آخر تحديث:13:12(بيروت)
الثلاثاء 15/10/2019
share

شارات السير وزمامير السيارات وكورس أيام الحشر

وضاح شرارة | الثلاثاء 15/10/2019
شارك المقال :
شارات السير وزمامير السيارات وكورس أيام الحشر ألوان سير وحشره (علي علوش)
1
على مفترق شارعين مدينيين حيويين أو محوريين، في قلب حي مركزي قديم يتجدد بناؤه منذ أكثر من عقد، فتخرج مبانٍ من 15 دوراً أو عشرين في أنحائه، تقف مضطرة أرتال من السيارات المتحفّزة في انتظار إجازة ضوء الشارات الأخضر المرور. وفي الأثناء، خلت أجزاء الشوارع المقابلة من السيارات وبدت مرتعاً حائراً ومعلقاً يدعو إلى ملئه واجتياحه الصفوف الثابتة والمرصوصة من الجهة الأخرى. ولكن البساطة الهندسية هذه تضمر تعقيداً لا يلبث أن ينجلي عند اخضرار الشارة وإباحتها المرور للسيارات القاصدة الشطر الأيمن والمستقيم من الطريق. وذلك أن المرور على وجهتين: أولى تتناول هذا الشطر، وأخرى تبيح الانعطاف يساراً للذين لا ييمّمون الوجهة الأولى.

فينبغي على هذا، أن تصطف السيارات القاصدة يسارها إلى يسار الطريق، وأن تنتظر شارتها في هذا الموضع. وإذا استعجل السواقون المرور المرجأ، واصطفوا حيث تيسّر لهم الأمر، وتقدّموا الصفوف فشغلوا الشطر الأيمن، إلى الشطر الأيسر الذي يعود إليهم شغله، قطعوا الطريق على "أصحاب اليمين" في حالين: حين تجيز الشارة لهؤلاء وحدهم المرور فيسد عليهم "أصحاب اليسار" المنفذ، وحين تدعو الشارتان الخضراوان اليمين واليسار إلى اجتياز المفترق، اليمين على خط مستقيم واليسار إلى الانعطاف.

فتعترك السيارات النافرة أو الراكضة في ساحة لا تضبطها خريطة مفهومة ومفروزة، وتسعى الواحدة في تخليص خطها وسلامتها بواسطة موازنة دقيقة بين السنتمترات المتاحة للسيارة وبين تلك التي تهجم السيارات الأخرى عليها وتحاول احتلالها، فتنفجر المنبّهات- واسمها "العصبي" يدل من غير قصد على الامتحان الذي يقع فيه الخائض الغمرة، أو تنفجر الزمامير، وإيحاء اللفظة بمزامير داود التوراة وغيره لا محل له- تنفجر في جوقٍ متنافر وقوي الشبه بخريطة المسالك العشوائية التي تتنازعها السيارات، ويتنازعها سواقوها عند المفترق العسير.

2
تنحدر الطريق العريضة على ما كان يُرى رابيةً أو تلاًّ، وتبلغ قاعاً يتوسط منحدرين: واحداً نازلاً والآخر صاعداً. وتعترض الطريق المشرعة والمتصدرة، على زوايا قائمة، شوارع جانبية أو ثانوية تصل الأحياء والمربعات السكنية على جهتي الطريق "المترئسة". واتجاه سير السيارات في الطريق هذه، واحد، من الغرب إلى الشرق. وفي موازاتها طريق أخرى تكافئها عرضاً، ويتقيّد سير السيارات عليها باتجاه واحد، من الشرق إلى الغرب. فإذا قدِمت سيارة من جهة الشمال، وقصد سواقها موضعاً يقع جنوباً، اضطر إلى السير مسافة قصيرة إلى الشرق، ومجاراة اتجاه السير، قبل الانعطاف يميناً وجنوباً في طريق مُجازة. وعمدت مصلحة السير إلى رفع حواجز حجرية على المفترقات، وسد مداخل الشوارع الجانبية المحظورة.

وصادف أن قام في القاع الذي يتوسط المنحدرين محل كبير، يقصده الزبائن من نواحي المحلة كلها. ويركن سياراتهم على أبوابه زبائنُ ليسوا من أهل المحلة، هم من المارة في طريقهم، ومركباتهم إلى أحياء قريبة وبعيدة كثيرة. فاجتمع في موضع واحد تقريباً، على بعد أمتار قليلة من شارة سير، زبائن المحل وسياراتهم، وحاجز المفترق المسدود. ورأى سواقون مستعجلون أن مصلحة السير تناوئهم مناوأة لا تُحتمل. فحطموا الحاجز الحجري الذي يحول دون بلوغهم الشطر الجنوبي من الطريق المعترضة والثانوية.

وعلى هذا يعترض سيرَ السيارات المنحدرة من الغرب رتلُ تلك القادمة من الشمال والمتجهة جنوباً، وحشدُ تلك التي ركنها أصحابها على أبواب المحل "الشعبي" ويتولى عماله صفها وفتح أبوابها ومواكبة البضاعة ووداع السوّاقين المستعجلين والمنعِمين على العمال. ويعترض السيارات المتحدة كذلك مربّع مزدحم من المركبات التي تنتظر ضوء الشارة الأخضر لتهجم على الطريق غير الخالية بعد. فيلجأ السواقون- على اختلاف مذاهب السَّوق: العمومية والخاصة والمشتركة والنقل العام والشحن على مراتبه- إلى شق الطريق أو فتحها، على قولهم وقولنا، بقوة زمامير اختيرت، حين رُكّبت، للسير على طرقات شبه جزيرة العرب في الليالي الليلاء وفي وسط عواصف الغبار المُعمية، وتنبيه سوّاقين يدعو أضعف الحذر إلى حسبانهم صمّاً لا يسمعون أو غارقين في سباتٍ لا قاع له.

3
يصطف رتل السيارات الطويل بإزاء الإشارة الحمراء، بينما ينساب سريعاً رتل آخر على شارع يعترض شارع الرتل الأول، الثابت، على زاوية قائمة. ويقتصر المنبّه في الحال الوادعة والفردوسية هذه على دعوة سيارة بطيئة في أحد الصفوف إلى السرعة وملء المكان الفارغ أمامها، أو على توبيخ سيارة أخرى تجنح إلى التوقف بمحاذاة الرصيف إما تلبيةً لطلب راكب محتمل، في حال السيارة العمومية، وإنما نزولاً على رغبة راكب تقله السيارة في النزول.

ولا يعدو صنف التنبيه هذا النقر المختصر غالباً، ما لم تكن السيارة الخلفية، أو إحدى السيارات الخلفية، متحفّزة ومتوثّبة، ورأى سوّاقها أن بطء السيارة الأمامية أو توقفها يعرقل السير على نحو وقح، فيَحِق أن يُجازى، وجمهور المارة والباعة وكل من يدب على اثنتين، بزمور طويل وغليظ وربما موقّع يتوغل في خلايا الدماغ ويهزها هزاً عنيفاً، على وصف راوي "ألف ليلة وليلة"، قبل شهرزاد، جماع زوجة شهريار و "عبدها".

وينقضي وقت مرور السيارات على شارع الزاوية القائمة. ويرهص اللون البرتقالي الذي يلي الأخضر مرتبةً بحلول الأحمر، لا محالة، محل إجازة المرور، وبحظر المرور على بقية الرتل. فيعرو السيارات، أي من يسوقها، والمفترق والأرصفة، ترنّح يسري في المحركات والعوادم، ويدبّ في الزمامير على نحو لا يجافي المنطق ولا الفهم. فإقلاع السيارات الأمامية واستجابتها لشارة الإباحة ولونها، يقتضي وقتاً لا يتعدى جزء الثانية القليل. ولكن هذا الوقت يبدو دهراً مديداً لسيارات الرتل المتأخرة أو الخلفية. ولا يشك سواقو هذه في أن أقرانهم الذين يسبقونهم إما أصابهم العمى، ولا يبصرون ما أُنعم عليهم من إباحة بل من حث على السير، وإما هم سادرون في دلع ناجم، على الأغلب، عن الشبع والكفاية فلا يحسون همز الحاجة إلى سبق النفس نفسها، وتسليمها قيادها إلى نداء الأفق المستبد!

فيعالجون التأخر عن الارتماء في لجة الطريق المباحة ("الطريق له") بتنبيه مرصوص ومتصل، أي بزمور طويل وعالٍ يجتمع على أدائه الأوركسترالي المتحرّقون إلى الوثب، والذين عيل صبرهم، إلى آخر الرتل. ويشترك في تزمير الجوق العالي سواقو الصف الثاني، المحاشرون الصف الأول مباشرة، وسواقو الصفوف الأخيرة. وهؤلاء يعلمون يقيناً أن دورهم، أي بلوغهم الصف الذي يؤهلهم لعبور الإشارة، يقتضي 3 دورات ضوئية على التقليل. وعلمهم لا يحول بينهم وبين رفدهم نهر الجوق العريض بساقيتهم الصوتية، فعدوى الكر بالزمور على المتأخرين البليدين، والإثخان في آذانهم ورؤوسهم وأبدانهم كلها من بعد، لا تقاوم.

ويتضافر صنيع هذا الجوق مع صنيع جوقٍ آخر، قريب ومتصل. فالرتلُ الأول الذي يقبض انقلابُ الضوء إلى الأحمر سيرَه، ويدعوه إلى الإمساك، يقاوم الوقوف، في انتظار انبعاث اللون الأخضر، إلى آخر الوقت المتاح، ويحاول تخطيه إلى ما بعده. وعلى هذا، فالسواقون المتأخرون، في الترتيب والموضع وليس عن السرعة، يرون أن الذين يتقدمونهم بـ "منخار" واحد، على قول أهل سباق الخيل وربما سباق النوق، بينما يمر الضوء في الزجاج الصفيق والمتجهّم من الأخضر إلى البرتقالي إيذاناً بالأحمر المشؤوم، متلكئون وكسالى وأنانيون. فطالما ضمِنوا عبورهم المشروع والقانوني، والظالم حتماً، القيدَ على سيرهم، لم يأبهوا بمن وراءهم، ومن يوشك أن يطبق عليهم لون الدم النازف ويأسرهم وراء ممر المشاة. فينبغي استعجالهم، وتذكيرهم بالمصير المظلم الذي لن يعتم ويضرب جمهور الأسرى وراءهم، ويعتقلهم في معتقل نازي أو سوفياتي، بل في قبو أسدي أو داعشي. فتصدح، غير بعيد من الجوق المستأخر سير الصف الأمامي، زمامير المستبطئين اجتياز الصف الأخير المعتقل الخانق، فتخيّم في أثناء عشر ثانية أو أقل على مصلبية المفترق، وأضلعها الأربعة، ابتهالات الخلاص، وأدعية الخروج من دار الأسر والظلم إلى دار العتق والعدل.

وعلى بعد خمسين متراً تقريباً، وعلى المحاور الأربعة وجهاتها، تصنع شارات السير على المفترقات والمصلبيات، ويصنع السواقون وسياراتهم، مشهداً قريباً من المشهد السالف، وفي وقت واحد نختبر، نحن أهل المدينة، أيام حشر لا تُحصى.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها