آخر تحديث:12:22(بيروت)
الثلاثاء 15/01/2019
share

"صوت": القديسة وجوقة الملائكة

حسن الساحلي | الثلاثاء 15/01/2019
شارك المقال :
  • 0

"صوت": القديسة وجوقة الملائكة لعلها النظرة المتجذرة عند مارسيل خليفة وأميمة الخليل، إلى ما يقدمانه، بصفته رسالة ملتزمة
لا يمكن انكار الطابع الديني لألبوم "صوت" (غناء أميمة الخليل، موسيقى مارسيل خليفة وتوزيع إدوار طوريكيان). أولاً، بسبب غياب الآلات الموسيقية، والإعتماد موسيقياً على أصوات كورال الفيحاء (بقيادة باركيف تسلاكيان) الذي يذكّر أداؤه الجماعي أحياناً بالغناء الكنسي. وثانياً، بسبب أداء أميمة الخليل العالقة ربما في العباءة الملائكية التي ألبسها إياها مارسيل خليفة وهي بعد في سن السادسة عشرة، وذلك رغم مرورها بعدد لا بأس به من التجارب منذ افتراقها عنه حتى اليوم.

طبعاً، هذا المزاج يكمله كلام خليفة التبشيري، المشبع بالرموز الدينية، خصوصاً لدى وصفه الألبوم بالنور والضوء المسلط على الإنسانية: "كقمر الحب يغمر ليلنا الدامس ... نتمسك به كخشبة خلاص ضد هذه الوحشية الصارخة... رغبة بإشعال شمعة صغيرة ولعن الظلام في آن. فنجده متسلحاً بقدرات إلهية". ويخاطب أميمة الخليل: "غنّي لنلمس ذلك النور الذي تزخر به تلك الأقاصي"، كأنه يحاكي القديسة التي أرسلها في الأرض لتبشّر به مخلصاً، لكنه لا يلبث أن يتواضع وينزل عن عرشه ليؤكد حبه للشعب العادي وجوقة الملائكة "كورال الفيحاء": "لماذا يعتقد البعض أننا سوف نتنازل عن حقنا في الغناء مع هؤلاء الهواة الآتين من الأحياء القريبة والبعيدة لما تبقى من سهول الفيحاء. أحبكم وهذا حق مشاع، كما أعتقد، وليس لأحد مصادرته".

لعلها النظرة المتجذرة عند خليفة والخليل، إلى ما يقدمانه، بصفته رسالة ملتزمة وشبه مقدسة، لا يمكن أن تأخذ سوى الشكل التبشيري. يمكننا هنا استعادة كلام الخليل (أطلقت ترتيلة بعنوان "الشمعة الرسامة" الشهر الماضي)، في إحدى المقابلات، عمّا تعلَّمته من خليفة: "الفن ليس للتسلية بل هو رسالة إنسانية أعمق"، ما يتقاطع مع النظرة الدينية/الطوباوية للغناء والموسيقى، والتي تأنف استخدام الآلات الموسيقية، مُركّزةً على الصوت الإنساني حصراً، كي لا تحيد عن الرسالة التبشيرية أو تحرك غرائز المستمعين، وهو ما يتقاطع أيضاً، بطريقة أو بأخرى، مع مضمون "صوت"، البعيد كل البعد من أي طابع غرائزي أو ترفيهي.

عوضاً عن ذلك، يظهر الألبوم، كما أعمال مارسيل خليفة الأخرى، بلا هوية واضحة. حائر بين الموسيقى الكلاسيكية الغربية، والمقامات العربية، في قالب ذي تعقيد أقرب إلى التعقيد الأكاديمي المُدّعي، الذي عوّدنا عليه أساتذة الكونسرفاتوار اللبناني المتأخرون عن الحاضر، والذين يكتسبون قيمتهم فقط في الأوساط الأكاديمية وبين من يتسلطون عليهم من تلامذة سيتخرجون ليجدوا أنفسهم في عالم لا يشبههم، وضحية لليأس والإحباط الذي لا يلبث أن يبعدهم عن مهنة الموسيقى (طبعاً في حال لم يُعِنهم أحد الأساتذة في المعهد نفسه ليعيدوا الأخطاء نفسها).

في وصف موسيقى الألبوم، يقول إدوار طوريكيان إنه يقدم موسيقى عربية تسلك الموجة الانطباعية في لوحات فنية، تستخدم الأصوات البشرية للتصوير والتعبير عن المشاعر والأفكار. ثم في مكان آخر، يقول طوريكيان أن صُوره اللحنية المستوحاة من المقامات العربية، حوَّلها خليفة إلى الطابع العالمي والعربي بإضافة التلوين البوليفوني واستعمال تقنيات تتناسب مع المقامات العربية المعقدة والبسيطة.

من جهة أخرى، لا تقدم أغاني "صوت" مضامين مشابهة دائماً من ناحية الكلام، الذي يبدو أحياناً منفصلاً عن العالم الخيالي الذي تشكله الموسيقى والأصوات. وقد تعامل الألبوم مع مجموعة مهمة من الشعراء، هم: جوزيف حرب، طلال حيدر، مروان مخول، نزار قباني، محمود درويش، الياس لحود، بطرس روحاني، زاهي وهبي، منصور الرحباني، عبيدو باشا. الأسماء بشكل عام، ليست غريبة عن عالم خليفة، والأحياء منهم ما زالوا أفراداً فاعلين في الأوساط الثقافية المحلية والعربية، ويرتبطون مع بعضهم البعض، ومعه، بعلاقات تبادل ذات مستويات متعددة. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها