آخر تحديث:11:08(بيروت)
الأحد 27/01/2019
share

"ليل" علي شحرور... هناك قوم إذا أحبّوا ماتوا

منى مرعي | الأحد 27/01/2019
شارك المقال :
"ليل" علي شحرور... هناك قوم إذا أحبّوا ماتوا المسرحية مستوحاة من كتاب "مصارع العشاق" لجعفر لسراج القارئ
مرةً أخرى، يسطّر علي شحرور عبر عرضه "ليل" حضوراً مسرحياً  يستحق احتفاءً على صعيدٍ عالمي. بخطىً ثابتة، مدروسة ومتأنية يتنقل الكوريغراف والمخرج اللبناني في مشروعه البحثي من تيمة الى أخرى، حيث يبني على ما سبق، ليصقل ملكات عرضه الجديد الذي أراده خطاباً مغايراً عن الحب. ولكن هذه المرّة يلجأ شحرور الى النص المكتوب رديفاً من الروادف الأساسية لعرضه بالإضافة الى الموروثات الموسيقية والحركية والدينية في بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين. 

اتخذّ شحرور من مخطوطة "مصارع العشاق" لجعفر السراج القارئ (1028-1106)، الكاتب والشاعر البغدادي الذي نقل حالات العشق والحب من الحقبة الجاهلية وصولاً الى الحقبة العباسية، مرجعاً أساسياً لاشتغاله الحركي. هذه المخطوطة، التي أتت مقدمات أجزائها على أشكال أبيات شعرية بحيث الفهرس ذاته قصيدة، تبدأ بـ"هذا كتاب...”، وشكلت مادةً، تمهّد  للمشهدية الحركية لـ"ليل" ولفريق العمل ويستهلّ العرض فهرسه: ”هو عرض عن مصارع العشاق، يرقصه ويؤديه عشاقٌ أبت أن تجف لهم بعد الفراق مآقي.. عرض تحكي مشاهده مصارع قتلى من العاشقين... هو عرض عن قومٍ اذا يوماً أحبوا ماتوا...”.


في عرض "ليل"، الموت ركنٌ أساسي من أركان الحب. يذكر الدراماتورج جنيد سري الدين أن قصص العشق، لا تنتج الا بعد وفاة العاشقين. في هذا السياق يركز شحرور في مراجعه على حكايا عُشاق قُتلوا أو هُدِر دمهم أو تفرقوا بسبب شغفهم. في الموت أيضاً بدايةٌ ونهايةٌ ثم انبعاث. اللوحة الأولى لـ"ليل" التي بدأت بضوءٍ ينتشر رويداً رويداً كأنه فعل تكوين لا يتمّ الا بسبع مراحل، تتشكل على نحو هرمي يعلوه جسد علي شحرور الممدّد على قاعدة لحفظ أدوات الاضاءة أو تقنيات الصوت.. يده تتدلى ممسكة باقةً من الورد.. هو جسدٌ ممدّد يحيل الى حالةٍ من المنازعة تنتهي بموت اذ تقع تلك الباقة على الأرض. هنا ينتقل العرض من مقام السرد الى مقام الحركة. على ايقاع الطبلة يتنقل المؤدون ليحتلوا مواقع متعدّدة من فضاء الخشبة. بمَعية أداء حلا عمران والطرح الدراماتورجوي لجنيد سري الدين، رفيقان دائمان لعمل شحرور في الآونة الأخيرة، وبالتعاون مع المغنية المصرية آية متولي ومع الموسيقي شريف صحناوي ومع الفنانة الفلسطينية سيمونا عبدالله على الطبلة والإيقاع، تتخذ تيمة الحب موقعاً ينبثق من علاقة عناصر الفرقة ببعضهم بعضاًـ بعيداً عن طرح الحب من منحى ثنائي، بل هو حالة تتجول بين المؤدين الذي تواجدوا على الخشبة لساعةٍ وبضع دقائق وهي حالةٌ تبتعد كل البعد عن الثبات.


 الحب هو فعل  تنقّل اذ لا يحصر بصورة محبوبٍ أو معشوقٍ واحد، هي حالة تتنقل في أثير  الخشبة  تؤدي الى تلاشي أو سقوط كل من يحيطها حتى تأتي لحظة إنبعاث أخرى. "الكارثة هي أزمة عنيفة تشعر خلالها الذات بالموقف الدرامي كورطة نهائية ومأزق لا مخرج منه، ترى نفسها مرصودة حتماً للإنهيار التام". هذه الجملة للناقد الفرنسي رولان بارت والتي استُهلِّت بها مطوية العرض، تؤذن بمشهدية طرزّها شحرور على فعلي التلاشي والسقوط. المشاهد الخمسة التي تتوالى تصل الى ذروتها الحركية قبل أن تبتلي بتلاشي الجسد منهكاً وسقوطه صريع الحب. والمصرع هذا ليس سببه حالة الحب مع الحبيب فقط، بل قد تكون له سياقات اجتماعية أو دينية...”ليل" هو تناقل مبني على حالات الفراق بين المحبّ والمحبوب. هو أيضاً تناقلٌ جندري بحيث كل راقص يصبح في لحظة معينة-ولو كان حضورها طفيفاً وبالكاد يُلحَظ- نقيض هويته الجنسية: الذكر يصير أنثى والأنثى تصبح ذكراً. 
هكذا تتوالى خمسة مشاهد من الأداء الحركي تبدأ بفعل مينيمالي سرعان ما يتكثف لتتكون في لحظةٍ ما لوحة تتشكل بسلاسة كأنها وقفة للتأمل: لوحة المرأة المصلوبة، رمح كيوبيد الذي يُشك على كتف آية متولي، الفراق ولوحاته المتعددة حيث ينشطر الجسد ويتنقل من يد عاشق الى يد عاشق آخر، اللوحة التي يتحول فيها المسرح الى ساحة معركة بعد الفراق، لوحات التلاشي المتكرّر التي تحيل الى الموت كفعل مجاز، الإنبعاث بعد الموت أو التلاشي، اللوحة الأخيرة للجسد الذي يزهر أو يكفّن بالزهور التي تنبت من ثنايا الوجه...

نسج علي شحرور اللغة الحركية معتمداً على موروث المنطقة في الرقص الشعبي، فكانت حركات الحوض، وحركات الرقص الخليجي وموروث اللطميات الحسينية وغيرها. كوّن الكوريغراف من تلك الأخيرة تشكيلات حركية تنطلق من منبع الحركة كموروث اجتماعي خالقاً تنويعات متعددة منها على الرغم من مينماليتها في الأصل. يجيد جسد هذا الراقص ابراز جماليات وطراوة الجسد وهشاشته وعنفه في آن جاعلاً مبتدأ فعله المسرحي على الخشبة جستوس بسيطٌ جداً. حين يرقص علي وحلا عمران وآية متولي، هم لا يرقصون فحسب: هم يفنّدون الموروث الحركي، يميطون اللثام عنه دون اضافة فذلكات خارجة عن متنه، فتنكشف جمالياته عبر اللعب على البطيء أولاً ثم التكرار بصفته فعل ارتقاءٍ يؤدي الى الوجد الصوفي.  
بموازة العمل على التشكيل الحركي، انكب جنيد سري الدين وحلا عمران على اعداد نص، استناداً الى مراجع عديدة واستلهما من جمال اللغة العربية وكثافة معجمها... مثال بسيط على ذلك هو ترداد مرادفات الحب وحالاته علي تنوعها التي تتكثف حتى تصل الى حالة المرض والعيَّا والجنون: "الهوى، الصبو، الشغف، الوجد، فالكنف، فالعشق، فالنجوى، فالشوق، فالوصب، فإستكانة، فالود، فالخل، فالغرام، فالهدى، العلق، المحبة، الصبابة...، التتيم، الدنف، الشجو... الأرق.. الغرق، اللهف، الحنين..اللوع الهدوء، الجنون، اللمى، الرسيس، الداء...".

جعل علي مع معدَّي النص الجنون في قمة حالات الحب ومعيوش القلب رابطين بين التناص اللفظي، اذا ما صح التعبير واللغوي أحياناً للجنون والجنين والجِّن والجنَنَ والجنة التي تزهر والجنان أي القلب ثم الموت كما لو أن بهذا الإستخدام ينطوي العاشقون بشغفهم داخل دائرة الحياة ثم الموت ثم إعادة الإحياء. في هذا الإستخدام أيضاً ارتقاء، في المفهوم الإجتماعي الشعبي، لبلوغ الجنة والتي تتمثل احدى تجلياتها في الأرض عندما تزهر: "والجنون إحدى حالات السكن... ومنه الجنين لإستداره في البطن والجن.. وجن عليه الليل سكنه... ومنه الجنن، القبر والستر والكفن... وكل ما سُتِر عنه، جُن عنه وجن الليل وجنونه، ظلمته وانتهاؤه.. والأرض اذا جنت جنونآً أزهرت فمنها الجنة، والجنان المستترُ في السطر هو القلب.. أما القلب!”. يتنقل النص كما في التشكيل الحركي بين مفردةٍ وأخرى ليترجم هذا التكثيف والتصاعد في حالة الوله والعشق وصولاً الى التلاشي والسقوط وايحاءٌ بالموت ثم اعادة إحياء وارتقاء.

صوت حلا المؤدية والمنشدة وراوية الحب بربري وحنون في الوقت نفسه. كأنها حين تلفظ كلمة الحب لأكثر من مرة في المشهد التمهيدي، تُفتّح في قلوب سامعيها مسامَ الوله والإفتتان. على نقيض صوت حلا الجارح والشُجو والشجي، ينبري صوت آية متولي البالغ في رقته والذي ظهرت معالمه وهي تغني "رِِدِت بس شوفتك ما رِدِت كل شي، يا من شوفتك تحلى على رمشَي.. يا أول حياة وفتشة (فتحة) العين، أنتظرك حبيبي صرلي سنين... حفر خدي الدموع".

بينما ساهم عمل كل من سيمونا عبدالله وشريف صحناوي في الموسيقى بإضفاء روحية معاصرة، تزيد من وطأة فعل السقوط والتلاشي. والإضاءة التي صمّمها بعناية غيوم تيسون ليست تفصيلاً في أي عرضٍ من عروض علي شحرور وفي "ليل" تحديداً، برزت مكامنه أكثر فأكثر. الخشبة مع تيسون تنقلب الى مختبر نيغاتيف لتظهير الصور، يتحوّل فيه موقع الرؤيا الى لوحة فنية تُرسم بتأنٍ بواسطة الضوء... ليظهر الحب، كما ذُكِر في نص العرض،  كسلسلة قلوبٍ ضوئية تتماثل "كالطير أو كالملح في الماء ينماث"!!


*تقدم مسرحية "ليل" في مسرح المدينة بيروت - الحمرا.
  

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها