آخر تحديث:12:57(بيروت)
الثلاثاء 15/01/2019
share

"صداقة مع ابن شقيق فيتنغنشتاين" لتوماس برنهارد(*)

المدن - ثقافة | الثلاثاء 15/01/2019
شارك المقال :
"صداقة مع ابن شقيق فيتنغنشتاين" لتوماس برنهارد(*)
علاقتي مع باول، التي بدأت بفضل صديقتنا إرينا في الغرفة الكائنة في «بلومنشتوك-غاسه»، كانت بالطبع صعبة، كانت صداقة لا بدّ أن تناضل يومياً لاستعادتها ولتجديدها، صداقة أثبتت خلال السنين أنها الأكثر إجهاداً، وأنها وثيقة الارتباط بالقمم والسفوح وبراهين الصداقة. يخطر على بالي الآن الدور الذي لعبه باول، مثلاً، لدى ما أطلقوا عليه منحي جائزة «غريلبارتسر».

كان الوحيد، مع إنسان حياتي، الذي فطن إلى السخف والعبث اللذين رافقا منح تلك الجائزة، واصفاً المهزلة بالوصف الذي ينطبق عليها: مسرحية نمساوية وضيعة سافلة. أتذكّر أنني اشتريت بدلة جديدة خصيصاً لحفل منح هذه الجائزة في أكاديمية العلوم، لاعتقادي أن قدمي لا يمكن أن تطأ أكاديمية العلوم إلا في بدلة جديدة. وهكذا ذهبت مع إنسان حياتي إلى محلّ ملابس في ميدان «كول-ماركت»، وهناك اخترت بدلة ملائمة، ثم جرّبتها ولم أخلعها. كان لون البدلة الجديدة أسود يميل إلى الرمادي، لأنني اعتقدت أنني في هذه البدلة الجديدة، السوداء الرمادية، سأقوم بدوري في أكاديمية العلوم على نحو أفضل مما لو ارتديت بدلة قديمة. حتى صباح منح الجائزة كنت أعتبر هذا التكريم حدثاً مهمّاً، إذ إن ذلك اليوم وافق الذكرى المئوية لوفاة غريلبارتسر، وكنت أعتبر منحي جائزة غريلبارتسر في ذكرى وفاته المئة أمراً غير عادي. ها هم النمساويون يكرمونني الآن، أهل بلدي - الذين لم يفعلوا حتى ذلك اليوم شيئاً غير دهسي بأقدامهم - يمنحونني جائزة غريلبارتسر، هكذا كنت أفكر. انتابني شعور بأنني وصلت إلى القمة حقّاً. ربما ارتعشت أصابعي في صباح ذلك اليوم، ولعل رأسي كان محموماً. أن يمنحني النمساويون فجأة أرفع جوائزهم، وهم الذين تجاهلوني طيلة هذه السنوات وتهكّموا عليّ، ذلك شيء اعتبرته بالفعل تعويضاً نهائياً عما أصابني.

خرجت بالبدلة الجديدة من محل الملابس وقلبي لا يخلو من فخر، وسرت في ميدان «كول ماركت» كي أتوجه إلى أكاديمية الفنون على الرصيف المقابل. لم يحدث لي أن سرت في حياتي بمثل هذا الزهو في ميدان «كول-ماركت»، ثم دخلت في شارع «غرابن» مارّاً بتمثال «يوهانيس غوتنبرغ». كنت أشعر بالزهو، لكنني لا أستطيع القول إنني كنت أشعر بالراحة في بدلتي الجديدة. يخطئ المرء دائماً إذا اشترى ملابس - لنقل - تحت الرقابة، وفي صحبة الأصدقاء، وها أنذا قد ارتكبت هذا الخطأ مرة أخرى. البدلة الجديدة ضيّقة للغاية. لكنني ربما أبدو في مظهر جيد، قلت لنفسي عندما وصلت إلى أكاديمية العلوم برفقة إنسان حياتي وباول. إن منح الجوائز – إذا غضضتُ النظر عما تجلبه من مال – هو أكثر الأشياء التي لا تطاق في هذا العالم. هذه الخبرة مررت بها في ألمانيا، إذ إنّ الجوائز لا تُعلي من قدر المُكَرّم – كما كنت أعتقد قبل أن أُمنح أول جائزة في حياتي – بل هي تحطّ من قدره، وبطريقة مخجلة للغاية. من أجل المال الذي تأتي به الجوائز، فحسب، تحمّلت، من أجل هذا السبب وحده كنت أذهب إلى دور البلدية القديمة بمختلف أشكالها، وإلى صالات الاحتفالات سقيمة الذوق. حتى بلغت الأربعين. حتى الأربعين كنت أدعهم يحطّون من قدري لدى منحهم الجوائز لي. حتى الأربعين تركتهم يبولون على رأسي في دور البلدية وصالات الاحتفالات. إن منح الجوائز لا يزيد ولا يقلّ، في حقيقة الأمر، عن التبوّل على رأس صاحب الجائزة، وتسليم جائزة لا يعني سوى أن يبول الآخرون على رأس المتسلّم لها، لأنه يتلقى مالاً مقابل ذلك.

عند منحي جائزة كنت أشعر دوماً بالإهانة العظمى، بأكبر إهانة يمكن تخيّلها، وليس بالتكريم، إذ إنّ مُسلّمي الجائزة يتّسمون دائماً بانعدام الكفاءة، إنهم يريدون أن يبولوا على رأس صاحب الجائزة، ويبولون بالفعل، وبغزارة. إنهم يبولون، ومعهم كلّ الحقّ، على رأس صاحب الجائزة، لأنه كان وضيعاً وخسيساً، وقَبِلَ أن يتسلّم جائزتهم. في حالات الضرورة القصوى فقط، وفي حالة تعرّض حياة الإنسان أو وجوده للخطر، وحتى الأربعين فحسب، في هذه الحالات فحسب، يحقّ للمرء أن يقبل تسلّم جائزة مقرونة بمبلغ نقديّ، أو جائزة عموماً أو وسام. لقد تسلّمت جوائزي دون ضرورة قصوى أو خطر يهدّد حياتي أو وجودي، ولهذا جعلت نفسي وضيعاً وخسيساً ومقزّزاً بكل معنى الكلمة. في طريقي لاستلام جائزة غريلبارتسر فكّرت أن الأمر يختلف هذه المرة. ليس لهذه الجائزة قيمة مادية. أكاديمية العلوم شيء، وجائزتها شيء آخر، هكذا كنت أفكر في طريقي إلى أكاديمية الفنون. واعتقدت عندما وصلنا نحن الثلاثة – إنسان حياتي وباول وأنا – إلى أكاديمية العلوم، أن هذه الجائزة استثناء لأنها تحمل اسم غريلبارتسر، ولأنها تُمنَح من أكاديمية العلوم. اعتقدت وأنا في طريقي إلى أكاديمية العلوم أنهم ربما يستقبلونني أمام الأكاديمية، كما يليق بحامل الجائزة، مُظهرين تجاهي، وكما اعتقدت، القدر الملائم من الاحترام. لكن: لم يستقبلني أحد على الإطلاق.

بعدما انتظرت مع رفيقَيّ أكثر من ربع ساعة في بهو أكاديمية العلوم دون أن يتعرّف إليّ إنسان، فضلاً عن أن يستقبلني إنسان، بالرغم من أنني ورفيقيّ كنا نتلفّت دوماً حوالينا، دون أن ينتبه أحد لوجودي، بينما أخذ المدعوون إلى الحفل يتوافدون ويجلسون في صالة الاحتفالات المكتظّة. فكرت أن أدخل ببساطة مع رفيقيّ إلى الصالة مثل الآخرين، ثم خطرت على بالي فكرة أن أجلس في منتصف صالة الاحتفالات تماماً حيث كانت بعض الأماكن ما زالت شاغرة. وهكذا دخلت مع رفيقيّ وجلسنا. عندما جلسنا كانت صالة الاحتفالات قد امتلأت، حتى الوزيرة كانت قد جلست في مكانها بالصف الأول تحت المنصّة. أخذ الأوركسترا الفيلهارموني يجرّب آلاته بنفاد صبر، بينما كان رئيس الأكاديمية، السيد هونغر، يقطع المنصّة رائحاً غادياً في اضطراب.

عداي وعدا رفيقَيّ لم يعرف أحد سبب تأخّر بدء حفل التكريم. أعضاء عديدون في الأكاديمية ركضوا على المنصّة داخلين خارجين، وترقّب الجميع بدء الحفل. حتى الوزيرة أدارت رأسها متطلّعة إلى جنبات الصالة. وفجأة لمح رجل على المنصة أنني أجلس في منتصف القاعة، فهمس بشيء في أذن السيد الرئيس هونغر، ثم ترك المنصة وهرع ناحيتي. لم يكن من السهل عليه أن يشقّ طريقه إلى مكاني في الصف الواقع في منتصف الصالة والمشغول حتى آخر مقعد. كان على كل الجالسين أن ينهضوا، وهو ما فعلوه كارهين، مسدّدين صوبي - كما لاحظت - نظرات مسمومة. قلت لنفسي، كانت حقّاً فكرة خسيسة مني أن أجلس في منتصف القاعة، إذ إن السيد – بطبيعة الحال عضو في الأكاديمية – وصل إليّ بشقّ النفَس. سوى هذا السيد، قلت لنفسي، من الواضح أن أحداً لم يتعرّف إليك. والآن، ولأن السيد كان قد وصل إليّ، توجّهت الأنظار كلّها ناحيتي، ولكن وكأنها تعاقبني وتحفر في جسدي. قلت لنفسي، إن الأكاديمية التي تمنحني جائزتها دون أن تعرف شكلي، والتي تهجم عليّ بنظراتٍ ثاقبة ومعاقبة لأنني لم أعلن عن وجودي، هذه الأكاديمية كانت تستحق شيئاً آخر أكثر خسّةً وسفالةً.

(*) مقطع من "صداقة مع ابن شقيق فيتنغنشتاين"، توماس برنهارد، ترجمة: سمير جريس، تصدر قريبا عن منشورات سرد للنشر وممدوح عدوان للنشر والتوزيع 2019. وننشرها بالاتفاق مع الناشر.

(**) توماس برنهارد:
ولد توماس برنهارد العام 1931 في هولندا. درس التمثيل والإخراج في أكاديمية موتسارت الفنية في سالزبورغ، ثم عمل مراسلاً لإحدى الصحف الاشتراكية، إلى أن تفرّغ للكتابة الإبداعية. من أعماله: «على الأرض وفي الجحيم»، أشعار. «صقيع»، رواية. «ذهول»، رواية. «مصلح الكون»، مسرحية. «صداقة»، رواية.
حصل على عدّة جوائز في النمسا وخارجها، منها جائزة «غيورغ بوشنر» الألمانية المرموقة، كما رفض استلام عدد من الجوائز. ويُعتبر برنهارد من أبرز أدباء النمسا في النصف الثاني من القرن العشرين. توفي العام 1989.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها