آخر تحديث:12:02(بيروت)
الخميس 17/01/2019
share

"همس النجوم" لنجيب محفوظ: الزَّمار الذي لا يموت

وجدي الكومي | الخميس 17/01/2019
شارك المقال :
"همس النجوم" لنجيب محفوظ: الزَّمار الذي لا يموت قصص محفوظ كتبت في بداية التسعينات
يقول المثل المصري. يموت الزمار وأصابعه تلعب. لكن في حالتنا هذه، يبدو أن الزمار لم يمت، وأصابعه ما زالت تكتب، وتبدع.

في مقدمة مجموعة "همس النجوم" لنجيب محفوظ(*)، والتي ضمت قصصاً عثر عليها الصحافي المصري محمد شعير، خلال تنقيبه في سيرة محفوظ وأوراقه القديمة التي منحتها له ابنته أم كلثوم، جاء وصف شعير لاكتشافه بأن بحثه في صندوق اﻷوراق، واكتشافه 18 قصة قصيرة لمحفوظ، كان بمثابة دخوله مقبرة فرعونية، وجاءت قراءتي لهذه القصص أيضاً بالشعور نفسه.

استقبلتُ قرار نشر القصص بترقب، رغبة في معرفة ما ستحدثه قصص محفوظ المكتوبة بين العامين 1993 -1994، بعد أكثر من عقدين، في نفوس القراء. كان الهاجس اﻷكبر المسيطر علىّ بينما أبدأ في قراءة الكتاب هو: هل تجاوزنا محفوظ؟ أم أننا لم نستطع أن نتحرر من أسره ومِن الشغف بعالمه؟ عالم الحارة؟ والصوفية المستترة في قصصه؟

ثمة هواجس تتعلق بأدب نجيب محفوظ، تتصل بما نجح هذا اﻷدب في تحقيقه، وبما استطاع أن يجتاز الحواجز، التي لم يتجاوزها أي اسم عربي أو مصري آخر، والغالب أن الدمغة المحفوظية التي دمغ بها نجيب أدبه، لم تتكرر. إذ لم يتوافر لكاتب مصري أو عربي آخر، هذا التركيز الشاهق في مشروع كبير، وخلق مساحة من فضاءات الرواية، تعادل العالم، وتحاوره، مثلما فعل محفوظ بالحارة المصرية، التي جعل منها رمزاً للكون، ورمزاً للبلد، ورمزاً للخلق، ورمزاً للحياة... هكذا لعب على أوتار الحارة أكثر من مرة، وحمّلها تأويلات متعددة، مغايرة، ومتوازية، ومتقاطعة في آن واحد. وهذا سِرّ عظَمة اﻷدب المحفوظي، وما جعله مدموغاً بختمه، الذي لم يتكرر.

وأنا أقرأ القصص، كنت أظن أني ما زلت قادراً على قياس تأثير هذه القصص المكتوبة منذ أكثر من عقدين، فيَّ كقارئ ينتمي لزمن آخر غير زمنها. كنت أظنني قادراً على البحث عن إجابة حقيقية عن اﻷسئلة التي طرحتها. هل صرنا مفتونين بنجيب محفوظ للحد الذي يمنعنا من النظر بعين الحذر لأعمال مكتوبة منذ عشرين سنة، وربما يكون "عفا عليها الزمن".

لكن واقع الحال يقول إن كل هذه المحاوﻻت تبددت مع الصفحات اﻷولى من المجموعة..
العالم المحفوظي اﻷثير نفسه، الحارة، بما تحمله من تأويلات مختلفة لكل شيء رغب محفوظ في أن يتكلم عنه، وألا يتكلم عنه.. الحارة وفي نهايتها القبو، وشيخ الحارة وما يمثله من تأويلات، ورموز، مرة للقائد والرئيس، ومرة للأنبياء، والرسل، وأولي اﻷمر، ومرة ثالثة للباطشين بالخلق.

ورغم أنك تقرأ وتقول لنفسك، ها هو يستخدم ثيماته اﻷثيرة، إلا أنك تجد نفسك غارقاً حتى أذنيك في متعة هذا العالم، وتنسى أنك تقرأ بتحفظ، وتصفع خديك، قائلاً: كلا.. لن تعجبني هذه القصص العتيقة القديمة.

لكن، من بين سطور نجيب محفوظ، تنبعث طاقة عجيبة، وسحر غريب. ففي القصة اﻷولى المعنونة "مطاردة"، ثمة امرأة تحمل طفلها، وتروح وتجيء أمام محل أحدهم ولا تكترث بتهديداته، بل تتسلى بملاعبة طفلها، وهي تلكز الرجل بكلماتها: هذا الطفل يريد حقه الذي شرَّعه الله.

وفي القصة الثانية المعنونة "توحيدة"، ثمة مساءلة نجيب محفوظ للزمن، وعصفه بالبشر، واكتساحه لهم. و"توحيدة" هي الفتاة التي تفرنجت، وعادت إلى البيت اﻷبيض الواقع قبل القبو بدارين. ورغم أن تلك القصة تبدأ في الحارة، إلا أنها تنتقل برشاقة إلى اﻹسكندرية، إذ يلتقيها السارد بعد مدة على الكورنيش، فيجدها وقد صارت عجوزاً، وتنتهي القصة وقد انفجر الماضي أمام السارد كأنه قارورة عطر تحطمت حينما سمع صوت العجوز، وهي تعبيرات محفوظ اﻷثيرة.

القصة الثالثة هي أكثر العلامات الدالة على محفوظ، وسحر إبداعه، وتحمل عنوان "ابن الحارة" وهو الذي عُرف من قديم بابن الحارة، وما عُرفت له أم أو أب، وكانت أرض الحارة مرتعه، والقبو مرقده، وتقديم الخدمات الصغيرة حرفته، ومرتزقه.

هكذا يستهل محفوظ القصة، وهكذا يغرقنا مباشرة في سحرها من دون أن يمهل أرواحنا فرصة للتفكير. وبعد بضعة سطور نعرف أن ابن الحارة يرتقي من شبه متسول، إلى وليّ، أو شبه وليّ، وذهب ذات ليلة وقد اتخذ تلك المكانة وسط أهل الحارة وفي نفوس أهلها، إلى مرقده، فوق أرض القبو، وقبل أن يهبط عليه ملاك النعاس انتشر الصمت، وعمق، حتى أنذر بمجهول سيقع. وانتبه ابن الحارة، فإذا بصوت بأتيه واضحاً ومؤثراً وعميقاً: يا ابن الحارة، اذهب إلى المعلم زاوي، وقل له أن يرد كل مليم حرام في ماله إلى مستحقه.

أنه هاجس العدالة الذي يُحرك محفوظ، ودفعه لكتابة كل ما كتبه، البحث عن المخلص، والمنقذ، الفتوة العادل، والفارس الذي يتصدى لمهاويس السلطة. تكاد هذه القصة، وتلك التي تليها "السهم"، أن تكونا لقطتين مصغرتين من "أولاد حارتنا" أو ملحمة "الحرافيش"، أي من عوالم محفوظ الكبيرة والمفضلة وأجوائه الساحرة.

ففي قصة السهم، هناك سارد يتحدث بصوت الجموع، إذ يقول: "والغريب أنه لم يعد منكر يخفى على أحد، ولم يعد أحد يخجل من الجهر بسوء. وسمعت أم بسيمة الداية تقول ساخرة: سنرى الفاسقين عرايا تحت الشمس، ونشهد اللصوص وهم يسرقون في حراسة العساكر".. إنها اﻹيماءات الذكية المحفوظية التي يسقطها على الديكتاتوريين والباطشين، وبعد أن نتقدم بضعة سطور في القصة، نفاجأ بواقعة اغتيال المعلم زين البركة، بسهم يصيب قلبه، سهم مجهول، ويتولى شيخ الحارة مطاردة الجناة المجهولين. وشيخ الحارة هنا إيماءة ذكية إلى مساعد الديكتاتور، أو وزيره على أقصى تقدير، ويوجه نظره لمطاردة مطلقي السهم على المعلم لكل حامل للقوس، ويطارد الشائعات التي تتحدث عن وجود حاملي القوس في الحصن القديم. وحينما يداهمه مع الشرطة، لا يعثر إلا على اﻷحجار والعنكبوت. وربما تكون هذه إشارة محفوظية صوفية، إلى اختباء النبي من مطارديه في الغار، خلف شباك العنكبوت، إذ يختم القصة بقوله: وأعلنوا ذلك بوضوح، وتبادل الناس النظر. وتساءلوا مستنكرين: أنصدق هؤﻻء اﻷفندية ونكذب ولي الله الشيخ رمضان، والست الطيبة أم بسيمة؟

وفي قصة الفرن، هناك فتاة تهرب مع عشيقها. هي القصة المفضلة لمحفوظ، التمرد على التقاليد البالية، والثورة عليها. وفي قصة "نبقة في الحصن القديم" يعود محفوظ مرة أخرى لاستخدام الحصن القديم كثيمة يتكئ عليها ويتخذها رمزاً لكل ما يرغب أن يحمله في وجود أمل أخير، وملجأ نهائي، ونبع للثورة المنتظرة، إذ تدور أحداث هذه القصة حول الفتى نبقة، الذي يتحول من خادم للمسجد، إلى شخص يتلقى العلم من لدن حكيم عليم. لا يصفه محفوظ هكذا، إنما يباغت قارئه، بأنه قد صار مطلعاً على أحوال أشرار الحارة، وما يفعلونه في الخفاء، ويباغتهم بقوله لهم: اخجل من نفسك، وعقب ذلك يكشف لهم معرفته بفضيحة أخلاقية، أو مالية، أنها الحكمة المحفوظية الداعية لمحاكمة النفاق، وكشف المدلسين المتظاهرين باﻷخلاقية، وأفعالهم ملطخة بالفساد.

القصص المحفوظية الجديدة، القديمة، تبدو كأنها خرجت من صندوقها الذي حملته أم كلثوم إلى "دار الساقي"، لتلقننا جميعاً دروساً جديدة، عن ذلك النوع العظيم من الأدب، الذي ﻻ يمكن بسهولة أن يُمحي من القلوب، ويظل عالقاً في أرواحنا، ويظل سرّه، في تلك الدمغة التي تحمل خاتم صاحبه.. نجيب محفوظ.. الزَّمار الذي ﻻ يموت.

(*) صدرت عن "دار الساقي".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها