آخر تحديث:13:27(بيروت)
الأربعاء 30/01/2019
share

"كازانتزاكس"في فيلم سماراغديس..الروائي الجريء الذي خشي اللذة

علاء رشيدي | الأربعاء 30/01/2019
شارك المقال :
  • 0

"كازانتزاكس"في فيلم سماراغديس..الروائي الجريء الذي خشي اللذة الروائي الذي كتب "الإغواء الاخير للمسيح"
كان الإرتباط والتمسك بالمسيحية جزءاً من دفاع اليونان عن هويتها الثقافية أمام الغزو التركي، في كريت، وفي هذه الأجواء السياسية ولد الروائي اليوناني نيكوس كازانتزاكس 1883 - 1957، وهذا ما يفسر ارتباطه الفكري بالمسيحية والذي سيلازمه طويلاً في مسيرته.

في بداية الفيلم عن الروائي (إخراج: يانيس سماراغديس) يقود والد كانزانتزاكس ابنه إلى المشانق التي نصبتها القوات التركية للمقاومين اليونان، حيث كانوا يُشنقون ويُعلقون في الساحات أو عند أعلى التلال. يجبر الأب ابنه على النظر إلى الموتى، إلى تمريغ وجهه بأقدام الجثث المعلقة شنقاً، ليشعر بها على جلده، بينما يردد الأب: "هؤلاء لا تنساهم، هذا الشعور لا تنساه، هم ماتوا من أجلنا ومن أجل الحرية"، هذا الأسلوب القاسي المتبع من قبل الأب عمل على تنمية الحس القومي اليوناني في فكر كازانتزاكس.

سؤال الموت
حين رحلت القوات التركية عن كريت، نشاهد الأب يأخذ ابنه مرة أخرى إلى قبر جده. يسكب النبيذ على قبر الجد ويحادثه عبر حفرة، يخبره بأن التحرير قد تحقق وأن القوات التركية رحلت، ويجبر ابنه على السماع وعلى الحديث مع الجد الميت تحت القبر. كان كازنتزاكس في عمر صغير، وبدا أن الأب يحاول جعل ابنه يتعامل باكراً مع فكرة الموت. يقوده أكثر من مرة خلال حياته إلى المقبرة، ويصرخ به ألا يخشى الموت. هكذا تشكل عند كازانتزاكس منذ الطفولة سؤال يتعلق بالموت. قالت له والدته مسيحية الإيمان بأنه ليس هناك من موت: "إنه مجرد طريق عبور إلى حياة ثانية".

العلم والدين
في المدرسة، نجد أيضاً الفتى كازانتزاكس وقد كوّن أسئلته الخاصة. خلال درس العلوم، يتحدث الأستاذ عن دوران الأرض حول الشمس كحقيقة ثابتة، فيسأل الطالب كازانتزاكس أستاذ العلوم عن رأيه في ما يقوله الإنجيل، من حقيقة أن العالم من صنع الله وخلقه. أما في درس الدين، فقد تحدى كازانتزاكس المدرّس، بأن يخفي الله قلماً من الوجود الفيزيائي إن كان قادراً، ما يتسبب في معاقبته. هنا ندرك أن والد كازانتزاكس كان يستعمل العنف لتأديبه. هذه الحكاية التي يرويها سيناريو الفيلم عن طفولة وحياة كازانتزاكس المدرسية، تبين تشكل رغبة البحث عن معنى، عن الحقيقة، هذه الرغبة التي ستطبع كامل حياة كازانتزاكس، وسيرته التي تمثل مسيرة شخصية في بحث مستمر عن المعنى.

الشاعر والكاتب المسرحي أنخيلوس سيكيليانوس (1884 – 1951)، سيكون الصديق الأساس في حياة كازانتزاكس ومرافقه في رحلة البحث عن الحقيقة والمعنى. يشجعه حيناً، وتفترق مشاريعهما أحياناً أخرى، لكن مسيرتهما ستترافق بأسئلة ونشاطات كل منهما.

الرحلات المقدسة
يؤثر سيكيليانوس في شخصية كازانتزاكس. يذهب الصديقان في رحلة ثنائية إلى جبل آتوس، إحدى المناطق المقدسة عند الأرثوذكسية اليونانية، ثم يقرر كازانتزاكس أن يقوم وحده برحلة على خطى المسيح. وحيداً يصل إلى الصحراء ليعيش تجربة تقشف وزهد، متمثلاً تجربة المسيح. هذه الرحلة خصص لها كازانتزاكس أحد كتبه عن أدب الرحلات بعنوان "رحلات إيطاليا، مصر، سيناء، أورشليم وقبرص" (نشر العام 1984). كان كازانتزاكس كثير السفر، وقد حقق بعضاً من الكتب عن البلدان التي زارها، منها كتبه: "اسبانيا" (1963)، "اليابان والصين" (1964)، "إنكلترا" (1965)، وغيرها.



المرأة.. ترعبه ثم تشدّه 
في فيينا، مدينة التحليل النفسي، سيروي لنا الفيلم حكاية معبرة عن علاقة كازنتزاكس بالمرأة. حين يدخل كازانتزاكس صالة سينما، يعجب بامرأة جالسة إلى جانبه في الصالة، ويضرب معها موعداً للقاء في اليوم التالي، لكن طفحاً جلدياً ظهر في وجهه تلك الليلة، فأجّل اللقاء إلى يوم ثان وثالث، بينما ازداد بروز الحبوب الحمراء في جبهته وخدّيه. يضطر كازانتزاكس لزيارة المحلل النفسي.

من الحوار الذي يجري بينه وبين المحلل النفسي، ندرك أن كازانتزاكس تعمق في الديانة البوذية أيضاً، إلى جانب المسيحية. يخبره الطبيب النفسي بأن الطفح الجلدي في وجهه ليس إلا تعبيراً عن خشيته من ممارسة الجنس، إنه شعور عميق بالذنب تجاه اللذة الجسدية، يتجلى حبوباً حمراء تنفر من جسده إلى وجهه، ولن ينجو كازانتزاكس منها إلا بإلغاء لقائه بأنثى السينما وبالرحيل عن فيينا.

في ألمانيا، نتابع تقارب كازانتزاكس من امرأة جديدة، إذ يقابل الروسية إيتكا، التي ستسخر من أنبيائه، أي من فكره المسيحي والصوفي، وتخبره بأن الأنبياء الجدد بالنسبة إليها هم أولئك الذين يقومون بالثورة الشيوعية في روسيا، لينين وستالين. في مشهد معبّر عن العلاقة بين الجدل والجنس، نشاهد كازانتزاكس وإيتكا يتحاوران بحدة، ثم يقبّلان بعضهما البعض في تداخل بين الحوار الفكري والشهوة الجسدية. هذا المشهد يكون أول تقارب جسدي نراه في الفيلم بين كازانتزاكس وامرأة، في إشارة إلى علاقة الإغراء بالحوار.

بتأثير من أحاديث إيتكا، يرحل كازانتزاكس، الباحث عن المعنى، في رحلة طويلة إلى روسيا، للتعمق والتعرف على الفكر الشيوعي. يدور كازانتزاكس في أصقاع الإتحاد السوفياتي الشاسع، ثم يعود إلى ألمانيا، إلى إيتكا، ليخبرها بأن أنبياءها، أنبياء الثورة الروسية تحولوا إلى قادة بيروقراطيين، وأنهم لم يعودوا أولئك المفكرين القادرين على تقديم فكر لشعوبهم. ثم يعود إلى اليونان، ومن بين الأصدقاء المتجمعين حول صديقه الشاعر سيكيليانوس، سيقابل إليني اليونانية المحبة للشعراء والكتّاب وخصوصاً موريس متيرلنك. إليني ستصبح زوجته حتى آخر أيام حياته.


خفايا التأليف
يهتم الفيلم بعدد من روايات كازانتزاكس، فيطلعنا على التفاصيل المتعلقة بتأليفها. منها روايته الأولى التي كتبها وهو في العشرين من عمره "ليلي والثعبان"(1906). يخبرنا كازانتزاكس بصوته في الفيلم كيف شعر برغبة الكتابة عن امرأة، عن وصف ملمسها ورائحتها، فبدأ بالكتابة عن الشخصية الرئيسية في روايته الأولى "ليلي". يقول بأنه استمد بعض أحداث الرواية من تجربة ماضيه، وأنه أضاف تحويرات أيضاً مناسبة للكتابة الروائية، استمر في الكتابة لبضعة أيام حتى أنهى الرواية كاملة.

بمساعدة زوجته إليني سيكتب كازانتزاكس روايته الأشهر "زوربا اليوناني". و"زوربا" شخصية حقيقية، قابله كازانتزاكس في إحدى رحلاته، ليعيش معه فترة من الزمن في منزل خشبي عند شاطئ البحر في اليونان. بينما كان كازانتزاكس في تلك الفترة منشغلاً بالكتابة والتأليف عن بوذا، عن فكرة أن الحياة وَهم يجب الترفع عنها نحو الروحانية، جسّد "زوربا" بالنسبة إليه كل ما يتعلق بالمتع الحسية، بأحاسيس الجسد، وبالإنغماس في زمن الحياة. "زوربا" هو النقيض لحياة الزهد والتصوف والفكر البوذي. يختار الفيلم مقتطفات من الحوارات بين كازانتزاكس وزوربا، يبين موقف كل منهما من معنى الحياة، وكيفية التعامل مع الزمن، المتعة، والحواس، ويؤدي شخصية زوربا في الفيلم الممثل تيودوريس آيتيريديس.

في تلك الفترة تموت الشخصية التي وسمت حياة كازانتزاكس بعنفها وقسوتها، أي والده. حين يعرف كازانتزاكس بالخبر يصيح بأنه "تحرر"، لكن عليه انتظار كتابة روايته "الكابتن ميكاليس"(1953)، ليتحرر حقاً من شخصية والده وحضورها في حياته. حين نتابع تفاصيل كتابة رواية "الكابتن ميكاليس" في الفيلم، نسمع كازانتزاكس يقول عن إنهائها: "أخيراً تحررت من والدي، لقد كتبت عنه هذه الرواية"، في إشارة جديدة إلى العلاقة بين كتابة الرواية وبين السيرة الذاتية لشخصية كازانتزاكس. فالرواية تحرره من ثقل التجربة الحياتية التي عاشها مع والده، وتحرره من حضور والده في داخله حين يكتب عنه رواية.

في الأربعينات، دخل النازيون إلى اليونان لتصبح تحت حكم حزب هتلر. يعيش كازانتزاكس منعزلاً في منزله في جزيرة كريت، يكتب بغزارة مع زوجته التي أصبحت مساعدته في الكتابة على الآلة الكاتبة. كان كازانتزاكس لا يجيد الكتابة إلا بالقلم. يكتب بغزارة في تلك الفترة. لكن الزوجين يعانيان نقصاً حاداً في المال، ويعيشان فترة من الزمن على تبرعات المعارف والجيران. وحين ترحل القوات النازية عن ألمانيا، تتحسن حياة كازانتزاكس، وتنتدبه الدولة اليونانية الجديدة في رحلة رسمية لتفقد القرى والبلدات المتضررة، خلال الحرب العالمية الثانية، والتي تستوجب إعادة تأهيلها.

لكن العلاقة الجيدة بين كازانتزاكس والحكومة اليونانية، تنتهي، حين يعرف أن النظام في اليونان يقف ضد ترشيحه وحصوله على جائزة نوبل للآداب. الأمر الذي يدفعه إلى الهجرة إلى فرنسا، حيث عرض عليه الفرنسيون ترشيحه للجائزة كفرنسي، فيشترط كازانتزاكس أن يرشح معه لجائزة نوبل صديقه الشاعر سيكيليانوس. لكن النظام في اليونان يستمر في الضغط على اللجنة السويدية كي لا تمنح هذين الكاتبين الجائزة الأدبية. فيفارق الشاعر سيكيليانوس الحياة من دون أن يحصل على الجائزة، كما أن كازانتزاكس أيضاً لن يحصل عليها أيضاً.



في بداية الخمسينات، أصدر كازانتزاكس روايتين. الأولى، "المسيح يصلب من جديد"،(1950)، والثانية "الإغواء الأخير للمسيح" (1954). الرواية الثانية، عند نشرها، اعتبرتها السلطات الدينية الأرثوذكسية والكاثوليكية في عداد الكتب التي تزدري الأديان، كما أن سلطات الفاتيكان وضعتها في لائحة الكتب الممنوعة والمحرّمة. كان أثر ذلك قوياً في كازانتزاكس، هو الذي كان يعتقد أنه يرسم المسيح في رواياته بإنسانية، يجسده على طريقته الأدبية كشخصية متكاملة في رواية.

قبل وفاته، جهد كازانتزاكس لإنهاء كتابة "سيرته الذاتية الفكرية"، كما سمّاها، في كتابه "تقرير إلى غريكو". اختار كازانتزاكس أن يروي سيرته الذاتية إلى جدّه الرسام آل غريكو، وهي تعني اليوناني الأول، أو اليوناني الأصيل. كأن كازانتزاكس يريد من سيرة حياته أن تكون رسالة مقارنة أو جردة حساب مع التاريخ الثقافي الأصيل لليونان.

فارق كازنتزاكس الحياة قبل إنهاء "تقرير إلى غريكو"، لكنه كان قد أنهى جزءاً كبيراً منه سينشر في العام 1964، مرفقاً بمقدمة كتبتها زوجته عن كازانتزاكس الشخص وعن كازانتزاكس الأديب. ترجم الشاعر ممدوح عدوان هذا الكتاب إلى العربية في ما يقارب 600 صفحة، صدرت في طبعات عديدة آخرها العام 2007، عن دار ممدوح عدوان. و"تقرير إلى غريكو" هو الكتاب الأساس الذي يعتمد عليه الفيلم في رواية حياة نيكوس كازانتزاكس.

يعتمد الفيلم على الكاميرا الواقعية، وبُنية كلاسيكية في سرد السير الذاتية، ويعتمد الحوارات الطويلة بين الشخصيات، مدخلاً مقاطع مقروءة، من أدب كازانتزاكس ومن أفكاره. الفيلم من إخراج اليوناني يانيس سماراغديس الذي حقق سابقاً أفلاماً مثل "آل غريكو" (2007)، وآخر عن الشاعر كافافي (1996).

تكتب إليني عن شخصية زوجها كازانتزاكس: "في السنوات الثلاثة والثلاثين التي قضيتها إلى جانبه، لا أذكر اني خجلت من تصرف واحد قام به، كان نقياً من دون مكر، وبريئاً عذباً، بلا حدود، مع الآخرين، وقاسياً مع نفسه فقط. وحين ينسحب إلى عزلته، فإنه كان يفعل ذلك لإحساسه بأن الأعمال المطلوبة منه قاسية وأن ساعاته محدودة". أما عن كازانتزاكس الكاتب، فتكتب إليني: "يجب أن نحكم على كازانتزاكس ليس بما فعله، وبما إذا كان ما فعله ذا قيمة سامية أم لا. بل علينا أن نحكم عليه بما أراد أن يقوم به، وبما إذا كان لما أراد أن يقوم به قيمة سامية له ولنا أيضاً".

(*) يعرض الفيلم حالياً ضمن أفلام مهرجان السينما الأوربية في بيروت 2019، سينما ميتروبوليس – صوفيل.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها