آخر تحديث:12:14(بيروت)
الإثنين 07/01/2019
share

نور حطيط.. وحدها القصيدة تُنجبني وأتجنبّها لاظلّ أكتب(*)

المدن - ثقافة | الإثنين 07/01/2019
شارك المقال :
نور حطيط.. وحدها القصيدة تُنجبني وأتجنبّها لاظلّ أكتب(*) القطط تخلّت عن اللغة حينَ أبصرت
ربما لم يُنزل سقراط فلسفته من السّماء يومًا إلّا لشعوره الدّائم بالمللِ. وهكذا نحنُ الشّعراء. 
يقول الرّوائي فيكتور هيغو في كتابه الشّهير "البؤساء"، الذّي نُشر العام 1862: "هناك شيء أكثر فظاعة من جحيم المعاناة، وهو جحيم الملل". وكانَ الشّعرُ.

أكتبُ لأني لم أجد دميةً سوى "اللغة". أكتبُ حين أنظرُ الى القطّة العابرة فأسألُ: هل سبقني الزّمن!؟

القطط تخلّت عن اللغة حينَ أبصرت، أدركت، وأتخذت بالحدسِ عالمًا خاصًا بها.
أحضنُ الخيبة وأشعلُ الموقدةِ فتدقُّ القصيدة على بابي بأنْ: أفتح..
هنا عالمي الخاص حين أصل بحدسي الى ملامسة الحقائق. 
هكذا أسلّمُ حواسي للموسيقى، والفلسفة، والطبيعة فيكون الجمال.

أكتب للشّعر ذاته، ولي أيضًا حينَ أعودُ من رحلتي الى الكلّ لأجسدَ الله والجرح بالفنّ. نعم الفنّ هو الكمال.
ولأني المزاجية، الهشّة، أعيدني الى النّقصِ متجاوزةً بلا مبالاة كبيرة قصيدتي لأخلق للقارئ مساحته في الحرّية. 
أحررُ قصائدي منّي، أرميها جانبًا وأنتظرُ. 
الكتابة هي فعل إنتظار الآتي الذّي سأتخلى عنه. 
وهنا رونق الخيانة...

يقول سركون بولص في كتابه "الهاجس الأقوى عن الشعر والحياة": "للقصيدة هدف واحد لا غير: أن تمسّ تلك العاطفة التي عصفت بوجدان شاعر ما، في زمنه المؤقت المحدود، وجدان الآخرين في الحاضر، ولكن في المستقبل اللانهائي". لم أكن أقرأ القصائد حين قررتُ يومها الدّخول إلى عالم الشعر، بل انبهرت بتلك اللعبة الزمنية الجميلة، فكتبت..

ولأنّ خيالي، وخيالكم، وخيالنا حرًا، إتجهتُ الى القصيدة النثرية تاركةً البحور الخليلية لزمنها الغابرِ.
لم أتأثر قطّ بشاعرٍ إنّما أستمتعتُ أكثر بتجربته الإنسانية. قرأتُ عربيًا لمحمود درويش، لابي العلاء المعرّي.. وغيرهما. 
وعالميًا: هوميروس في الالياذة والاوديسة ودانتي في الكوميديا الإلهية ورامبو.. وحديثًا أقرأ للشاعرات: فرجينيا وولف، سيلفيا بلاث، والأميركية آن سكستون.. 
دعونا من الالقابِ، لا أنظرُ الى الشّعراء محمود درويش، إنسي الحاج وغيرهما من منظور التأثير، ولا من منظور التفكير بالتّمرد على سطوتهم. 
لكلٍّ منّا تجربته الخاصّة. الخاصة جدًا. 
أنظرُ إليهم بعين المعرفة، أقصدُ بتحويل قصائدهم وشعورهم، وحزنهم، وفرحهم، وإنسانيتهم إلى معرفة. 
هنا أصنعُ خياليّ الفنّي، الخيال الفلسفي الشّعري. 
يقول أبو قاسم الشّابي في هذا السياق عن الخيال الفنيّ: "هو ذاك الذي تندمج فيه الفلسفة بالشعر، ويزدوج فيه الفكر بالخيال، وتنطبع فيه "النظرة الفنية الذي يُلقيها الانسان على هذا العالم" و"يضرب بجذوره إلى أبعد غور في صميم الشعور"..
وحدها القصيدة تُنجبني، وأتجنبّها.. لأظلّ أكتب وأكتب. 
ويبقى الشّعر محفل قضايانا الصغيرة الخاصة جدًا. 
فبالنسبة إليّ؛ الشعرّ هو ذاك الذي يعرض قضايانا السخيفة ربما..والإنسانية جدًا بأسلوب موسيقيّ كونيّ بارع.

قصائد

لبنان/أيلول المتساقط على الارضِ/شارع النّبيذ (الحمرا) 

"النساء الجميلات بكعوب احذيتهنَّ العالية تمرُّ، والرّجلُ الغريب يشهقُ/
قصيدة اقدامٍ عالية/
يتسلقها/ يتعبّ/ يبتلع الدخان/ يزفره 
فتتلاشى ويغيبُ".

أقفُ على مقربةٍ من مقهى زجاجيّ
يطلُّ على ثلاثين عامًا من وجودنا قبل أن نلتقي الآنَ/
لعلّه طريق تقدّمي الى الامسِ البعيد.

أدخلُ/أجلس ُبقربه/ أسرقُ الكسل منه وأضعه في كتابه على الطاولة/ 
يحاورني عن ماضي جان جينيه"/ فأبتسمُ .
يصبّ النادلُ الويسكي على مهلٍ/ أشربُ وأشربُ حتّى الثّمالةِ/ 
أفكّر/ أنا الخفيفة الهشّة/ أسقطُ على كتفيه كرذاذٍ/ وأستعيد رشديَ من رعشة أرضه العطشى
كُنّا نفترشُ الوحدة على مهلٍ
ننزعُ عنّا ثياب الضّجرِ، 
أرفعُ شعري عن وجهي المليء
بكلّ تعبك
أهمسُ على شفتيك الباردتين:
"هذه الليلة لكَ سأحملها بين ثدييّ
وأعانقك.. إنّ الظّلمة وجهي الآخر الشّرس الذي يلعبُ بكَ، ومعك" 
إنتظر قليلًا
ليطلع الفجر فوق الجبال
وتضيء بأسنانك حلمتي الشّبقة
أصرخُ بشكلٍ لبقٍ: يا طفلي الصّاعد من بين قدميّ،
كم هو لطيفٌ رذاذك!
هات لسانك لأنضج وأصيرك
ونسيرُ على حقولِ أجسادنا
عاشقين مرتبكين
ونجلسُ على أطرافنا
نشهقُ البراكين الطالعة
من أنفاسنا
ثمَّ نركضُ ضاحكين
الى الابدِ
نخرجُ عاريين من غابتِنا
تُعيدنا الولادات الأولى الى صراخاتِ الضّوء عندَ الفجرِ
هذا الصّبحُ طفلٌ

نطفو فوقَ وجهه كسحابتين
ونتشابكُ بأطرافنا الى السّماء
نتلاشى حين تدّقُّ الرّيح أبواب تنفُسّنا
نتنفسُّ الحياة
تختفي
فنختفي

يتساقطُ الشّبق من
أجسادنا
كسيلٍ أبديّ،
تنبتُ البذور
ويكون الرّبّ حين ينطقُ أوّل الفلاحين:
بكَ نحيا

يا للغز! 
في الحبِّ
يسقطُ الحبيبان إلى الأعلى.
المناشف تتدلى مثل العرائش على "البانيو" 
العجوز تجلسُ قربها لا تحتها، تكسر الرتابة والمألوف في تكوين رسمة الفنان 
الصُنبور يدقّ ارضية المغسلة: قطرة قطرة
هُنا مشهدية السقوط في هذه الغرفة الضيقة 
تتركُ الحاضر مهرولة نحو الابد.. 
إنّه الاثرِ
صواعد وهوابط

الكهفُ يبدو اكثر زرقة: بيكاسو يصرخ فيه 
ولا يرى سوى.. ظلال، ظلال
افلاطون يضحك بشدّة

  العطور فوق ال "bidet" 
اعطّرُ الجوّ، المكان ونفسي
اعطرّ كل شيء بشكلٍ هستيري 
ابرر للارضية الشاهدة الان على جنوني:
انا لستُ مجنونة، انا لستُ مجنونة
لا اريد سوى
ان اختفي، ان يأكلني الاثاث 
ان تأكلني الاشياء هنا
كغرونوي
في رواية "العطر"(**)

تدق الباب اختي الصغيرة: ينتهي المشهد.


(*) مساهمة نور حطيط في ملف "الشعراء الجدد... لماذا أتيتم إلى الشعر؟".

(**) رواية لباتريك سوزكيند.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها