آخر تحديث:13:11(بيروت)
الأربعاء 02/01/2019
share

برنس وناعوت وزيدان والشلّة.. فرقعات مصر 2018

شريف الشافعي | الأربعاء 02/01/2019
شارك المقال :
  • 0

  • برنس وناعوت وزيدان والشلّة.. فرقعات مصر 2018
    ياسمين الخطيب
  • سيد القمني
    سيد القمني
  • دينا أنور
    دينا أنور
  • نبيه الوحش
    نبيه الوحش
هناك من القضايا المعلقة والظواهر الشائكة والأمور المصنفة بأنها خلافية أو اختلافية والآراء النافرة والتصريحات والسلوكيات الشاذة والمبادرات والاجتهادات الفردية وغيرها من مرامي الفكر والقول والكتابة والفعل، ما يتعدى أسلوب طرحه اشتباكاك الجدل المنطقي والأخذ العقلاني والرد، ليندرج بمحض إرادته واختياره الحر تحت إطار الإثارة والزعيق.


هذه الرصاصة المدوية التي تشق السكون والفراغ عادة بغير هدف محدد تصيبه، تعني ببساطة للحواس الطبيعية المتوازنة ضرورة تأجيل المعاني المقترنة بالصوت العالي المتصاعد، فليست المعاني هي بطلة المشهد في الحقيقة، إذ يكاد يتلخص "الموضوع" برمته في الانفجار بحد ذاته، وليس في ما ينجم عنه من معطيات ورؤى، وإن اتخذ هذه المعطيات عنوانًا للإيهام بفتح نوافذ لنقاش أو خلق مقدمات لمبحث.

في المشهد العام المصري، خصوصًا وجوهه الثقافية والفنية والميديوية، وأيضًا السياسية والدينية، هناك خلال السنوات القليلة الماضية الكثير من هذه الحالات المتناثرة هنا وهناك، التي قد يجوز وصفها بالفرقعات، على اعتبار أن المدى الأبعد الذي تبلغه لا يتجاوز السمع، تلك الحاسة التي من سوء حظها عدم وجود جفن للأذن، يحميها إذا لزم الأمر.

من دواعي الإنصاف، التأكيد على أن المقصود هنا ممارسات بعينها منسوبة إلى أشخاص في توقيتات وظروف محددة، وليس المراد الأشخاص أنفسهم بطبيعة الحال، هكذا في المطلق، ولا مجمل أنشطتهم وإفرازاتهم العلمية والمعرفية والفكرية والإبداعية، فمنهم من له إنجاز ووزن في هذا المجال أو ذاك، ومنهم من يبذل جهودًا جادة في بعض أشغاله واهتماماته.

الحديث هنا يقتصر على "الهوس"، أو عن تلك الظاهرة الجنونية التي يجري الاعتماد عليها من أجل لفت الانتباه كغاية، ربما في وقت تنحسر فيه الأضواء عن البعض، وربما لكسب المزيد من الشهرة وجذب متابعين جدد عبر السوشيال ميديا، وربما لأسباب تتعلق بتركيبة الشخصية ذاتها وسماتها النفسية، هذه كلها احتمالات واردة، بالإضافة إلى تفسيرات أخرى يصعب تعميمها.

ليس المراد كذلك في هذا المقام الولوج إلى أحكام تقييمية حول مضمون هذه الرسائل، بمعنى تقييم صحة أو خطأ المادة المطروحة في صورة قنبلة موقوتة، فالظاهرة المأخوذة في الاعتبار بشكل أساسي هي آلية الطرح بحد ذاتها، أي كيف يعبر هؤلاء عن ذواتهم في لحظات معينة بطريقة ترويجية دعائية تغلّب الشكل على المحتوى، وتصل أحيانًا إلى استفزاز المجتمع واستعدائه بقصدية واضحة، إذا سلمنا بأن هناك أرضية مشتركة لا يزال يقف عليها أغلبية البشر، بمن فيهم الصفوة والنخبة.

ما يثير الشكوك حول سوء النوايا، في بعض الحالات، أن الطرح المثير الزاعق، المخالف للمألوف، الذي يراد بها تحريك حالة الكساد حول الشخصية، قد يتأتى بإلقاء أحجار ملوثة ومبتذلة في الماء الآسن، فهنا تقترن الفرقعة الإعلامية المرجوة بالرائحة الكريهة المشبوهة، ويتم تجييش صفحات التواصل الاجتماعي على نحو ممنهج لتسليع ما حدث، والاستفادة منه عمليًّا، ويتمادى الانخراط في تسويق الشخصية من خلال أمور مسيئة في الميزان القويم، لكنها ربما مربحة بالمعيار الكمي الرقمي المُهْدِر للقيم والمحقّر للأخلاقيات.

من هذه الحالات المجسّدة للظاهرة، تأتي أجندة الفترة الوجيزة الماضية بعشرات الأمثلة والنماذج التي يضيق المقال عن حصرها، ولعل أحدثها الفرقعات المتتالية لكل من منى برنس، وفاطمة ناعوت، ويوسف زيدان، ودينا أنور، وياسمين الخطيب، وسما المصري، وسيد القمني، ونوال السعداوي، ونبيه الوحش، وغيرهم.

"دعوها ترقص، ما بالكم بشأنها الخاص؟"، هكذا كان منطق المتعاطفين مع الجامعية الكاتبة منى البرنس، في فرقعاتها الصغرى الأولى التي لم يتخطّ صخبُها صهللة الصاجات التي في أصابعها، حيث نشرت منى برنس عدة فيديوهات لوصلاتها في الرقص البلدي في البيت، والاحترافي في أحد المسارح، فضلًا عن صور وفيديوهات بالمايوه البكيني.


هذه اللقطات، التي لم يأتِ نشرها بشكل عفوي هادئ يوحي بالخصوصية المزعومة، وغيرها من السلوكيات المشابهة، اتخذتها جامعة السويس التي كانت تعمل بها برنس مدرّسة للأدب الإنكليزي، مبررًا لفصلها الصيف الماضي بعد تحقيقات استغرقت 14 شهرًا، وشكلت مادة مثيرة لشهية الإعلام ومواقع التواصل، مثلما قصدت الكاتبة.


المتابع لحركات برنس، يجد تجسدات أخرى أوضح للظاهرة محل القراءة، منها ترشحها لرئاسة الجمهورية في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في مارس الماضي بدون برنامج ولا استعدادات، معلقة في مانيفستو ترشحها بقولها "بالعلم والفن والحرية هترجع شمسك الذهب تاني يا مصر. ولأني شخص مرح بطبعي وبحب الحياة فهبقى ريسة دمى خفيف وهدلع الشعب!"، ومنها ما ذكرته الجامعة عن اتهامها بالعيب فى الذات الإلهية والحديث مع الطلاب في المعتقدات الدينية، وما كتبته هي بنفسها على صفحتها بالفيسبوك حول عدم ممارستها فريضة الصوم "الأهم بالنسبة لي إني بصوم عن أذى الغير وما بضرش حد طول السنة"، إلى آخر هذه المحطات المتتالية في مسيرتها.

أما أحدث التجليات "البرنسية"، فهي التي شهدتها الأيام الأخيرة، حيث نشرت على صفحتها بالفيسبوك صورة تجمعها والسفير الإسرائيلي في القاهرة ديفيد جوفرين، وهو يمسك أحد كتبها، معلقة على الصورة بقولها "حظ سعيد لنا، مع سعادة السفير الإسرائيلي بالقاهرة"، وعللت برنس هذا التوجه بردها على منتقديها "أنا مش شايلة قضايا الكون على أكتافي، أنا ببساطة بدور على مصلحتي".

تباينت ردود الأفعال إزاء فرقعة برنس الأكثر صخبًا، فهناك ناصح، وشاتم، ومقدّمُ بلاغ للنائب العام، ومُطَالِبٌ بالتحقيق معها والمساءلة القانونية، ومحرّض على فصلها من اتحاد الكتاب، وداعٍ إلى إيداعها مستشفى الأمراض العقلية.

أما الصدى الأكبر، الذي يؤكد أن ما حدث ليس وليد الصدفة أو العبث، فهو تعليق الجانب الإسرائيلي نفسه من خلال صفحة "إسرائيل في مصر" الرسمية: "لقد عبّرت الدكتورة منى برنس عن أملها في أن يكون المستقبل للمزيد من التعاون من أجل مصلحة الشعبين، وهذه رسالة واضحة لكل من لا يزال يعيش في الماضي، أن مزيدًا من التعاون بين شعبي إسرائيل ومصر يدعم الاستقرار والتنمية للطرفين، وكافة شعوب المنطقة".

ومن حضن إسرائيل كدولة، إلى مغازلة اليهود، حيث المقال الذي نشرته الكاتبة فاطمة ناعوت في ديسمبر 2018 بصحيفة "المصري اليوم" بعنوان "في المعبد اليهودي بالقاهرة"، وفيه تتناول سيرة مبتكر عقار "سوڤالدي" لمرضى "فيروس سي" الكبدي، الطبيب اليهودي ذي الأصل المصري "ريموند شينازي"، المقيم في أميركا.

اتخذت الكاتبة من هجرة "شينازي" من مصر إلى الولايات المتحدة مَعْبَرًا للخوض في مسألة تاريخية دقيقة، ليست في مجال تخصصها، مشيرًا بلهجة اليقين القاطع إلى "مرارة ما لَحِق باليهود المصريين من اضطهاد في وطنهم مصر، بعد قيام دولة إسرائيل، حيث لوحقوا وشُوِّهوا وحُرقت ممتلكاتهم وطُردوا من ديارهم بمصر، رغم أنهم كانوا، وما زالوا، أكثر الرافضين لقيام دولة إسرائيل المحتلة على أرض فلسطين".

بغض النظر عن مدى أمانة ما ذكرته الكاتبة عن أحوال اليهود في مصر في ستينيات القرن الماضي واحتوائه قدرًا من الصحة أم لا، فإن اللافت هو أسلوب الطرح ذاته، إذ جاء الحديث عاطفيًّا مجانيًّا مرسلًا، بهدف الصخب لا الإقناع المشفوع بتدليل وتوثيق، وقد فنده العديد من المؤرخين والمختصين والباحثين في مقالات تفصيلية نشروها تباعًا للرد على ناعوت، الأمر الذي دفع الكاتبة إلى التراجع السريع كعادتها بعد "الفرقعة" وتصاعد الهجوم عليها، حيث نفت في حديث تلفزيوني لاحق أن يكون اليهود قد تعرضوا لاضطهاد في مصر، أو طردوا من الدولة المصرية "حاضنة جميع الأديان".

من ردود الأفعال التي توالت عقب ضجة ناعوت الأخيرة، التي قصدتها بطبيعة الحال، ما ذكره المؤرخ عاصم الدسوقي، أستاذ التاريخ الحديث في جامعة حلوان، بشأن أن قرابة 38% من اليهود الموجودين في مصر قد خرجوا برغبتهم واختيارهم ولأسباب شخصية في الفترة من 1948 حتى 1951، أما بعد ثورة يوليو 1952، فقد زار الرئيس محمد نجيب المعبد اليهودي وكتب كلمة تذكارية في دفتر المعبد، ولم تكن هناك معاملة سيئة لليهود في مصر تدفعهم للخروج منها.

في الإطار ذاته، جاءت مقالات مجموعة من المؤرخين والباحثين، كما جاءت ردود أفعال أخرى لتسفر عن شكاوى للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وبيانات استنكار من جانب المثقفين ولجان حقوق الإنسان، وهجوم حاد من البرلمانيين "مخططات دولية لتشويه صورة الوطن"، ودعوات إلى مساءلة الكاتبة قانونيًّا، وما إلى هذا القبيل.

وعلى الرغم من توضيح ناعوت أن اليهود شيء والصهيونية شيء آخر، فإن إسرائيل قد دخلت على الخط في مسألة التهجير القسري لليهود التي أثارتها الكاتبة، إذ دعت صفحة "سفارة إسرائيل في مصر" الرسمية إلى التعرف على قصص اليهود من الشرق الأوسط بهدف "أن يعلم الناس حقيقة ما حدث في الماضي"، وأشارت الصفحة صراحة إلى ترحيبها بـ"الكشف عن قصص الناس الذين ما زالوا يحبون مصر والمصريين، وتركوا مصر منذ زمن من دون رغبة في ذلك"، واضعة هذا التوجه في إطار "دعم دولة إسرائيل، حكومة وشعبًا، للسلام مع مصر، والتفاهم بكل الطرق الممكنة".

ما كتبته ناعوت عن اليهود، لا يمكن فصله عن عشرات المقالات السابقة لها حول حقوق الأقباط في مصر، ووقائع أخرى متتالية تندرج في سياق ظاهرة الإثارة محل القراءة، فالهدف يكون دائمًا طريقة العرض، أكثر من مضمون الرسالة.

من هذه المحطات، خلال الفترة الماضية، ترشح الكاتبة في الانتخابات البرلمانية بدائرة مصر الجديدة، عن حزب الوفد الجديد، وفي انتخابات مجلس الشورى كمرشحة مستقلة، من غير رؤية سياسية مفصلة في برنامج مهيكل. أما "واقعة الأضحية"، وما ترتب عليها من ملابسات وحكم قضائي، فقد شكلت نقطة انطلاق الكاتبة إلى عالم الضوضاء.

كتبت ناعوت في 2014 أن "أضحية العيد" هي "أهول مذبحة يرتكبها الإنسان منذ عشرة قرون ونصف ويكررها كل عام وهو يبتسم"، حيث تُساق ملايين الكائنات البريئة إلى "مذبحة سنوية تتكرر بسبب كابوس باغت أحد الصالحين بشأن ولده الصالح. هي شهوة النحر والسلخ والشي ورائحة الضأن بشحمه ودهنه جعلت الإنسان يُلبس الشهيةَ ثوب القداسة وقدسية النص الذي لم يُقل".

آنذاك، حققت الفرقعة المراد منها، وامتدت حبال البلاغات والتحقيقات وإجراءات التقاضي إلى أواخر 2016، حيث جرى تأييد الحكم بحبس الكاتبة ستة أشهر مع إيقاف التنفيذ بتهمة ازدراء الدين الإسلامي، لاحتقارها شعيرة الأضحية وإنكارها ما وقع لنبى الله إبراهيم من رؤيا صالحة وتوصيفها بالكابوس، في حين تراجعت الكاتبة كعادتها عن أقوالها، مشيرة إلى أن ذبح الأضحية يعد نوعًا من الأذى على سبيل "الاستعارة المكنية"، وأن حديثها جاء "على سبيل الدعابة".

وإلى دينا أنور أو "الدكتورة بنت الباش مهندس"، كما تسمي نفسها، وهي صيدلانية وكاتبة وإعلامية وناشطة في مجال حقوق المرأة وحرية الرأي، ولها مؤلفات عدة في قضايا التنوير والأهداف النسوية، وقد احتضنت أفكارَها وأعمالَها بعضُ المؤسسات ودور النشر البارزة في ميدان الفلسفة والفكر بمصر، منها دار "ابن رشد" التي نشرت كتابها "محاكم التفتيش - ضحايا الفكر بين الماضي والحاضر".

دينا أنور، التي يساندها في ندواتها ومؤلفاتها مفكرون وكتّاب معروفون، منهم مراد وهبة، وجابر جاد نصار، وخالد منتصر، وغيرهم، لا تتجاوز القشور والأسطح الخارجية في كتاباتها الفجة، ففي "محاكم التفتيش"، الذي استعرضت فيه مصائر "مناضلين" صفّاهم الإسلام السياسي عبر التاريخ، لم يخرج الأمر عن مجرد تبسيطات بدائية للتعريف بهؤلاء المغدورين، مع الاعتماد على البيان اللفظي والشعارات الجوفاء والآليات الخطابية، ومن ثم جاءت دعوتها إلى إحياء العقل وتفنيد الموروث وتدقيق التاريخ في الاتجاه المعاكس لمنطق الكتاب ذاته، المبني على تهويمات وطرطشات عاطفية وعبارات مُرسلة.

تطور الأمر مع دينا أنور، في صولات "الفرقعة" وجولاتها، فعلى غرار منى برنس، أطلقت دينا صيحات التنوير والتحرر الفكري من ساحات الرقص ومنصّات التعرّي، ونشرت العديد من الفيديوهات وهي تؤدي "رقصات السعادة"، إذ "لا يُشترط أن ترقص المرأة من أجل الحب أو الرجل، فيكفي أن ترقص لإسعاد ذاتها". ولم تذكر الباحثة لماذا يقترن "إسعاد الذات" بنشرها هذه الفيديوهات على الملأ والترويج لها بشكل دوري متكرر على هذا النحو الدعائي، وقد دعت الكاتبة السيدات اللاتي تتبنى قضاياهن المجتمعية إلى "الدلع"، مؤكدة أن "نظرية أحلى من الشرف مافيش دي ما بقتش تجيب همها ولا بقت تخيل على حد!".

 

وفي ديسمبر 2018، دخلت دينا أنور عش دبابير أكثر إثارة، وذلك بإطلاقها كتابًا بعنوان "خالعات الحجاب والنقاب.. الثورة الصامتة"، وتلاه تبنيها مبادرة تحت شعار "المجد لخالعات الحجاب والنقاب"، حيث دعت السيدات اللاتي خلعن الحجاب أو النقاب إلى "جلسة تصوير" بعنوان "المحاربات"، لالتقاط صورة تعبيرية جماعية تبرز "سعادة المرأة بخلعها الحجاب والنقاب".

المعارك "الثقافية والفكرية" التي خاضتها، وتخوضها، دينا أنور تعكس مستوى "العُمق" في مفهومها، فهي ليست إلا "خناقات" و"وصلات ردح" بامتياز، تتسق تمامًا مع ظاهرة الإثارة المحرّكة والحاكمة، التي تعجنها دينا في هذه الحالة بمقوماتها الأنثوية الصاخبة مع سبق الإصرار.

من هذه اللطائف، "معركة التباهي بالجسد والقلم"، التي دارت بينها وبين نظيرتها ياسمين الخطيب خلال الصيف الماضي، وحققت متابعة واسعة على مواقع التواصل، وقد اندلعت في البدء بسبب عبارة "شغف البدايات أجمل من الحب"، التي ادعت كل منهما أنها صاحبة السبق في تدوينها على صفحتها، بوصف العبارة عملًا إبداعيًّا أصيلًا مكتملًا كما يبدو.

كتبت الخطيب متهمة دينا "فوجئت بسيدة تقدم نفسها على أنها كاتبة علمانية ونسوية، لم أقرأ لها سوى ترهات، بدأتها بحق النساء فى لبس الفساتين (أظنه أفضل ما طرحت)، تسرق جهارًا نهارًا وبغير تقية، جملة كتبتها مرارًا، وعنونت بها إحدى قصص مجموعتي القصصية الوليدة، هي: شغف البدايات أجمل من الحب ذاته. لستُ مندهشة من جرأة مثل هؤلاء على السرقة، فى ظل وجود آليات للتوثيق والفضح كالفيسبوك وخلافه".

بدورها، ردت دينا منتقمة لجسدها ثم لحروفها: "توقع الجميع أن أدخل معك في منافسة نسائية تافهة، من فينا ستكون الأجمل، والأكثر أناقة، أنصحك بالاحتكام لأحد خبراء لغة الجسد. أما بخصوص الموهبة الأدبية، فلا يوجد في مصر والعالم من ينكر موهبة دينا أنور الأدبية الاستثنائية، أما بالنسبة لكِ أنتِ، فالجميع يجزم بأنكِ لستِ من تكتبين ما تنشرين".

وللكاتبة والإعلامية والتشكيلية ياسمين الخطيب فرقعاتها الأخرى المتعددة، غير هذا "الدويتو" البذيء مع دينا، آخرها منذ أيام قليلة، بإعلان صاحبة كتاب "وِلاد المَرَة" الانسحاب من اللجنة الفنية المشرفة على وضع برنامج دورة اليوبيل الذهبي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب (23 يناير-5 فبراير 2019) بسبب انشغالها الشديد، وهو الاختيار المريب أصلًا من جهة مؤسسة الثقافة الرسمية بالدولة، وقد بررت الجهة المنظمة للمعرض العريق "الهيئة العامة للكتاب" هذا الاختيار بالرغبة في "جذب الشباب والخروج عن النمطية وتصعيد وجوه لها نشاط حقيقي!".


أما كتاب "وِلاد المَرَة" لياسمين الخطيب، فإن حكايته حكاية، إذ جرى تسويقه على نحو موسّع قبل صدوره، بمجرد إعلان "دار ليان للنشر" عن عنوانه، ويضم مقالات ومباحث حول القضايا النسوية والاجتماعية. وقد دافعت المؤلفة عن عنوانها "الذي حقق نجاحًا كبيرًا" بحد قولها، وتساءلت ببراءة: "هل ابن المرة شتيمة؟ لماذا؟ كل الرجال "أبناء مَرة"، النداء باسم الأم ليس تحقيرًا".


ولا تنتهي فرقعات مثقفي الماء الراكد والأحجار الملوثة، ويكفي المرور على بعض عناوينها الأخرى، للتيقن من أن ظاهرة فعلية قد تغلغلت في مشهد الضحالة السائد بمصر خلال الفترة الماضية.

من دفتر مشاغبات الكاتب والأكاديمي يوسف زيدان ما ذكره بشأن أن المسجد الأقصى الموجود في مدينة القدس ليس هو المسجد الأقصى المقدس المذكور في القرآن، الذي شهد إسراء النبي محمد، ونفيه إمكانية حدوث واقعة "المعراج" من أساسها واعتبارها "مجرد قصة روجها القصاصون في القرون الأولى".

كذلك، وصف زيدان صلاح الدين الأيوبي بأنه "من أحقر الشخصيات في التاريخ، إذ اقترف جريمة ضد الفاطميين بعزل الرجال عن النساء، فانقطع نسل الفاطميين في مصر بعد توليه الحكم"، وقد لقي هذا القول استحسان وزير الدفاع الإسرائيلي ليبرمان، فأشاد بهذا الطرح "الذي ينزع القدسيّة عن أكبر إرهابي في التاريخ الإسلامي، وعن أسطورة المسجد الأقصى المصطنعة، ويدفع في اتجاه إيجابي بكون القدس عاصمة أبدية لدولة إسرائيل"، وكتبت صفحة "إسرائيل في مصر": "الرسالة التي يحملها تفسير زيدان بضرورة نبذ ثقافة الكراهية بين الطرفين، هي رسالة مهمة في نظرنا، فالتعاون بين اليهود والمسلمين من شأنه أن يعود بالفائدة على المصريين والإسرائيليين على حد سواء، خدمة لأبناء الجيل الصاعد لدى الشعبين".

وتتوالى الفرقعات الأخرى، فالراقصة والإعلامية سما المصري تطلب يد نجم الكرة العالمي محمد صلاح عبر السوشيال ميديا، ثم تعتذر لزوجته، كما تعلن أكثر من مرة تقديمها برنامجًا دينيًّا دعويًّا، وتنشر البروموهات الخاصة به، ثم تعود لتعلن توقف المشروع: "الشيوخ رفضوا يطلعوا معايا، وقالوا عليّ فتنة!". والكاتب والأكاديمي سيد القمني صاحب أطروحة "الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية" (الذي شكك البعض في حقيقة حصوله على الدكتوراه، واتهم بالترويج للإسرائيليات) يعتزل الكتابة بعد تلقيه تهديدات بالقتل، متراجعًا عن أفكاره خوفًا على حياته، ثم يعود من جديد ليصف منذ أيام قليلة يوسف عليه السلام بأنه "لم يكن أمينًا على خزائن مصر"، وأن الملك مينا الفرعوني كان يحج إلى سيناء، ولم يوحد القطرين، وهو الأمر الذي فنده الكثيرون من الأثريين والمختصّين.

وإلى المحامي والحقوقي نبيه الوحش، صاحب واقعة ضرب الشيخ مصطفى راشد مفتي أستراليا بالحذاء على الهواء بعد وصلة سباب واشتباك بسبب "خلاف فقهي!"، إذ حرّض بعدها على اغتصاب الفتيات إذا ارتدين البنطلونات الممزقة والملابس الخليعة، الأمر الذي انتهى بحكم قضائي بحبسه ثلاث سنوات وتغريمه عشرين ألف جنيه.

وعلى مدار عمرها المديد، أطلقت الكاتبة والحقوقية نوال السعداوي (88 عامًا) ما لا يمكن حصره من الفرقعات الصاخبة، منها الادعاء في كل عام بأنها مرشّحة لنيل جائزة نوبل في الأدب، ومناداتها بتعدد الأزواج في حالة قبول المجتمع تعدد الزوجات كما هو سائد، وتهكمها على فريضة الحج "لماذا يحتاجون إلى رجم الشيطان؟ لماذا يحتاجون إلى تقبيل الحجر الأسود؟"، ودفاعها عن المثلية الجنسية "المثلية لها أسبابها، والأمر يتطلب تحليله وإرجاعه لأسبابه الاجتماعية والبيولوجية، فالمجتمع والدين لا دخل لهما بالجنس، العلاقات الجنسية شخصية".

مثقفو الماء الراكد والأحجار الملوثة، حالات متكررة في كل عصر، لكن الأمر تطور بلا شك في عهد الثورة الرقمية والشبكة البينية وسيولة المعلومات وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي كفضاء افتراضي مراوغ أسهم في توسعة نطاق الهلاوس وفي اغتيال الواقع المعيش.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

شريف الشافعي

شريف الشافعي

كاتب وشاعر مصري