آخر تحديث:13:05(بيروت)
الأربعاء 16/10/2019
share

"الانفصال" لسيلفيا أرازي.. الحب هو ألم الذكرى

أسامة فاروق | الأربعاء 16/10/2019
شارك المقال :
"الانفصال" لسيلفيا أرازي.. الحب هو ألم الذكرى بطلة الرواية من أصول سورية
بعد شهور من انفصال لوثيا عن بدرو، عثرت بالصدفة وسط حجرة الخزين على أحذيته القديمة، تلك التي كان يستخدمها أثناء إجراء الإصلاحات في المنزل. كانت أحذية بالية، ومستخدمة إلى حد أنها تشكلت وتيبست على شكل قدم بدرو صاحبها. كانت حقيقية لدرجة أن لوثيا تصورت أنها تمسك بقدمَي بدرو. جالسة وسط فوضى حجرة الخزين، فكرت لوثيا آياس بأنها لاتزال تحب بدرو، وأن الحب ربما لم يكن أكثر من ذلك "مجرد ألم مفاجئ نتيجة ذكرى قالب قدم".

لكن من هي لوثيا؟ هي بطلة رواية سيلفيا أرازي الجديدة "انفصال". أما سيلفيا أرازى نفسها، فهي كاتبة ومغنية وممثلة من مواليد بوينس آيريس في الأرجنتين. درست تاريخ الفن في جامعة بوينس آيريس، والشعر الغنائي في معهد كولون العالي للمسرح، ونالت مجموعتها القصصية "ما أسرع حلول المساء" جائزة خوليو كورتاثار للقصة القصيرة في إسبانيا العام 1998، وتُرجمت روايتها الأولى "معلمة الموسيقى" إلى الألمانية والهولندية وتحولت إلى فيلم سينمائي. في 2004 نشرت رواية "موسيقى الوداع"، كما نشرت أعمالاً شعرية وكتبت للأطفال أيضاً.

في العام الماضي، نشرت أرازي أحدث روايتها "انفصال" وصدرت ترجمتها العربية مؤخراً عن دار "مسعى"، وهى فرصة طيبة جداً للتعرف على نص طازج من تلك المنطقة التي لطالما شغلتنا بعوالمها السحرية، خصوصاً أنه نص واقعي هذه المرة.

فبحسب المترجم طه زيادة، في العام 2016 نشرت جريدة "كلارين" الأرجنتينية العريقة، تقريراً عن مؤشر الزواج والطلاق في العاصمة بوينس أيريس، يوضح أنه خلال العام 2015 سُجلت 5643 حالة طلاق، بمعدل 15 حالة في اليوم، لكن المعطى اللافت للانتباه كان المرحلة العمرية التي يقع فيها الطلاق. فبحسب التقرير، يعتبر الطلاق أكثر شيوعاً في العقد الرابع من العمر: 47 عاماً في حالة الرجال، و44 في حالة النساء، وهى الظروف نفسها والعمر نفسه تقريباً لأبطال "انفصال"، وربما كاتبتها أيضاً.

بجملة افتتاحية قوية وموحية، تدخلنا سيلفيا مباشرة في أجواء قصتها.. "أتطلع إلى رجل نائم إلى جواري، سيصبح اعتباراً من الغد وإلى الأبد، زوجي السابق، ومن المحتمل ألا يعود للنوم بجانبي مرة أخرى". وبين المشهد الافتتاحي ذاك، ومشهد النهاية الذي تودع فيه زوجها أيضاً مرة أخرى، تبحث لوثيا عن معنى الحب في حياتها.

نص قصير- 170 صفحة- وبسيط لا تميل كاتبته إلى الاستعراض ولا الإفراط في الجمل الوصفية الطويلة. لكن، رغم التكثيف والاقتصاد، لن تشعر بغياب أي تفصيل في المشهد، بما يعنى أن اختيارها لجُملها دقيق تماماً وفي محله، يصيب الهدف مباشرة. لا تحاول سيلفيا المراوغة، ولا انتزاع التعاطف مع بطلتها، الأهم هو تتبع تلك العلاقات الإنسانية؛ تكوّنها ونموها وتطورها وحتى كسرها ومحاولات تجبيرها، حتى إنها تحاول النظر من الضفة الأخرى. تقول على لسان بطلتها المهزومة ما يمكن أن يفكر فيه الطرف الآخر "ربما يقول بدرو إنه أصيب بالضجر. إنه لم يعد يتحمل طلباتي. إنه ملّ من نحيبي وشكواي، وإن حواراتنا تنتهي دائماً بصراخي، أني فقدت الاهتمام بأموره، وأنني لا أنصت إليه عندما يحدثني، وأنه ضجر من إهمالي، ومن مخاوفي الطفولية، من افتقاري للكياسة، من حبي للهاتف، ومن ضياعي الدائم للمفتاح، ومن إنني أعيش في عالم آخر".


لكن أصل المشكلة وما يُبنى عليه العمل بعد ذلك، يأتي بعد ما يبدو وكأنه تفكير عميق إذ تقول: "لأنه بات يشبه أمي، ولأنني لم أكن أشبه أمه، ولأننا لم نعد نتشارك الأحلام وتوقفنا عن الضحك معاً".

