" تتكبّد الأهوال، وحين تصل لا تجد إلا نفسها، فلا وجود لذلك الطائر "السحري"، أنت هو ذلك الطائر.

الإنسان في العالم المعاصر؛ بحسب نقد باومان، يسيطر عليه شعور من الخوف لأسباب مادية واجتماعية، "الخوف من أن يتم التخلي عنه أو أن يصبح مستبعدًا أو مطرودًا من بيته، وهو (خوف) حقيقي للغاية وليس متخيلًا. الخوف من الخسارة ومن الهجران هو (خوف) حقيقي للغاية. وليس متخيلًا. لكنك إذا جلست أمام جهاز الكومبيوتر الخاص بك، من الممكن أن تنسى ذلك. هناك نضع قلقنا جانبًا. نعم، نتناسى هذا القلق، لأن الضغط المصاحب لكونك على الدوام متصلًا بمئات الأشخاص يساعد على إخماد (القلق) بشكل مؤقت". وفي سنوات زادت فيها الهجرات الضخمة لأعداد كبيرة من الناس، تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورها "السحري- الفخ"، فهناك "تنعم بقسطٍ من الراحة. لتعثر أخيرًا على مأوى، بعيدًا من كل تلك الأهوال والفوضى".

للرومي عشرات الالآف من أبيات الشعر التي تصلح كي ينسخها شخص ما ويعيد نشرها، لا يهم أن الرومي أكد على صعوبة فهم شعره حين قال: "شعري يشبه خبز مصر- يأتي عليه الليل فلا تستطيع أن تأكله البتة". لا يهم ذلك الشخص إذا أشار إلى مصدره أو لم يشر، سينسخ: "لا تحزن.. فأي شيء تفقده سيعود إليك فى هيئة أخرى"، هل توجد حلوى "مرتجاة- مخصوصة" أعظم تأثيراً لشخص مخذول، مطارد، حل الخراب على حياته من ذلك الجزم؟ الناسخ سينسخ وردة حمراء، وقلوباً، وربما طيوراً، ويلصق عليها: "اطبق شفتي وأتحدث إليك بمئة لغة لا يفهمها سوانا". أو: "العاشق لا يعرف اليأس أبداً وللقلب المغرم كل الأشياء ممكنة"، وربما بعد أيام ينسخ: "إن الرجل اللئيم يسرق لغة الدراويش ليتلو على البسطاء أسطورة منها يخدعهم بها".

(*) الحلقة الرابعة من ملف عن جلال الدين الرومي، ينشر تباعاً في "المدن"، وهنا الحلقة الأولى، والحلقة الثانية والحلقة الثالثة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها