آخر تحديث:18:00(بيروت)
الخميس 10/01/2019
share

أسامة فوزي.. السينما كوجهة نظر في الحياة

لبنى الراوي | الخميس 10/01/2019
شارك المقال :
  • 0

أسامة فوزي.. السينما كوجهة نظر في الحياة سينما المؤلف
مع رحيل المخرج المصري أسامة فوزي(58 عاماً)، عاد الجدل حوله في أكثر من اتجاه، هذا ما نرصده من عناوين الصحف ومواقع الانترنت والفايسبوك، فهو "السينمائي العاشق" الذي أعلن إسلامه (وهو قبطي الأصل) انتصاراً للحب، اذ تزوج بالمسلمة سلوى الخطاب، لكن الزواج لم يدم طويلاً، فسرعان ما انفصل عنها بعد 3 سنوات، ولم تجد "العاشقة - الزوجة" ما تقوله في وصفه سوى أنه "فنان جيد وزوج سيء". يكتب السينمائي نصري حجاج: "لا أدري إذا كان عشقه لفنانة مسلمة، هي سلوى خطاب، ما دفعه إلى إعتناق الإسلام الذي هو دينٌ، مؤسسة وفقهاء أكثر تحجراً ومناهضةً لحرية التفكير من المؤسسة الكنسية، أم إن الأمر كان هروباً عابراً من فوضى اللعنات والتحجر". 

وفوزي هو المتحرر والمتمرد في زمن الخنوع والوصاية، والهادئ الذي لا يتوقف صخبه، والسينمائي الذي أغضب الكنيسة بعد فيلم "بحب السيما" الذي اعتبره مخرجه "مرادفاً للحرية، وأن الجدل حوله في مصر لم يكن له داع"، إذ أثار ضجة كبيرة وقت عرضه، حيث وصل الأمر إلى رفع دعاوى قضائية للمطالبة بوقف عرضه بعد حملة شنها محامون ومثقفون مسيحيون ومسلمون مصريون بتهمة تشويه صورة الأرثوذكس في مصر. فبطل الفيلم الأرثوذكسي يظهر في صورة رجل متشدد، يعامل زوجته البروتستانتية بقسوة، وكذلك ابنه الذي يهوى مشاهدة الأفلام، لكن الأب يحذره بدافع أن "السينما حرام والغناء حرام" حتى أن الطفل يصرخ قائلاً "أنا بكره بابا وبكره الكنيسة وبتوع الكنيسة".

أقسى هذه التُهم هي تهمة "المس بالذات الإلهية، وازدراء الأديان، والتطاول على قدسية الكنيسة، والحضَّ على كراهيتها"، وقد ذهب البعض منهم إلى القول بأن السماح بـ"عرض هذا الفيلم يعرِّض الوحدة الوطنية للخطر!". غير أن السلطات المختصة طوّقت البلبلة، وسمحت بعرض الفيلم، رغم الاحتجاجات ومظاهرات جرت في بعض الكنائس والتجمعات القبطية، ولم تنفع الرسائل الإلكترونية التي وُجهت إلى أقباط مصر للحد من مشاهدتهم لهذا الفيلم علّه يُمنى بالفشل الذريع.  

ثمة طفرة نقدية تناولت فيلم "بحب السيما". فعدا عن جدارة الفيلم، هناك منطق الممنوع مرغوب، وقد حاولت المقالات التركيز على مختلف جوانب الفيلم وليس أسباب البلبلة حوله. كتب الناقد جابر عصفور أكثر من مقال في جريدة "الحياة" اللندنية، وأكد على أوجه التشابه بين فيلمي "بحب السيما"(لفوزي) و"سينما باراديسو" للمخرج الإيطالي جيوسيبي تورناتوري. ومرّد هذا التشابه، بحسب ظنه، أن الفيلمين يندرجان تحت توصيف "الكوميديا الدرامية"، وأن البطلين طفلان صغيران ينجذبان إلى عوالم السينما الساحرة، كما هو الحال مع نعيم يوسف عثمان الذي استحوذ على دور بارز من البطولة الثلاثية الموزعة بينه وبين أمّه نعمات (ليلى علوي) وأبيه عدلي (محمود حميدة)، والطفل الإيطالي "توتو" الذي أفضى به حب السينما إلى أن يصبح واحداً من مخرجيها الخلّص. كما أن المسافة الزمنية التي تفصل بين عودة المخرج الإيطالي إلى قريته بسبب وفاة صديقه الذي أغراه بالولوج إلى عالم السينما، وبين الراوي، كاتب السيناريو هاني فوزي، الذي يستعيد ذكرياته المقترنة بحبه للسينما في منطقة شبرا في القاهرة، هي ثلاثين سنة. وأن الإثنين يدوِّنان سيرتهما الذاتية من خلال حب السينما والانقطاع لعوالمها الفنية والجمالية.


وتأتي أهمية "بحب السيما" من خلال محاولته الجادة في ولوج أعماق أسرة قبطية، يتعرض الأب للمرض ويعيد اكتشاف نفسه ويفاجأ بأنه كان يخاف الله لا يحبه، وكان يقسو على نفسه وأسرته بلا داع، ويعلن في لحظة مواجهة مع النفس، وهو يخاطب الله أنه لا يحبه "أنا دايماً خايف منك، نفسي أحبك زي ما تكون أبويا". وتتغير علاقته بالله فتقوم على الحب لا الخوف، كما يغير معاملته لأسرته ويدخل السينما مع زوجته وابنه ويسود الأسرة جو من التسامح.

الأسرة هي نموذج مصغّر للحياة القبطية بعامة في المجتمع المصري لسبر أغوارها، والتعرّف على ماهيتها، والكشف عن حقيقتها الناصعة بما تنطوي عليه من تزمّت، وتشدّد، ونزعات أصولية هنا أو هناك. والكثير من النقاد والمتلقين الذين شاهدوا الفيلم، وجدوه لم يقتصر على الديانة المسيحية فقط، وإنما تمتد رموزه الدينية والإشارية إلى الديانات السماوية كلها.

لم يكن أسامة فوزي، الطالب في الفرقة الثالثة قسم الإخراج في معهد السينما، قد بلغ عامه الـ22 في العام 1983، عندما عمل مساعد مخرج في فيلم بعنوان "المتشردان"، وبعدها مجموعة كبيرة من الأعمال. إذ حاول خلال تلك الفترة، أن يعمل قدر الإمكان مع أكبر عدد ممكن من المخرجين، ليضيف عنصر الخبرة إلى موهبته الفطرية ويعمق رؤيته السينمائية ويضيف إلى اتجاهه ما يناسبه، منهم حسين كمال، نيازي مصطفى، حسن الإمام، أشرف فهمي، سعيد حامد، يسرى نصرالله ورضوان الكاشف.

4 تجارب
قال المخرج داوود عبدالسيد، إن أسامة له 4 تجارب إخراجية جريئة، في السينما المصرية، وأعماله دائماً تكون مرتبطة بوجهة نظره في الحياة، وليست مجرد أفلام تجارية، وذلك يكون أقرب إلى سينما المؤلف: "لم يتدخّل فى الكتابة أو الأفكار، لكنه كان يختار الأعمال التي تُعبّر عن وجهات نظره، ولم يُشارك في أفلام لمجرد التسلية". فبروح منفتحة، قرر فوزي أن يخوض أولى تجاربه الإخراجية بعد سنوات من العمل كمساعد مخرج، بـ"عفاريت الأسفلت" في 1996. في هذا الفيلم، يخبرنا فوزي قصة حي شعبي حيث تقطن مجموعة من سائقي سيارات الأجرة "الميكروباصات"، وهي فئة لم تحظ بحكايتها السينمائية المستقلة قبل أن يسردها فوزي في هذا الفيلم.

سائقو الميكروباص أو "عفاريت الأسفلت" كما يصفون أنفسهم، هم فئة من نوع خاص، ينتمون بشكل ما لطبقة فقيرة، لكنهم معتزون بأنفسهم بشكل كبير، متأنقون دائماً، وشغوفون باقتناص الحب أو انتزاعه. عمل عبدالله (جميل راتب) سائقًا لميكروباص والده عم علي، بالتناوب مع ابنه سيد (محمود حميدة)، وتظل شقيقته انشراح (سلوى خطاب) بلا زواج رغم تقدمها في السن، ومن هذا المنطلق، تلوح في الأفق شبكة معقدة من العلاقات المحرمة. فعبدالله يخون زوجته تفيدة مع أم رنجو صديق ابنه، وتخون تفيدة زوجها مع الأسطى محمد الحلاق المتزوج من بطة التي تخونه بدورها مع سيد، كما تتكون في الوقت ذاته علاقة حب بين انشراح ورنجو صديق شقيقها المقرب.

وبعد 4 سنوات خرجت التجربة الثانية أكثر جرأة وتحرراً من السينما قيود التقليدية المعتادة، لترسي تقاليد جديدة، حيث أصبح "جنة الشياطين" من أبرز العلامات السينمائية. تدور الأحداث حول "طبل"، وهو شخص قرر ترك أسرته الغنية وحياته المرفهة، ليعيش حياة بوهيمية تماماً وسط عدد من المهمشين، حتى يموت. وبينما تسعى ابنته حينها لمنحه جنازة لائقة بالعائلة، فإن أصدقاءه يسرقون الجثة تمهيداً لوداعه بطريقتهم الخاصة. عالم خاص يشاركه فيه أيضاً مصطفى ذكرى ومحمود حميدة عن رواية الكاتب البرازيلي خورخي أمادو، التي عالجها صناع الفيلم بالحذف والتعديل والتشويه، تماماً كما وصفوا ذلك بأنفسهم، لتصبح مناسبة تماماً للسياق المصري. 


أما فيلم "بالألوان الطبيعة"، فتدور أحداثه حول يوسف طالب بكلية الفنون الجميلة، الذي استجاب لنداء الموهبة وحب الرسم ضد رغبة الأسرة، التي كانت تحلم بالتحاقه بكلية الطب. وعلى مدار سنوات الدراسة داخل كلية الفنون الجميلة، تتغير شخصيته تماماً وتحدث حالة صدام بين الأفكار الدينية لدى الناس حول الفنون، خصوصاً النحت والرسم والنظرية الدينية المتشددة وموهبته كفنان. ومن خلال يوسف، يرصد الفيلم أشباحاً كثيرة تحوم حوله، مثل أساتذته في الكلية، الذين يشكلون نماذج بشرية مختلفة، وكذلك الطلبة وزملاؤه وشيوخن يفتون بأقوال ضد الفنون. ويظل يوسف يحارب كل الأشباح، التي تحيط به، محتفظاً بموهبته، التى تلفت انتباه كل من حوله.

وأثار هذا الفيلم جدلاً، حتى قبل عرضه في السينما، واعتبره طلبة كلية الفنون الجميلة مسيئاً لهم، خصوصاً أنه تناول الكثير من المشاكل الشائكة التي تتعلق بقضية الحلال والحرام، والتي باتت تحكم كل سلوكيات المجتمع.

انقسم النقاد والجمهور بين مؤيد ومعارض للفيلم، فالبعض رآه صرخة سينمائية كاريكاتيرية ترصد فساد المجتمع وفساد المؤسسة التعليمية، وآخرون اعتبروه فيلماً فيه الكثير من المبالغات والمزايدات والتي قد تصل إلى حد الفجاجة، مما قد ينفر البعض من الظواهر التي يعالجها الفيلم. وسبق أن تحدث مؤلف الفيلم هاني فوزي (شقيق المخرج) عن الحلال والحرام فى السلطة المطلقة من خلال فيلم "بحب السيما" الذي كان يحمل جزءاً من سيرته الذاتية وهو طفل. وهو ناقش في "بالألوان الطبيعية" الفكرة نفسها، لكن من خلال خبرته وتجربته كطالب فى كلية الفنون الجميلة.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

مقالات أخرى للكاتب