عبر فصول قصيرة/شذرات، تسرب سيلفيا الملامح الأساسية لقصة بطلتها، نتعرف عليها أكثر، والأهم ربما أن نفهم أن الانفصال، وإن كان عنواناً لقصة حبها لبدرو زوجها وانفصالها عنه، إلا أنه خيط يمكن مدّه على حياتها بالكامل. فهي، وإن كانت ذات أصول عربية إذ جاء والدها مع ستة من أخوته من سوريا إلى الأرجنتين بالباخرة وهم في سن مبكرة، فهي منفصلة تماماً عن تلك المنطقة وتاريخها، ولا تكاد تعرف عنها شيئاً باستثناء حكايات والدها وعمها وصور عمتها "لطيفة". وهي منفصلة أيضاً عن "بولا"، أمها المتعجرفة اللامبالية الغارقة في عالمها الخاص، التي سحرت بجمالها عقول الجميع والتي تحفظ كل قصائد فيدريكو، وتبدع في إلقاء أشعار لوركا وتؤمن بأن كل ما ليس من أعمال شكسبير وتولستوي أو ديستويفسكي مضيعة للوقت وتبجيل للغباء. علاقتها المرتبكة مع تلك الأم، فصلتها حتى عن ابنتها نفسها، لأنها تشبهت بجدتها حتى من دون أن تعرفها جيداً، وبالتأكيد منفصلة عن نفسها التي حيرتها بين اختيارات متعددة. ستكتشف أيضاً أن بحثها عن نفسها كان سبباً رئيساً في انفصالها عن زوجها الذي لم تهتم بتقديم سجل لجرائمه أو لهزائمها أمامه، يكفى بأنها كانت تعيش "مسحوقة تحت وطأة انتقاداته".

الارتباطات الحقيقية في حياة لوثيا كانت مع أختها "ميراندا" وصديقتها "فيرا"، وكلاهما مختلف عنها تماماً، لكن وجودهما في حياتها كان يساهم في تنظميها وربط ما انقطع فيها، وإكمال النواقص التي لا تكتمل إلا بالتقاء الأضداد. كانتا تحاولان إنقاذها بعد الانفصال الذي شوّشها، رغم أن كلاً منهما (الأخت والصديقة) تعاني العلاقات المتعددة والفاشلة، وقسوة الحياة نفسها.

يمكن القول إن الارتباط الأكبر كان مع الأب، رغم غيابه على طول القصة. تعرَّض في بداية حياته العملية، لهزة كبرى أفلسته وأبقته محطماً، حتى ظهر على سرير المستشفى في نهاية القصة ونهاية حياته. لكنه، رغم ذلك، كان الأكثر حضوراً وتأثيراً في حياة لوثيا التي تعاطفت مع ضعفه وشخصيته الجديدة، حتى وإن كانت تحمل شبح والدها.

تشكل الحكايات الجانبية أعصاباً رئيسة للنص، وهي في المجمل تشكل وجوهاً مختلفة للبحث عن الحب، وعن الألم العميق الذي يسببه غيابه، وحضوره أيضاً في بعض الأحيان، سواء كاريغال الفنان التشكيلي الشهير الذي وقع في غرام بولا (الأم) ورسم لها بورتريه عظيماً احتل مكاناً مميزاً في منزل العائلة، ذاك العاشق الصامت الذي كان يجلس كالأطفال في حضرتها، وحتى انتحاره المؤلم والغامض، ومروراً بدودي، صديق لوثيا الذي فتنته طفلة في عمر أولاده، وحتى أندريس طالب الموسيقى الذي تتبدل سحنته بمجرد الحديث عن حبيبته، دليا مربيتها، وأنخيلا خادمتها، وأيضاً من حاولوا الدخول في حياة لوثيا لتعويضها عن فشل زواجها وغياب دفء الرجال في حياتها. كلها حكايات جانبية على هامش حكاية رئيسية عن زواج متصدع، ترسم في مجملها لوحة كبيرة لبحث مضنٍ عن معانٍ مختلفة للحب.

الفهم العميق لمرارة التحول عبر النص، رغم الجُمل القصيرة المتشككة دائما والتي لا تصل إلى اليقين أبداً، نجاح يحسب للمترجم أيضا الذي استطاع أن ينقل التعبيرات الحاملة للأوصاف والأحاسيس، رغم أنها المرة الأولى التي يترجم فيها عملاً أدبياً نسائياً يصف مشاعر المرأة في مرحلة عمرية معينة كما يقول، وأيضاً إزاء أزمة قاسية وحقيقية لها عواقبها النفسية والاجتماعية، يقول: "حرصتُ طوال الوقت على أن يكون الصوت السائد في اختيار التعبيرات والمفردات نسائياً من دون تحيز أو تعاطف، وأن يكون صوت السرد نقياً تماماً يفرد للمرأة ومشاعرها في النص دور البطولة ويؤكد عليها كما أراد النص في ثقافته ولغته الأصلية".

لكن ربما كان لنجاح الترجمة سبب آخر أيضاً، هو الاتصال المباشر الذي حدث مع المؤلفة "وهو ما أسهم –إلى جانب القواميس والمراجع- في توضيح الكثير من الجمل المعقدة وإثراء النص بمدلول الجمل المأثورة والأمثال والعبارات الشائعة"، والتي توضح في الوقت نفسه التقارب الشديد في الثقافات رغم البعد الجغرافي الشاسع، بالتحديد في الفصل الذي التقت فيه لوثيا مع العرافة وحديثها عن الأعمال السفلية وطرق "ربط الحبيب" بقطعة من ملابسه الداخلية ورِجل دجاجة!  

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها