آخر تحديث:10:12(بيروت)
الجمعة 18/10/2019
share

رسائل من مصر.. الماضي القبيح الذي لطالما أحببناه

وجدي الكومي | الجمعة 18/10/2019
شارك المقال :
رسائل من مصر.. الماضي القبيح الذي لطالما أحببناه القاهرة
الماضي الذي طالما دافعنا عنه، لمجرد أنه ترك بنايات فخمة، شديدة الأناقة، تماثل تلك الموجودة في باريس، لم يخرج نظيف الثياب تماما من اتهامات البطش بالبشر لصالح العمران والنخبة الحاكمة، وحتى حينما تُفتح حوارات الحنين للملكية في زمن ما قبل الجمهورية، يعجز المتصدون للهجوم على الملكية عن إتيان الأدلّة على معاناة سائر المصريين في عهود حكام الملوك الذين توالوا على حكم مصر خلفا لمحمد علي، فيكتفون بالإشارة إلى عدة مصادر للمؤرخين المصريين، ويتحدثون عن ظاهرة "مكافحة الحفاء" الذي بدأ في عهد فاروق في العام 1941.

ولكن إذا كان حال المصريين قد وصل في عهد فاروق للدرجة التي تستدعي إطلاق مشروع لمكافحة الحفاء.. فكيف كان حالهم في فترات أبعد من ذلك.. تحديداً في عهد جده الخديوي إسماعيل.. ستينيات القرن التاسع عشر؟

في كتابها "رسائل من مصر" الذي صدرت ترجمته في القاهرة مؤخراً، على يد الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد، تضعنا الليدي الإنكليزية لوسي دوف جوردون، أو لوسي أوستن، أمام صورة قاتمة وحية لم يذكرها مؤرخو البلاط الملكي الذين استدعاهم فؤاد لكتابة تاريخ مصر في عهد والده، ومنهم المؤرخ إلياس الأيوبي الذي كتب ألف صفحة بتكليف من فؤاد، سلطان مصر الذي دشن مكافأة قدرها 300 جنيه فاز بها الأيوبي وكتب كتابه الذي أظهر فيه إسماعيل بأنه رجل ازدهرت في عهده مصر، وكف عنها المظالم، وأنقذها من نير الفرمانات والامتيازات وغيرها من الهراء، الذي دحضته رسائل "لوسي دوف" المرسلة إلى عائلتها "أمها" وزوجها "ألكساندر دوف جورودون" وابنتها "جانيت روس".

تمسح الرسائل ست سنوات عاشتها جوردون في مصر (1862 حتى 1869)، جاءت مصر طلبا للاستشفاء من السل، لفت لوسي جوردون حول أفريقيا عن طريق رأس الرجاء الصالح، وجاءت أخيرا لتستقر في مصر، حتى وفاتها في 14 يوليو 1869، وطيلة الفترة من وصولها إلى ميناء لجهورن إيطاليا ورسالتها الأولى المؤرخة في 13 أكتوبر /تشرين الأول عام 1862، حتى رسالتها الأخيرة نقرأ كأننا نرى كافة التفاصيل التي مرت بها الإنكليزية جوردون، تكتب كأنها تخاطب جموعا سيقرأون رسائلها بعد أكثر من قرن من الزمان، بحداثة غريبة الطابع، إذ تنتقل بين أكثر من موضوع في الرسالة الواحدة، وتمزج الاستعارات والمجازات من الأدب القديم والأساطير اليونانية والدينية بما تراه وتصفه حولها.

في 27 أكتوبر/تشرين الأول 1862 حطت جوردون رحالها في الإسكندرية وكتبت رسالتها الثانية إلى زوجها ألكساندر" وفيها حكت عن انطباعاتها الأولى عن المصريين وعن الأجانب الفرنسيين وراقصي الأوبرا الإيطاليين وقنصل إسباني ذكّرها بدون كيخوته، ورجلا فقيرا من باريس يسافر ليغني في القاهرة، وتتطرق إلى وصف الخبز المصري الذي تناولته في الإسكندرية عقب وصولها، الذي كان مختلطا بالقذارة والقش وحبوب غير معروفة لها.

تصف لوسي جوردون القاهرة بأنها ذات وجود ذهبي، وتستهل رسالتها الثانية إلى أمها  بقولها: أكتب إليك من قلب الليالي العربية الحقيقية، لعل النبي محمد الممجد اسمه يسعد حين يتطلع إلى القاهرة، إنها ذات وجود ذهبي، كل شيء مشرق وشاعري.


القاهرة 
لكن هذه الشاعرية والإشراق لن يستمرا طويلاً، ستتجرأ جوردون بعد صفحات على وصف الأوضاع والأحوال التي لم يصفها مؤرخو إسماعيل وفؤاد الأول، إذ تقول: الجانب الآخر من الصورة الحلوة كان على العكس محزنا بما يكفي، قصور مهجورة وأكواخ مزدحمة لا تصلح للخنازير، يوما يجد الإنسان غداءه ويوما آخر لا يجد على الإطلاق ومشاهدة الأطفال صادمة من الطعام السيء الذي يأكلونه مع قذارة وعمل كثير يقومون به.

تسافر الإنكليزية صاحبة الرسائل، في النيل بالمراكب، حيث هي وسيلة المواصلات المعروفة التي يتنقل فيها الأجانب، بينما فقراء المصريين يتنقلون في الصنادل الضخمة التي يجرها مركب بخاري، وهكذا بينما تصعد لوسي جوردون في النيل إلى الأقصر، كان يمر بها مئات الفقراء أخذوا من بيوتهم للعمل في قناة السويس، أو بعض قصور الباشاوات – على حد قولها- نظير قرش واحد في اليوم، تقول جوردون: واحد من طاقمي. عبد الرسول المتوحش الأسود الذي كان عمله دائما القفز إلى الشاطئ حينما ينعقد الحبل، تعرف على بعض أقاربه من قريته القريبة من أسوان، تعالى الصياح كثيرا بين الجانبين، وظل عبد الرسول البائس كئيبا طيلة اليوم.

لكن الكتاب ليس كله على هذا المنوال، إذ تمزج كثيرا بين حكايات الفقر والبؤس التي تراها، انطباعاتها عن المسيحيين المصريين وعن العبودية، وعن معاملة المصريين لها، وطلب الأطفال الصغار البقشيش منها، بل وتحكي عن الأجانب الذين شوهوا الآثار لينحتوا عليها أساميهم مثل إشارتها إلى فعلة الأمير هرمان فون بوكلير موسكاو الذي حفر اسمه وصليبه في حروف كبيرة على الصدر العاري لتمثال المارد المعظم المثير الجالس عند أبو سمبل، مردفة: أتمنى لو يضربه أحد لجريمته.



كراهية المصريين للفرنسيين
صادف إقامة لوسي جوردون صاحبة الرسائل حدثين كبيرين مهمين في مصر، أولهما كان تسخير المصريين في حفر قناة السويس، وفي العديد من مشروعات الباشا خديوي مصر إسماعيل، والحدث الثاني هو وباء البقر الذي قضى على قطعان الماشية في مصر كلها، وأفقر الناس، وأجدب الأراضي، لم يكن في حسبان "لوسي" وهي تكتب رسائلها، أن تتحول إلى مؤرخة تحكي الرواية الشفاهية للظلم والتجبر التي تجاهلها مؤرخو الباشا ونجله فؤاد، تحكي في رسائلها الأولى عن سخرة المصريين في حفر القناة فتقول: كل واحد كان يلعن الفرنسيين هنا، أربعون ألفا من الرجال يحفرون قناة السويس، يموتون جوعاً، كان هناك انفعال وإثارة مما سيفله الباشا، أعتقد أنه لو توقف عن السخرة سيتخلى عن القناة.

لكن إسماعيل لم يتوقف عن السخرة، عكس ما يقوله مؤرخوه. تحكي لوسي برشاقة عن خضرة مصر، وتقارنها بخضرة إنجلترا قائلة: من "بلينا – بلدة في الصعيد- ركبنا ظهور الحمير إلى أبيدوس، ستة أميال عبر محاصيل لا ترى أجمل منها، غياب الأعشاب الضارة والآفات رائع، وخضرة مصر تجعل من الخضرة الإنكليزية سوداء، قطعان ماشية جميلة، خراف وجمال ترعى في البرسيم فيما مالكوها يسكنون أكواخا من البوص في فترة نمو المحصول.

"مَن يشرب من النيل يعود إليه" 
الممارسات الاستبدادية واحدة، ويبدو أنها متوارثة، وكأن الملكية التي سقطت في العام 1952 في مصر لم تسقط ممارساتها البغيضة، فنعرف من الإنكليزية كاتبة الرسائل معلومات كثيرة عن تصرفات حكومة إسماعيل مع المصريين، يخبرها هكيكيان بك عن مظاهر الظلم الجديدة التي يُعامل بها المصريون، نصف التصرفات تحت شعار الإصلاح والتمدن، والأوروبيون يصفقون أما الفلاحون الفقراء فيقادون مربوطين مثل المجرمين وتعاني عائلاتهم من فقد ذويهم في مشروعات الباشا..تحكي عن أن كل باشا يبني قصرا جديدا فخما، فيما يتم خراب القصور الموروثة، ويا للمصادفة، أن تتزامن حكايات إنكليزية كتبتها منذ أكثر من قرن، مع واقع مصر المعاش والمعاصر، إذ تقول لوسي: ما يصدمني سماعي من رجال إنجليز قولهم إن العصي هي الطريقة الوحيدة لإدارة المصريين..كما لو أن أحدا يشك في أن هذه أسهل طريقة لقيادة أي شعب ما دامت يمكن استخدامها دون عقوبة.

تحكي أيضا عن قول المصريين لها : "من يشرب من مياه النيل لابد أن يعود إليها"، وتصف امرأة رشيقة في رداء أزرق ونقاب تُنزل الجرة عن كتفها وتقدمها لها بابتسامة من القلب، وتعلق لوسي بقولها: الحمد لله.. سالي – خادمتها- تقول إن كل المياه الأخرى مثل بيرة سيئة أمام مياه النيل.

ويتعجب قارئ الرسائل من الحال الذي آلت إليه مصر.. حينما تصف في رسالتها إلى خالتها شارلوت أوستن جمال القاهرة بأنه يفوق جمال فرنسا، إذ تقول في تلك الرسالة التي أرختها بـ"31 مايو 1863": خوفي كبير مما رأيت في الخريف الماضي من قذارة في جنوب فرنسا، ظل معي في زيارتي السريعة لإيطاليا قياسا على جمال القاهرة الذي لا توجد كلمة لوصفه".

ومع تصاعد الغضب ضد السخرة في مصر، تلفت لوسي إلى غضب الفرنسيين وبالطبع شركة القناة من البريطانيين، ويعزو الفرنسيون تأجج غضب الناس في مصر لمؤامرة إنكليزية ضد مشروع القناة، وتحكي في موضع آخر عن حكاية رواها لها فرنسي كان على ظهر إحدى بواخر الباشا تحت قيادة ديليسيبس ومرا على قرية غارقة من أثر فيضان النيل، وقف نحو مائتان رجل على أسطح منازلهم يصرخون طلبا للمساعدة، لكن ديليسبس تجاهل مساعدتهم وواصل الإبحار في النيل.


طاعون البقر..خسائر بالملايين
الحدث المروع الثاني الذي شهدته لوسي جوردون كان طاعون البقر الذي أصاب الماشية في عهد إسماعيل وقضى على ماشيتها، وبلغت خسائر الطاعون الملايين، تحكي في رسائلها إلى زوجها وأمها عن كلفة الطاعون وعن أن إسماعيل عينه وحشة وكيف انتشرت المجاعة في مصر، نتيجة خسارة البهائم التي هددت الرى والحصاد والزراعة، بل ورفعت أسعار الخبز، وتحكي عن قصص أسطورية سمعتها من الفلاحين عن قدرة ماء المصحف على شفاء الماشية من الطاعون، مثل الحكاية التي سمعتها عن رش الماء على المصحف، قبل تقديمه للأبقار، ولكن هذه الحكايات والممارسات لم تمنع من زحف الطاعون البقري على الماشية حتى إسنا والأقصر حيث أقامت، وربما كان ترديد هذه الحكايات من موظفين الدولة الرسميين سببا في فقد الناس ثقتهم في أطباء الحكومة، تتحدث عن بدء ممارستها العلاجات على مصريين فقراء لجؤوا إليها خوفا من الحكيمباشي، وبينما ينتشر وباء البقري ويحصد الماشية في كل موضع حولها في الأقصر، كان ثمانية إلى عشرة من الناس يموتون كل يوم، وبينما طاعون الماشية يقضي على الآلاف والبهائم بدأت تطفو على النيل وتنحدر في النهر إلى القاهرة، والناس يدرسون الذرة بالحمير والرجال يديرون السواقي والمحاريث ويموتون من فرط العمل والجوع، كان رجال الباشا يفرضون الضرائب المرهقة على الناس، وينفي خصومه ومعارضيه إلى مدينة سودانية تسمى "فازوجولو" ومن ذلك البدراوي باشا الذي كان من كبار الأغنياء في مصر السفلى، وطلبه إسماعيل أن يصعد إليه القلعة، قبل أن يقبض عليه القواصون ويقتادونه إلى المركب ليصعد في النيل منفيا إلى السودان.

القاهريون يأكلون الخبز والفلاحون يأكلون الضرب
يأتي العام 1865 على مصر وقد ازدادت الحياة قتامة.. بدأ الناس يهربون من منازلهم وقراهم وأراضيهم إلى الصحراء.. تقول لوسي في رسالتها  9 يناير/كانون الثاني 1865 قائلة: اليوم احتشد فوق الرمال أمام البيت كل البؤساء بعد أن قررت الحكومة ضريبة ثمانية جمال لكل ألف فدان، الحيوانات المسكينة أرسلت لنقل الحشود العسكرية إلى السودان، ولأنها لم تتعود السير في الصحراء فستموت جميعها، الناس يلعنون الباشا في شوارع أسوان وتحدثوا بصوت عال بما يشعرون.

كل القطعان ماتت.. النيل منخفض جدا.. أغاني الرجال الذين يررون الأرض بالشادوف محزنة جدا وتقول: أنا جائع أشتاق لرغيف من الدرة، ونتيجة لكل هذه الأوضاع البائسة تندلع ثورة شمال قنا يقودها درويش يدعى أحمد الطيب، ثورة في ثلاث قرى، يواجهها رجال إسماعيل بعنف رهيب، إذ يرسل هذا الأخير رجله "فاضل باشا" بالقوارب فيحرق القرى ويردي مائة رجل، تحكي لوسي أنه في البداية سمعنا أن ألفا قتلوا، والآن مائة، النساء والأطفال توزعوا هاربين على القرى الآخرى.

ولا يقتصر انتقام الباشا ورجاله من الثوار على القتل، أو النفي، بل أيضا ترك الجثث في الطرقات بلا دفن ليكونوا عبرة، تلتقي لوسي بمن يحكي لها حكايات مرعبة عن تعفن الجثث الملقاة في الطرق بأوامر من الباشا.. عن جثث نساء مفتوحة حاملة أطفالا، وعن أسر الفتيات البائسات الصغيرات غنيمة، وحينما تذهب كاتبة الرسائل لتلتقي أوروبيين أو إنكليز، وتستطلع آراءهم فيما يحدث في مصر من خراب، تجدهم منصرفين تماما ملهيين في شؤونهم، بدأت رويدا رويدا تشعر أنها مع أبناء جلدتها الإنكليز بأنهم أجانب بالنسبة لها، وتسأل نفسها.. هل صرت الآن بنت البلد تماما هنا؟

يتوقف الكتاب عند منعطفات مثيرة ومهمة أسقطها مؤرخو الباشا ونجله فؤاد الأول، عن عمد منها ما ذكرته لوسي نفسها بأن القاهريون يأكلون الخبز والفلاحون يأكلون الضرب.. تكتشف أناسا لديهم استعداد أن يرحبوا بالإنكليز الغزاة لهدم سلطان إسماعيل وأبنائه بعد تجبره وفساده، تحكي في رسالة إلى ابنتها جانيت في ذلك العام الفارق في عهد إسماعيل 1865: أعرف الكثيرين من المدن والقرى وكلهم يقولون نحن مسلمون لكن يجب أن نطلب من الله أن يرسل الأوروبيون ليحكمونا.

من على ضفاف النيل.. يستطيع قول أي شيء
تلخص هذه العبارة التي تكتبها الإنكليزية كاتبة الرسائل سيرة الوجع الذي تحكي عنه، بجمل بليغة وهي تصف أحوال الناس بعد معرفتها الأعداد الحقيقية للقتلى الذين عوقبوا على ثورتهم في شمال قنا، لقد بلغ عددهم 1600 قتيل، من الرجال والنساء. انتقام جبار وبشع، يبرر استجداء المصريين للمحتلين ليخلصوهم من الطغاة، فبينما تنعم القاهرة ونخبتها في المتع وتحصد الخيرات. أسعار اللحوم والخبز منتظمة ولم ترتفع.. والطبقات الخطيرة تتمتع بالإعفاءات.. يقاسي الفلاحون الذين تعيش لوسي وسطهم، ويساقون لليأس، بينما أوروبا مسحورة من الباشا المستنير الذي يُخرب هذا البلد الجميل، هكذا تصفه لوسي، وتصف عماراته الباريسية في وسط العاصمة بقولها: كل الطبقات تعاني. الفلاحون..التجار.. بقالي خربت نصف أعماله بسبب التحسينات والإنشاءات التي جرت في القاهرة تحت شعار "مثل باريس" شوارع طويلة عسكرية تخترق قلب القاهرة.. صودرت أملاك ومالكو البيوت أجبروا على هدمها وبناء منازل جديدة بواجهات على الشوارع على الطريقة الفرنسية.. لا يسكنونها ولا يبيعونها.

وتلخّص الحال بقولها في رسالة أخرى: في مصر أكلتنا الضرائب.. لا يوجد بنس مع أحد.. تتم جبايتها عن السنة كلها قبل موعدها بثمانية أشهر وإلا يتم ضرب وعقاب الشعب البائس.
حينما تنتهي من الكتاب.. وتقارنه بسفر إلياس الأيوبي الضخم الواقع في مجلدين تدرك دور وخطورة رسائل الناس العادية في التوثيق الحقيقي للعهود.. أكثر من المؤرخين الذين يكتبون ما يرغب فيه أنجال الحكام.

(*) صدر الكتاب في دار نشر بيت الياسمين في القاهرة

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها