آخر تحديث:13:25(بيروت)
الجمعة 04/01/2019
share

"دولينغو".. وحياة اللغات وموتها

شادي لويس | الجمعة 04/01/2019
شارك المقال :
  • 0

"دولينغو".. وحياة اللغات وموتها العامل الرقمي أصبح حاسما في دورة حياة اللغات وحروبها وسياستها
ثمة لغات تستعمر، وبعضها يموت ببطء مع الزمن، ومعظمها يتلاقح مع غيرها حتى تنسى بفعل قوانين الوراثة المراوغة، لكن الكثير منها يُقتل عمداً. الصيف الماضي، عرض المسرح القومي في لندن، واحدة من أشهر الكلاسيكيات التي تناولت موضوع اللغة: مسرحية "ترجمات" للكاتب الإيرلندي الشمالي براين فيرل، والتي تُعد من أشهر أعمال فيرل، في الفترة الأكثر حسماً من فرض السيطرة الإنكليزية على إيرلندا في الثلث الأول من القرن الـ19. يصل الجنود الإنكليز مدججين بالأسلحة وأجهزة المساحة، إلى قرية إيرلندية صغيرة، ويستعينون بأحد سكانها لرسم خرائط دقيقة للمنطقة وللترجمة لهم، بغية التواصل مع السكان المحليين. لا يكتمل الاحتلال المادي، سوى برسم خريطة كصك امتلاك، وتصل عملية الاستيلاء إلى ذروتها حين يعاون المترجم الإيرلندي أسياده الإنكليز في تغيير الأسماء الإيرلندية للبلدات والتضاريس الطبيعية في الخريطة إلى اللغة الإنكليزية. قدمت "ترجمات" مرثية درامية للغة الإيرلندية التي اندثرت لصالح لغة المحتل، وتشريحاً ممسرحاً للاستعمار الثقافي. لكن، ومن فرط المفارقة المُرّة، فإن مسرحية مثل هذه، كتبها مؤلفها، المعروف بـ"تشيخوف إيرلندا" باللغة الإنكليزية، إذ لم يكن أمامه للاعتراض على هيمنة اللغة الإنكليزية وعدوانيتها سوى الإنكليزية نفسها. كان تصفيق الجمهور اللندني الحار في نهاية العرض، اللطمة الأخيرة، والإعلان العملي بأن موت الإيرلندية أصبح شيئاً من الماضي، ولا يحتمل سوى الحنين.

وكان لهذا أن يكون صحيحاً، لولا أن الأمور اتخذت منحىً آخر مفاجئاً، في العالم الرقمي. ففي العام 2013، دعا عدد من أعضاء برلمان إيرلندا الشمالية، تطبيق "دولينغو" الرقمي لتعليم اللغات، لتضمين الإيرلندية في مناهجه. كان التطبيق، الذي بدأ قبل هذا بعامين فقط، في طريقه ليصبح أكثر التطبيقات جماهيرية في فئته، ولاعباً رئيساً في مجال سياسات اللغة من دون قصد من صنّاعه غالباً. استجاب "دولينغو" لالتماسات البرلمانيين الإيرلنديين، وأتاح تعليم "الإيرلندية" عبر منصته بنهاية العام التالي. كان الاحتفاء بتلك الخطوة استثنائياً. فالتطبيق المجاني، والذي لا يتطلب سوى 15 عشرة دقيقة من الممارسة يومياً، اجتذب أكثر من مليونَي متعلم للغة، وحماساً وطنياً لإحياء اللغة المغدورة التي لا تتحدث بها كلغة أمّ سوى 80 ألف نسمة. في العام 2016، استضاف الرئيس الإيرلندي فريق عمل "دولينغو" لتكريمه رسمياً، وفي إيرلندا الشمالية كان التطبيق محور جدل سياسي وأزمة برلمانية ممتدة إلى اليوم، حول المخصصات الحكومية لتدريس اللغة الإيرلندية ووضعها الرسمي.

لكن الإيرلندية ليست استثناء. ففي نيسان/إبريل الماضي، احتفت وسائل الإعلام بوصول عدد المسجلين لتعلم "الويلزية" (نسبةً إلى مقاطعة ويلز الإنكليزية)، عبر التطبيق، إلى مليون شخص، أي ثلث سكان ويلز، ليتجاوز "دولينغو" خطة الحكومة التي أرادت تحقيق هذا العدد من متحدثي اللغة نصف المندثرة بحلول العام 2050.

وبحسب إحصاء أجري في العام 2018، فإن 300 مليون مستخدم للتطبيق، يتعلمون واحدة أو أكثر من لغاته الـ37. وبذلك فإن "دولينغو" الذي يطور مواد مناهجه، متطوعون، ويعتمد على التكرار والتعلم التلقائي عبر نموذج يشبه ألعاب "الفيديو غيم"، يتمتع بالمرتبة الأولى بين تطبيقات اللغات الأخرى من حيث عدد المستخدمين، بل وأصبح وسيلة للتسلية ذات جمهور واسع. فالتطبيق مثلاً يتيح إمكانية تعلم لغتين "وهميتين"، إحداهما "الكلينغون" لغة أحد الأجناس الفضائية في أفلام "حرب النجوم".

ولا يبدو الإقبال على اللغات الوهمية أو الميتة أقل من اللغات الحقيقية أو الحية. فالنموذج التنافسي والتلقائي للتعلم، والذي يتيح التواصل مع متعلمين آخرين والتسابق معهم، وتحصيل النقاط ومراكمة الجوائز، مسلٍّ إلى درجة كبيرة ويمنح شعوراً مبهجاً بالإنجاز، وفوق ذلك له تأثير شبه إدماني.   

ومع ذلك، تظل فاعلية "دولينغو" محمل تساؤل. فبينما يبدو الوسيلة الأكفأ لحض المتعلمين على الممارسة اليومية، مقارنة بالتطبيقات الأخرى والوسائل التقليدية للتعلم، فإن كفاءته في تعليم اللغة نفسها تظل متواضعة. إلا أن التطبيق الذي بدأ تصميمه ليكون أداة لتعليم اللغة الإنكليزية، في أميركا الوسطي، لتحسين قابلية التوظيف للطبقات الفقيرة، يتمتع صنّاعه اليوم بثروة هائلة من البيانات تمكنهم من تطويره وتحسين كفاءته. فالتطبيق راكم، خلال عمره القصير، كمّاً فريداً وغير مسبوق من البيانات الفردية واليومية لمئات الملايين من المستخدمين. ولا يتعلق بنك البيانات الهائل هذا، بتعلم اللغات فحسب، بل بديناميكيته وعلاقته بالتذكر والسن والروتين اليومي، ومصفوفات لا نهائية من تقاطعات الحالة الاجتماعية والوظائف الذهنية والمهارات الإدراكية والسن وغيرها.

إلا أن تلك الثروة المعلوماتية تظل متركزة في الولايات المتحدة. وفيما تظل دعاية الشركة مركزة على "تمكين" غير القادرين والمهمشين، ويحتفي البعض بدورها في إحياء اللغات المغبونة، فإن التطبيق لم ينج من التراتبيات القائمة، بل رسّخها. فغالبية اللغات المتاحة فيه، أوروبية، وتظل اللغة الإنكليزية هي اللغة الوسيطة في معظم الأحيان لتعلّم أي لغة أخرى. علماً أن التطبيق أضاف السواحلية، اللغة الإفريقية الوحيدة فيه، إلى قائمته متأخراً جداً.

ومع أن التطبيق يتيح لغات وهمية للتعلم، فإن اللغة الفارسية ليست متضمّنة في مناهجه، رغم العرائض الإلكترونية الكثيرة، وآلاف التوقيعات التي طالبت بإضافتها. أما العربية، اللغة الرابعة على مستوى العالم، فمنهجها ما زال قيد التطوير، بينما قريبتها العبرية تم إطلاق منهجها بالفعل.

وبالرغم من هذا كله، فإن ما أتاحه "دولينغو" من إمكانية التعلم الفعالة بشكل مُرضٍ، والمجانية بالكامل، تظل ملهمة وقابلة للتعميم. بالطبع، لن تتمكن تطبيقات اللغة وحدها من إحياء لغات ماتت أو وقعت تحت هيمنة غيرها. لكن الواضح أن العامل الرقمي أصبح حاسماً في دورة حياة اللغات وحروبها وسياساتها، وفي تقرير مصير خمسة الآف لغة متوقع اندثارها قبل نهاية القرن الحالي.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شادي لويس

شادي لويس

كاتب وباحث مصري

مقالات أخرى للكاتب