آخر تحديث:12:22(بيروت)
الأحد 09/09/2018
share

ثورة ماكرون ضد الميلانكوليا

جودي الأسمر | الأحد 09/09/2018
شارك المقال :
ثورة ماكرون ضد الميلانكوليا ما زال ماكرون حريصًا على إقناع الفرنسيين بنيّته لقلب فرنسا رأساً على عقب
في تداول يبدو سابقًا لأوانه، يرتبط اسم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالثورة. أكثر من قرنين يفصلان بين رئاسة ماكرون وثورة 1789 الاقوى حضورًا في تاريخي فرنسا وأوروبا، ولم تشهد ولايته الجديدة نسبيًا مؤشرات انقلاب واقعي يصحّ ربطه بهذه الكلمة. إلّا أنّ الرئيس الفرنسي امتلك من الجسارة ما كفاه ليقرن عنوان سيرته الذاتية بمصطلح "ثورة"، في الكتاب الذي أصدره في نوفمبر 2016 وصنع بالغ الأثر في حملته الانتخابية. مما لا لبس فيه أن ماكرون الرئيس ليس الفرنسي الوحيد الذي كتب سيرته الذاتية، وليس وحده من بين الرؤساء من يشغل الأدب حيّزًا خاصًا بين اهتماماته. لكنه الرئيس الوحيد الذي أصدر سيرة ذاتية قبل توليه الرئاسة، فساعدته ليبتكر للناخبين علامة مسجلة بصورة رئيس فرنسي شاب عمليّ  ويفكّر ويكتب في آن معًا، ووصف مساره ب"الثورة" تبشر بقلب الوضع القائم.

وتتمدّد علاقة ماكرون- الثورة في كتاب جديد للصحافية الأميركية صوفي بيدير بعنوان "الثورة الفرنسية- إيمانويل ماكرون والسعي لاعادة اختراع أمّة" (Révolution française- EMMANUEL MACRON and the Quest to Reinvent a Nation). يدرج الكتاب في سياقه التحليلي مقتطفات من مقابلات أجرتها المؤلفة مع ماكرون منذ تعيينه نائبًا للأمين العام لرئاسة الجمهورية الفرنسية لدى فرنسوا هولاند، ثمّ مرافقته عن كثب خلال انتخابات الرئاسة عام 2017، حيث دُوّنت مشاهدات وتصريحات مباشرة ارتكز عليها المضمون الذي يتدرج في عشرة فصول قسمت مسار الرئيس الى قسمين: "الغزو" و"القوة"..

هذه الأخيرة أنتجت ما أسمته بيدير بـ"الماكرونيّة"، أكّدها ربط الكاتبة لهاتين المرحلتين بمنعطفٍ عنونته بـ"جوبيتر يُشرق" (Jupiter Rising)، في استعارة مضمرة تقارب بين ماكرون، رئيس الجمهورية الخامسة في فرنسا، والمُشتري، الكوكب الخامس بين كواكب المجموعة الشمسية وأكبرها وأكثرها وهجًا.

وبين ادراج تفاسير لمحللين سياسيين، وقراءة للسياستين الفرنسية والاوروبية، يحافظ الكتاب على كلاسيكية مضمونه، ملتزمًا حيّز المتوقّع والمنطقي. إنّما يبرز الجديد في المضمون، في أحادية موضوعاتية ترهن كلّ هذه المعطيات الى تطوّر الفكر السياسي الفرنسي على ضوء قراءة متدرجة للأدب الفرنسي، الذي عكس بمجمله ومنذ الأزل، حالة "ميلانكوليا" فرنسية مسيطرة، اشتدّت بعد تفجيرات سان دينيز ووقوع فرنسا في عين العاصفة الارهابية، مقابل إشراق خطاب سياسي ماكروني مطعّم بلغة تجديدية قال فيها الأديب البلجيكي إريك إمانويل شميت أنها "تتحدى لغة المكان والزمان وتصمد أمام الهزات والأزمات وتسمح لصاحبها (ماكرون) بأن يخترق الحدود الضيقة".

وانسجمت هذه النزعة التقدمية مع انتعاش مصطلح "الدغاجية" خلال الانتخابات الأخيرة التي شهدت إزاحة رموز السياسة التقليديين أمثال ساركوزي وجوبيه وفيون وفالس، وإطاحة أحزابهم، ما ساعد في بلورة الدغاجية كتيّار فكري هيمن على المشهد السياسي الفرنسي، بحيث درجت الدغاجية على ألسنة الجميع، للاشارة الى رفض الناخبين لسياسييهم والرغبة في تنحيتهم عن مراكزهم، ليستبدلوهم بمرشحين جدد يحملون الأفكار والآمال جديدة للناخبين المحبطين.

فهم ماكرون بوضوح طغيان تلك السيكولوجيا، فكسب الرئاسة في قدرته على التناسب مع مزاج الدغاجية، أو بتعبير أكثر دقة، في قدرته على إشعال تفاؤل لطالما استعصى على فرنسا. فقد أطلق ماكرون حزب "الى الأمام" في اجتماعات سرية تنقلت بين شقته، والمقاهي الباريسية، ومجموعات "تلغرام" المشفرة في فترة من التوعك الفرنسي العميق، حين كانت البلاد رازحة تحت حالة طوارىء منذ وقوع الهجمات الارهابية الدموية في نوفمبر/تشرين الثاني 2015، استتبعت بمزيد من الدماء التي راعت الفرنسيين في العام 2016. وهم- أي الفرنسيون- يرتاحون للكآبة. يلوذون بها. يتعاملون مع الكآبة كرمز للهوية الوطنية، بينما التفاؤل، كما رآه فولتير في مسرحيته كانديد "هو جنون الاصرار على أن كل شيء جيد عندما نكون بائسين". وكان الفرنسيون الرومنسيون يستمتعون بالحزن، وكرّسوه لازمة لمؤلفاتهم. فـ"الميلانكوليا"، حسب فيكتور هوغو، هي سعادة أن تكون حزينًا. ولاحقًا في القرن العشرين، ظهرت العصبة الادبية اليسارية التي انجذبت الى مقاهي سان جيرمان دي بري وقادها جان بول سارترالذي سلّم المخطوطة الأصلية لكتابه "الغثيان" الى دار غاليمار بعنوان "ميلانكوليا". أمّا الفيلسوف من مدرسة الأساتذة العليا مونيك كانتو-سبيربر، فتنقل المؤلفة عن لسانه أنّ هذه النظرة متمخضة عن تدريب فلسفي فرنسي فقال "إن التقليد الديكارتي جعلنا مشكّكين"، مضيفًا " ننظر لأولئك المملوؤين بالأمل على أنهم سُذّج". وجميع خرّيجي البكالوريا الفرنسيين خضعوا لمسابقات في الفلسفة ذٌيّلت بسؤال عن التفاؤل من نوع "هل الانسان محكوم بخداع ذاته؟".

لكن، بحلول العام 2016، تورطت فرنسا في حال من الكساد تخطّى إرادتها. لأكثر من عقد من الزمان، دأب المفكرون والأكاديميون الفرنسيون على تشريح أسباب ما لقبّوه بالوعكة الفرنسية (Le mal français): تفتّت المجتمع، وانهيار القدرة التنافسية الاقتصادية، وانخفاض في التأثير الدبلوماسي، وخسارة في الوهج الثقافي. وتشير صوفي بيدير الى أن الكتب التي تحمل عناوين مثل "أوهام غالية"، و"الانتحار الفرنسي" و"الهوية غير السعيدة" صارت من أكثر الكتب مبيعا. وبعدما نشر جاك جوليار كتاب "المرض الفرنسي"، ألحقه مارسيل غوشيه بمؤلفه "فهم المرض الفرنسي". وبرز الاضمحلال (déclinisme) كتخصص أكاديمي صاعد.

بالمقابل، جاء تفاؤل ماكرون كعلاج صادم، كمنشّط عميق.. المؤلّفة التي بذلت جهدًا توثيقيًا كبيرًا تقول على سبيل المثال أنّ "ربيع التفاؤل" حلّ عنوانًا للخطاب الذي ألقاه ماكرون في وزارة المالية قبل أسابيع قليلة من إطلاق حزبه "الى الأمام".

ولا تشخّص "الثورة" في أفكار خارجة عن الاطار بقدر تجلّيها في أسلوبه. كان من الممكن اقتباس نهج ماكرون من الحملات السابقة المتفائلة، في فرنسا (فاليري جيسكار ديستان عام 1974 ؛ ميتران عام 1981) أو في الخارج (بيل كلنتون عام 1992؛ وتوني بلير عام 1997). أو حتى من المسلسل التلفزيوني "ويست وينج"، الذي يقال إن العديد من مستشاريه الشباب شاهدوه مرارا وتكرارا. ولم تكن تصريحات ماكرون، التي "ألقيت على أمل أن" أو وعدت "بمستقبل جديد"، مبتكرة ولا بليغة. حتى أولاند، كان قد تعهد "بإعادة سحر الحلم الفرنسي". السبب وراء نجاح هذه الرسالة في حالة ماكرون هو أنها أوحت بصدقها. كانت الخطابات تطابق شخصية المرشح، وطبيعة مغامرته السياسية. طُرِحَ حزب "الى الامام" كتجسيد للتفاؤل، الى حدّ حمل الروائي الفرنسي ميشيل ويلبيك، في هذا الكتاب، لاعتبار أن ماكرون أتاح" شكلًا من أشكال "العلاج الجماعي" للشعب، نوعًا من التفاؤل الجماعي العلاجي" الذي قلب الوضع القائم كما ثورة 1789 التي أنهت الاوليغارشية المطلقة.

في ضوء ما تقدم، يشكّل قسما الكتاب "الغزو" و"القوة"، في حال ماكرون، وجهين لعملة واحدة. فـ"القوة" هي شكل من أشكال "الغزو" الفكري للفرنسيين، لإيقاظ روح التفاؤل والطموح لديهم. إن قراءة غير أفقية للكتاب وحدها تتيح استنباط مساحات "ثورة" متداخلة، ومتقطعة، تشق طريقها الى كلّ فصوله. وأيًا تكن انتصارات وهزائم عهد عمره 15 شهرًا، لا يزال ماكرون حريصًا على إقناع الفرنسيين بنيّته لقلب فرنسا رأسًا على عقب، وبأن السياسة قادرة على احداث التغيير، حاملًا بين يديه مرآة رفعها أمام الفرنسيين ليروا أنفسهم في صورة تفاؤلية، هي بحد ذاتها "ثورة" ضد تقليدهم الفكري.  

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها