آخر تحديث:12:11(بيروت)
الخميس 24/01/2019
share

"وصايا" عادل عصمت.. هكذا تستمر القبيلة

أحمد شوقي علي | الخميس 24/01/2019
شارك المقال :
  • 0

"وصايا" عادل عصمت.. هكذا تستمر القبيلة وصف عصمت الرواية، بأنها "نَصّ عمره"
ما المدهش في الحكاية، أي حكاية؟ طرائق السرد أم فرادة أبطالها؟
إن إجابة سهلة، حالمة، تفترض الحياد، وتجد تأويلا للأشياء كلها، ولا تتخيل أن ثمة حكاية غير مدهشة، ستمنح الاثنين الأفضلية وتجمع بينهما كضرورة. وأخرى (سهلة أيضًا) مادية، نافدة الصبر، ضجرت من عنعنات حديثي "التجريب/اللعب (اللعب تحديدًا)" و"سبر أغوار النفس البشرية"، ستمنح الاثنين الأفضلية وتجمع بينهما كضرورة. غير أنه لم يعد في الحكايات ما يدهش، ليس لأنها تعامل باستخفاف، لكن لأن العديد منها بات ينتج، فقط، عبر الشعارات؛ شعارات التجديد والنفاذ إلى جوهر الإنسانية.

الشعارات مغوية، كعبارات مختصرة يتيَسَّر تذكُّرها وترديدها؛ ترديدها حد التوهم –أحيانا- بصدق ممارسة أحكامها، وينتج الأدب عبر النوايا، وليس الظن أو التوهم.

النوايا في الأدب، بحسب تعبير الناقد التونسي عبد الدائم السلامي:" تحريرٌ يُنجِزُه الأنا ممتلئًا بصراعٍ مُتجدِّدٍ، قُطْباه مطلَبُ البهجة ومطلَبُ التَّحْزينِ، أي ما يَبْني المعنى الناعمَ في الدنيا وما يهدمُه. النوايا وَلُودٌ، ولن يفنى نَسْلُها. ومتى عجزت نيّةٌ منها عن التحقّق في الواقع سكنت الذاكرةَ وسُمِّيتْ حَسْرةً، وتظلّ -كالحُبِّ الحِجازيِّ- حيَّةً تجرح بأظْفارها وعيَ الذين (إذا أحبّوا ماتوا)". هذا المعنى الأخير، تحديدًا، يلمسه الروائي المصري عادل عصمت من وجوه عديدة، في روايته الأحدث "الوصايا"(*).

في تصريحات صحفية، وصف عصمت الرواية،  بأنها "نَصّ عمره"، وزاد، أن كل أعماله السابقة عليها كانت تمرين لكتابتها. وبعيدًا من الانشغال بتفنيد تلك العبارة، التي تخص صاحبها وحده، يمكن وصف "الوصايا" بأنها نص يقابله المتلقي بعمره، أو يقابل فيه عمره، يأوّله، وتتحدد منابع دهشته وانفعاله به ضمن أطر معارفه وخبراته الشخصية، ذلك أنه يواجه من خلاله إخفاقه الأزلي في البحث عن تفرده وانعتاقه من "القبيلة"، بحسب تجلياتها المختلفة.

تدور أحداث الرواية في بيئة مصرية ريفية وترصد أوضاعها وصلاتها. غير أن ما تطرحه، قد يقرأ وفق رؤية مديني مهجن، كإبن لجيل ثانٍ من النازحين، لا ينفك يرتبط وجوده بالتقاليد الريفية ذات السلطة القبلية، ويعاني من وطأتها، التي لا تزال تحكم حيزه المكاني والنفسي المغاير، وتشده بصلات واهية إلى عُصبة، ربما لم يعد هناك ما يربطه بها. وهي رؤية تعززها النبرة المحايدة للراوي العليم، وما يسرده من قصص لا يتدخل بالتعليق عليها أو الانغماس فيها كمشارك، وإنما ينشغل في كشف مكنون الشخصيات وإبراز دوافعها ورسم عالمها كما هو موجود بالفعل. وذلك عبر تتبعه لقصة الشيخ عبد الرحمن، عائل أسرة سليم، من خلال الوصايا الأخيرة التي يلقيها، بينما ينازع الموت، على مسامع حفيده، منذ أن اضطر لقطع تعليمه الأزهري والعودة إلى قريته في ريف محافظة الغربية، القريبة من طنطا (المدينة الأثيرة لعصمت ومسرح أحداث روايته كلها)، لإنقاذها بعدما ضاعت ثروتها. وتعزز تلك الرؤية، من ناحية أخرى، الفجوة الزمنية التي تعمّدها الروائي ما بين تلقي ذلك الحفيد (النازح للمدينة) للوصايا، وما بين ظهوره في نهاية الرواية كسارد أساس وهو على أعتاب الخمسين من عمره.

يؤسس عادل عصمت لشخصيته الرئيسة، ببراعة. يحوله، عبر أزمة ضياع ثروة عائلته وضياع مستقبله الذي أراده لنفسه كعالِم أزهري في إثرها، إلى أسير لرغبة حيازة كل شيء؛ الماضي في محاولته استعادة أرض أجداده، والحاضر عبر مراكمة ثروته، والمستقبل من خلال الوصايا التي يلقنها لحفيده. لكنه يفشل في ذلك كله، في تجلٍّ يسخر من أغراض ومساعي "القبيلة" وأحكامها، التي تقودها إلى التشرذم، بعد أن يوزع عليه ميراثه على حياة عينه.

ثمة تقليد تحتكم إليه الإعاشة في الأسر الريفية، وهو أقرب إلى ما يمكن اعتباره اقتصادًا تكافليًا. فالأب لا ينجب الأيدي العاملة التي تعينه على المعيشة فور استطاعتها العمل، وإنما ليتكافلوا جميعًا من أجل تكوين رأس مال البيت الذي يعيشون تحت سقفه. فكل ابن يخرج إلى سوق العمل، عليه أن يقتطع الحصة الأكبر من راتبه لصالح الأب الذي يتحكم في مصروف إعاشة تلك الأسرة ويدخر لمستقبلها (في الرواية لا يملك أفراد الأسرة أي رواتب حتى أن رجالها يصطفون أمام عائلهم بعد نهار كل يوم عمل ليمنحهم في تأفف ثمن شراء السجائر). وذلك في مقابل أن يوفر له الأخير الغذاء والزواج وفرص النماء الناتجة عن الادخار طويل المدى. وهو الأمر الذي لا تبدو معه فكرة الزواج وإعالة أسرة جديدة مؤرقة بالنسبة لفرد يستطيع الزواج بغض النظر عن إمكاناته المادية الفردية، وهو ما يدفعه ليكون أكثر اتصالاً بعصبته وأكثر ولاءً لها. وهنا تبرز مفردة "العزل" كأحد المكونات الثقافية لتلك الأسر، حيث تستخدمه لمعاقبة أفرادها الخارقين لمواثيقها. ومن ناحية أخرى قد يستخدمه ذلك الفرد كوسيلة للاعتراض على أحكامها، وهو في الحالتين فعل يستجلب الخراب على القائم به.

ويدور عالم الوصايا كله حول مفردة العزل تلك في تجلياتها المختلفة، وليس فقط الانفصال عن الأسرة. فالشيخ عبد الرحمن، مؤسس الرعيل الثاني من بيت سليم، تسوَدُّ حياته عندما ينعزل عن ميراث عائلته ويقرر هدم بيته القديم، حتى وإن كان ذلك بدافع التوسع بعد ازدياد حجم الأسرة، ويُسوِّد حياة الآخرين ويدفعهم للانهيار، حين ينزع عنهم مصائرهم، التي -ويا للغرابة- ارتضوها لأنفسهم وفق النظام الطبقي لقبيلته. فيعزل خديجة من البيت ويرسلها لإعالة أحفادها في طنطا، ما يدفعها للجنون في أواخر أيامها، وتصيب الحسرة قلب نبية بعد أن يعزلها عن وظيفتها كأمين لخزانة البيت، ويموت علي سليم كمدًا عندما يكتشف أنه لم يكن في أي من الأيام مستقلًا، وهي النهاية الأكثر بعثًا على الحزن من نهايات الشخصيات كلها التي انسحقت أمام سلطة عبد الرحمن، وكان حضوره في الرواية فريدًا مثل موته.

ولا ينجو من ذلك العزل، إلا فاطمة وصالح، ابنا الشيخ، ليس لأنهما تمردا، لكن لأنه منح الأولى مكانة في نفسه تسمح لها بالاستقلالية، وساعد الثاني حظه في أن يستقل بمصيره جزئيًا عن أبيه وعن عائلته كلها (ذلك أن الشيخ فرض عليه الزواج من العائلة ورفض زواجه من خارجها)، وربما تم ذلك برضا الشيخ، والقبيلة التي تسعى لدى بسط نفوذها أن يكون لديها سفراء خارجها. لكن حتى هذا الأخير لا يستطيع أن ينسلخ عن القبيلة كليًا. فثمة إشارة رمزية شديدة الدلالة، في محاولة أخته فاطمة دفنه بعد موته إلى جوار والده، واستعاضتها عن جسده بجلبابه بعد فشل مسعاها في استعادته من المدينة التي أوصى بأن يُدفن فيها.

ربما كان مصير الشيخ بيتغير منذ بداية الرواية، وكان ليحقق حلمه كعالم أزهري ويحوز حبه الحقيقي الوحيد، لو أنه انسلخ عن "قبيلته"، وسعى في مسار تحقيق فرديته. ولربما تغيرت مصائر أبطالها لو أنهم سمح لهم بهذا. لكنه، عوضًا عن ذلك، يلبي نداء سلطة القبيلة الذي توطن في نفسه مثل حبه للعلم وحبه للست "كوثر"، ويؤسس لنفسه سلطة جديدة تخصه، تتلبس انكساراته وخيباته وتفرضها على سواه، وهو لا يدري أنه لا يؤسس في ذلك كله سوى لسديم، سيبدو كثيفًا متشابكًا، لكنه هش، سرعان ما يتبدد.

(*) صدرت الرواية في القاهرة، عن دار الكتب خان، ووصلت مؤخرًا للائحة الطويلة لجائزة البوكر العربية. وعادل عصمت، روائي مصري من مواليد 1959، صدرت له تسعة كتب غير "الوصايا"، هي: هاجس موت (رواية) – شرقيات 1995، الرجل العاري (رواية) – الهيئة العامة للكتاب 1998، حياة مستقرة (رواية) – شرقيات 2004، أيام النوافذ الزرقاء (رواية) (حازت جائزة الدولة التشجيعية) – شرقيات 2009، ناس وأماكن (مقالات) – الهيئة العامة لقصور الثقافة 2010، قصاصات (قصص) – الهيئة العامة للكتاب 2015، حكايات يوسف تادرس (رواية) (حازت جائزة نجيب محفوظ) – الكتب خان 2015، صوت الغراب (رواية) – الكتب خان 2017، حالات ريم (نوفيلا) – الكتب خان 2017.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها