آخر تحديث:14:16(بيروت)
الثلاثاء 01/10/2019
share

المخيال الاجتماعي: تعددية الواقع تدحض شمولياته

أحمد جابر | الثلاثاء 01/10/2019
شارك المقال :
المخيال الاجتماعي: تعددية الواقع تدحض شمولياته "جزيرة متخيّلة حرة"
كتبت فالنتينا غراسي "مدخل إلى علم اجتماع المخيال، نحوفهم الحياة اليومية"، لتوجه النظر إلى الأهمية المتزايدة لدراسة العادات والمعتقدات والتمثلات الاجتماعية واليوميات، أي كل مسائل "الميكرو" التي حجبتها قضايا "الماكرو" الكبرى التي عالجتها النزعة العلموية الوضعية وقصرت أبحاثها عليها. لقد أخذت النزعة المشار إليها التحليلات الكمية للظواهر الكبرى، أي تلك التي تتمثل في المؤسسات والطبقات الاجتماعية، وفي الهويات والمكانة الاجتماعية، وفي علاقات السلطة في مجال العمل، وفي السياسة وسواها.

تتطرق الكاتبة في مساهمتها النظرية إلى مظاهر من أبحاثها في المجالات التي كانت مرمية خلف تهمة "الإيديولوجيا" التحقيرية، مما سيشكل شبه ثورة معرفية منهجية لدراستها التي تندرج في إطار علم اجتماع المخيال، هذا المجال الذي لعب دوراً أساسياً فيه جيلبير دوران، واسهم فيه إسهاماً أساسياً شارل مافيزولي من خلال "مركز البحث في اليومي والراهن".

لقد قام الجدل، مع التركيز على فهم الحياة اليومية التي اهتم بها علم اجتماع المخيال، بين علم اجتماع علموي كمي، وعلم اجتماع مشارك يقوم على الملاحظة بالمشاركة، وعلى الأخذ بالاعتبار مبدأ الذاتية، ليخلص بعد ذلك إلى توصيات إدغار موران حول تكييف البحث السوسيولوجي مع الضرارات المعاصرة. مصطلح المخيال لم يكن تعريفاً جامداً، بل اشتمل على معانٍ متعددة خلال تطوره التاريخي – المفهومي، فقد قابل "المخيال" في البداية معنى الواقعي – الحقيقي وارتبط في صيروروته بمعنى اللاواقعي – غير الحقيقي، أي ما يعادل الخيالي التوهمي، ثم كان له معنى التخيل، أي أنه أقصي إلى منزلة التصور الخرافي (فانتازيا) الذي لا علاقة له بالواقع. لكن وبعيداً من هذا "الاختلاط" التعريفي، قدم جيلبير دوران تعريفاً بسيطاً شاملاً للمخيال حين سماه الظهور التمثيلي الذي لا مناص منه، والقدرة على الترميز التي تنبثق منها باستمرار جميع الهواجس والآمال وثمارها الثقافية، منذ المليون ونصف المليون سنة لظهور الإنسان المنتصب على الأرض. إذن، يرتبط المخيال بالحضور الإنساني، ويتطور مع ما يتلازم مع هذا الحضور من أسئلة إنسانية كبرى، ومن إنشغالات يومية حياتية، أي باختصار، إن المخيال يكاد يكون لصيقاً بتعريف الإنسان ذاته، ككائن من أسئلة، وكمتحرك من بحث في وجود يضج بالمتناقضات، ما كان منها أساسياً، وما كان ثانوياً، وما جرى من هذه وتلك مجرى التبدل وتبادل المواقع في حركة وجودية دائبة.

وأشارت الكاتبة في مطالعتها ومن خلال عرضها، إلى أن استيعاب مفهوم المخيال وبنيويته ووظيفيته، يستلزم الاطلاع على ثلاثة تعريفات أساسية تتناول العلامة والصورة والرمز، بدلالاتها المخصوصة في بحوث المخيال. فالعلامة توليف بين مفهوم الدال والصورة الصوتية للمدلول، والرمز يكون صورة أو كلمة، مع كل المعنى المجازي الذي ينطوي عليه، وهو تجسيد مرئي لأنموذج أصلي حسب كارل غوستاف يونغ، أما الصورة الرمزية فهي الوحدة الصغرى للمخيال، ونسق دينامي ناظم سلطات مؤسسة للمعاني، ما يسمح بإقامة الصلة الضرورية بين الإنسان ومحيطه. ولن تكون الصورة ناجية من الصراع والخلاف حولها، فلقد وجدت من عاداها في الفكر الغربي ومن ناصرها، من أفلاطون، إلى كانط وشيلنغ وشوبنهاور وهيغل، إلى فرويد وتحليله النفسي، إلى كارل غوستاف يونغ مجدداً الذي أسس مفاهيم الأنموذج الأصلي، الصورة، الرمز والأسطورة، فشكلت أعماله مرجعاً لمستقبل الدراسات حول الصورة، وجذور مخيالنا الموجودة في اللاوعي الجمعي، أي خزان "الصور الكونية الموجودة منذ الأزمنة الأكثر قدماً".

لقد أثّرت المقاربة المخيالية في دراسات علم الاجتماع ومناهجه، عندما أسّست لتأهيل علمي صريح لكل ما يتعلق بالحياة اليومية، ومختلف مظاهر "الوجود" حسب تعبير "ما فيزولي" لقد جاء ذلك والسوسيولوجيا منشغلة بإرث الوضعية الكونتية التي جعلت السوسيولوجيا ثابتة كعلم مستقل. تمايز إميل دوركهايم بإقراره باستقلال التمثلات الاجتماعية، لأن المجتمع ليس مكوناً من مجموعة أفراد فحسب، لكنه متشكل أولاً بالفكرة التي يحملها عن نفسه، ولأن المجتمع أيضاً هو انبثاق من الوعي الجماعي.

السوسيولوجيا الألمانية مع هوسرل دعت إلى دراسة حقيقة الموضوعات المعيشة وقيمها ومقاصدها، وأشار ماكس فيبر إلى الرابط بين الدين والفن، المتعلق بالحقل اللاعقلاني والمتعالي الذي يسبق النزعة الفكرية العقلانية في الغرب.

في سياق السجال التطويري هذا، احتل جورج زيمل مكانة ريادية في الفكر السوسيولوجي، واسس مع فيبر سوسيولوجيا نسبية، تقوم على مبدأ تعددية القيم، وعلى الاعتراف بأن جميع الظواهر الطبيعية وحتى العلوم، لها أصل سيكولوجي مشترك متعلق بدائرة الروح أو الغيب.

هذه الخلاصة الزيملية، تقترب كثيراً من ميشيل مافيزولي الذي اعتبر أن التعارض بين الواقعي الحقيقي، وغير الواقعي – غير الحقيقي، عقيم تماماً. هكذا جرت المحاولات الجديدة مجرى إعادة الربط بين مظاهر الذاتية ومظاهر الاجتماعية، من خلال علاقة جدلية تعترف بمسألة "الأضداد وتفاعلها"، من دون أن تقيم علاقة إلغائية بينها ومن دون المكوث في وضعية الإقصاء التي حددتها بعض الفلسفات والنظريات للكثير من التفاصيل اليومية.

كان من شأن الاعتراف المشار إليه أن يؤسس لعلم اجتماع فهمي مع جورج زيمل وماكس فيبر. مضمون هذا الفهم، رفض تفسير الظاهرة الاجتماعية من خلال إسنادها إلى علل ميكانيكية، أو إلى علة حتمية واحدة. هذا ما استخدمه شوتز في تأسيس آخر في العلوم الإنسانية فكانت فينومنولوجيا هوسرل ومحورها، تحرير جوهر الظاهرة من كل تفسير سببي يعتمد تصنيفاتٍ أو أحكام قيمية.

في سياق الاعتراف باستقلالية الوضعيات الذاتية والجمعية، أشار فيلهلم دلتاي، التاريخاني، وصاحب مصطلح الفهم في العلوم الاجتماعية، إلى "علوم الروح" التي تضم علوم الاجتماع وعلم النفس، وتختلف عن علوم الطبيعة بموجب اختلاف العلاقة بين الذات والموضوع في المعرفة، لقد جعل دلتاي التجربة، كمعيش شخصي، منطلقاً لعلوم الروح. موقف دلتاي هذا، وفي امتداد السجال الاجتماعي المفهومي، عارضه فيندلباند فاتهم دلتاي بأنه استند إلى مسلمة ميتافيزيقية، وتابع هاينريش ريكرت فأضاف إلى فيندلباند قوله بالطبيعة كموضوع للعلوم العامة والتشريعية، وبالتاريخ كموضوع للعلوم الفردية والاصطلاحية. في إزاء ذلك اقترح جورج زيمل حلاً نظرياً للجدل القائم حول علوم الروح، فقدم مفهوم الفعل المتبادل (التآثر) وأعلن أنه لا يمكن صوغ قوانين ذات صلاحية كونية، وما يمكن تقديمه هو فقط مقترحات فرضية تكون صالحة حتى يثبت العكس، وبذلك تكون المعرفة مؤقته ومجزأة. على هذه الفكرة، يبني زيمل فكرة أخرى هامة تقول بأن هدف الاجتماع هو المضمون المتغير باستمرار للاجتماع نفسه الذي يكون الشكل المجسد لهذا المضمون.

الخلاصة الأهم، أو الخلاصات الراهنة التي يدفع إلى معاينتها كتاب "اجتماع المخيال" تتمثل في رفض الاختزالية التفسيرية والتحليلية التي عادت فانبعثت في أيامنا الحاضرة في صيغة دعوات إلى تفسير الواقع المتعدد المندمج المختلف... بصيغ شمولية ماضية. الشمولية هذه لها سمات مشتركة وسياسات متقاطعة متشابهة. فما كان شمولياً دينياً تشبّه به ما كان شمولياً "وضعياً"، وما كان شمولياً علمياً أيضاً. لقد بات التدين الوضعي والعلمي دينياً عندما رفع إلى مرتبة اليقين الذي لا يناقش في جوهره المتعالي، ديموقراطياً كان أم استبدادياً، وهكذا كانت الحال مع "الدينيات الغيبية" المنبعثة اليوم التي تفرض خيالاتها وأوهامها على كل مناحي المخيال الاجتماعي، الذي هو من حياة الناس ومشاعرهم ومصالحهم المادية ونوازعهم العاطفية.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها