آخر تحديث:10:59(بيروت)
الأحد 27/01/2019
share

"تنمية".. معرض كتاب صغير في وسط البلد

هشام أصلان | الأحد 27/01/2019
شارك المقال :
"تنمية".. معرض كتاب صغير في وسط البلد "الأصدقاء بنقابلهم في وسط البلد، والكتب المهمة متوفرة في تنمية".
متغيرات بأشكال كثيرة، طرأت على سوق الكتاب في مصر خلال السنوات العشر الأخيرة. عناصر متنوعة صنعت هذا التغيير. موجات "البست سيلر" ما عاد ممكناً وصفها بالظاهرة. باتت الكتابة الرائجة جماهيريًا أمرًا واقعًا، وأصبح الضمير الثقافي مُتفهمًا لوجودها بوصفها مسارًا موجودًا في العالم كله، وأن في جانب منها فائدة جذب البعض كعتبة لدخول عالم القراءة في مجتمعات لا تقرأ، مع استيعاب فكرة حق الجميع في قول ما يريده كتابة بينما على المتضرر اللجوء للمتلقي. 

من عناصر تغير السوق، أيضًا، استمرار وتعدد الجوائز الأدبية التي تقدم للفائزين أرقامًا مالية، ما كان للأدباء أن يحظوا بها من قبل، ما ساعد القائمون عليها في تغيير خريطة الأدب العربي، وهي مسألة يطول الكلام في سلبياتها وإيجابياتها. غير أن ركض الإعلام ونشطاء هذه المنطقة في مواقع التواصل الاجتماعي، يعطي فرصة الانتشار للأعمال التي تُلمّعها هذه الجوائز، ولا أرى في الأمر خطرًا كبيرًا، حيث لا يعيش مما تُصدّره ميديا الجوائز غير العمل الجيد.

من هنا، كان مفهومًا أن نرى توسعًا استثماريًا في إنشاء مكتبات، صار بعضها مشهورًا وممتد الفروع في العاصمة والمحافظات. وبنى بعض هذه المكتبات، علاقة مع قارئ من خارج دوائر المثقفين، خصوصًا تلك المكتبات التي وفّرت ركنًا لاحتساء مشروب أو لقاء سريع أو اختلاء بشاشة الهاتف أو اللاب توب. ورغم إشاراته الجيدة، إذ لطالما أملنا جميعنا في خروج الاهتمام بالكتاب من مثلث وسط البلد، فإن هذا الشكل للعلاقة مع المكتبة لم يُغنِ المثقف أو القارئ المتخصص عن علاقة خاصة مع مكتبة نوعية، حيث يعرف "بائعو الكتب" زبائنهم وأصحاب الكتب التي يبيعونها، ولا يضطر واحدهم إلى البحث عن العنوان في الكومبيوتر. مكتبة يمرّ عليها الواحد مصادفة، فيدخل للتجول والدردشة مع البائع حول الجديد، وأحوال البيع والشراء ومشاكل الناشرين وخلافه. تترك شيئًا لصديق، مجلة أو كتاب، أو تجد شيئًا مشابهًا ينتظر مرورك لتأخذه. ربما رأت الأجيال السابقة حالة مشابهة مع مكتبة "مدبولي"، غير أن الأحوال تغيرت بتبدل هذه الأجيال، ورحيل مؤسسها "الحاج مدبولي".


في منتصف العام 2011 تقريبًا، لم يأت في ذهن المارة في شارع هدى شعراوي، قلب القاهرة وبؤرة تجمع المثقفين، حيث "زهرة البستان يسارًا" وبار "ستيلا" يمينًا، بينما "الجريون" و"ستوريل" على بعد خطوات، لم يأت في أذهانهم أن علاقة وطيدة تنتظرهم مع مستقبل هذا المحل متوسط المساحة الذي يتم تجهيزه وقد احتلت واجهته لافتة كتب فيها "تنمية". يقولون إنها مكتبة جديدة. مؤسسها الشاب الثلاثيني خالد لطفي، عمل فترة في شركة تبيع الكتب، قبل أن يبدأ مشروعًا صغيرًا باستيراد الكتب العربية وعرضها على طاولة في أماكن يتجمع فيها المهتمون، مثل "ساقية الصاوي"، ثم كبّر مشروعه وأنشأ المكتبة التي لن يقف نجاحها عند أخذ مكان متميز بين المكتبات المعروفة، لكنه سيتجاوز هذا إلى أن اسم "تنمية" سيصير إجابة مناسبة على أي سؤال يخص البحث عن كتاب ولو لم يكن متوافرًا، فضلًا عن أن استيراد الكتب من دور النشر العربية عمومًا، ومن بيروت خصوصًا، سيوفّر على المهتمين اضطرار أن ينتظروا الموعد السنوي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب حيث تأتي دور النشر للمشاركة بإصداراتها.

تميُز المكتبة بتوفير الإصدارات غير المصرية، قابلته مشكلة كبيرة منذ قرار تعويم سعر الجنيه المصري وانهياره أمام الدولار. حكى لي خالد مرة: "عندما فتحنا في 2011، كان الدولار يساوي ستة جنيهات، ظل يرتفع تدريجيًا، ثم قفز إلى حدود الـ18 جنيهًا! معنى ذلك أن الكتاب الذي سعره 10 دولارات، كان منذ فترة في المتناول، لأنه كان يساوي بالمصري 70 جنيهًا. الآن يقترب سعر الكتاب نفسه من المئتي جنيه، رغم أن سعره العالمي أو العربي لم يرتفع". تعرضت "تنمية" لخسائر، ذلك أنهم يتعاملون مع الناشرين العرب بالدولار، الذي صار مرتفعًا للغاية بالحسابات المصرية، قبل أن يحاول القائمون عليها السيطرة على المسألة بطريقة انتهجتها بعض دور النشر المصرية بالتعاون مع نظيراتها في بيروت، فباتوا يتفقون على إصدار "طبعة قاهرية" من بعض العناوين الصادرة عن دور نشر لبنانية. حل معقول، لكنه طبعًا ليس جذريًا، ذلك أن هذه الاتفاقات محدودة جدًا من حيث الكم.

العلاقة بين "تنمية" والمجتمع الثقافي، امتدت عبر طبقات هذا المجتمع بشكل انسيابي، وأنت بينما تجلس في أحد أماكنك المعتادة، يمكنك أن تطلب ممن يأتيك بعلبة سجائر من خارج المكان، أن يمر على "تنمية" ليسألهم عن كتاب تريده.

ومع افتتاح معرض القاهرة الدولي للكتاب، وانتقاله إلى حي التجمع الخامس الواقع في ضاحية بعيدة على الكثير من المهتمين، يتكرر حديث نسمعه منذ سنوات، حول عدم ضرورة الذهاب إلى المعرض إلا للمشاركة في فاعلية: "الأصدقاء بنقابلهم في وسط البلد، والكتب المهمة متوفرة في تنمية".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها