آخر تحديث:11:28(بيروت)
الخميس 27/09/2018
share

"كفر ناحوم".. هشاشة الإنسان اللبناني

منير الربيع | الخميس 27/09/2018
شارك المقال :
"كفر ناحوم".. هشاشة الإنسان اللبناني سؤال زين عن الله، هو النقدّ البنّاء لثقافة ينشأ عليها أطفال هذه البقعة من العالم
يبحر ماريو فارغاس يوسا في كتابه "حلم السلتي"، بقارئه إلى أدغال الامازون، مستكشفاً عبر السير روجر كيسمنت، العبودية الغربية تجاه السكان الأصليين. ويروي خالد حسيني في روايته "عدّاء الطائرة الوقية" تاريخ أفغانستان، قهر مجتمع منسي لم يصوّر إلى خارجه سوى طالبان. العبودية في في كتاب يوسا، والقهر في رواية حسيني. يسلّطان الضوء على استعباد غير ظاهر. يرويان شواهد وحقائق غير معترف بها. وقبل سنوات، خرجت كاتبة فلسطينية أردنية اسمها ايمان السعيد في مسلسل "سحابة صيف"، تختصر حلقته الأخيرة واقع اللجوء الفلسطيني، مع تنبؤ بما قد يصيب السوريين، وهذا ما حصل بعد المسلسل بسنوات. تآخى الفلسطينيون والسوريون في اللجوء، وفي التيه بحثاً عن مأمن.

في كفر ناحوم، تمزج نادين لبكي عبودية الأمازون، بالقهر الأفغاني. أنسنت لبكي قهر الاستعباد والإبتعاد. استعباد الاهل للأبناء، وابتعاد الآخرين عن الأولين. عميق مضمون النص. يدمج بين فلسفة الوجود والبقاء، وجدلية الحياة بسببها وغايتها، استناداً إلى تفاصيل مخفية، أو لم يبلغها أحد أحد. تماماً كما بلغت كاميرا لبكي تابوهات لبنانية، لم يكن يسمح "بريستيج" اللبنانيين أن يظهر إلى الخارج. من تحت جسر "العدلية"، حيث ينتفي كل ما له علاقة بالعدالة، إلى الأحياء الفقيرة في بقع بيروتية منسية.

الصدمة التي تحدثها لبكي، أكبر من أن يحتملها المجتمع اللبناني الهش. لا الإيغو اللبناني يسمح بتصوير مخيمات أو عشوائيات لبنانية كالنبعة وبرج حمود، لأن سمة المخيمات خاصة بالفلسطينيين والسوريين... ولا ثقافة الدراما التلفزيونية اللبنانية تسمح بالإضاءة على حالات إجتماعية رثّة، أو منعدمة. للدراما مفهوم لبناني خاص، يتعلّق بتصوير القصور الفارهة. صدمة لبكي، واقعيتها وإنسانيتها. ونجاحها يتركز على إظهار الحقيقة. حقيقة إنسانية يرفضها اللبنانيون ويرفضون الإعتراف بها أو التعاطي معها.


آلاف اللبنانيين يعبرون يومياً على طريق العدلية. معظمهم لا يعرف أن تحت هذه المستديرة، ثمة نفق حوّله لبنان إلى سجن، وبالأحرى هو عبارة عن مستودع لتكديس البشر، بلا أسماء أو بلا أوراق. تعرّف عنهم جنسياتهم أو بشرتُهم. من يُحبَس تحت هذا الجسر، يسقط عنه جواز السفر. جنسية المحتجزين، قلوبهم. تلك القلوب وبعض الأنفاس المختنقة، وحدها تذكّرهم بإنسانيتهم، وبعض من الشوق لأحباء أو أقرباء أو أبناء سلخوا عنهم. اقتحمت لبكي بعينها ونصّها ذلك المهجع، هناك حيث تقبع حكايا الناس وحقائقها. بعيداً من الشاليهات والمسابح. على الأرض وليس على شرفات القصور. بثياب مهترئة، وجنسيات مختلفة، وليس بفساتين وحليّ.

تمرّ طريق كفرناحوم على مسامع نيام يحرمون النوم. من العشوائيات الفقيرة، ومجتمع بلا أوراق، إلى تحت الجسر. وكأن مجتمعاً حكم على هؤلاء بعدم عبور الجسر، بل الرزوح تحته. من أطفال يتفيأون بظلال الجسر للتسول، إلى نهاية الطريق تحته. "زين" و"تيغيس"، يمثلان عشرات الآلاف في لبنان، والملايين حول العالم. جسّدتهم لبكي في قالب يتكلّم. يوسا والحسيني، اكتفيا بسرد وقائع ومواجع. فيما ذهبت لبكي إلى نسف البنية المجتمعية والثقافية بكلّيتها. من التلاحم بين البشرتين البيضاء والسوداء، إلى التركيز على تناقض كتناقض الليل والنهار، فيهتمّ صاحب البشرة البيضاء بطفل لونه داكن، على عكس ما هو معهود لبنانياً ومكرّس في منطق نظام عبودية الكفالة، الذي يضع مستخدمة سمراء في خدمة أبناء البيضاء.

وأكثر، تذهب لبكي بعيداً في السوسيولوجيا. أن يطرح طفل سؤالاً حول أسباب الولادة. أو حول الله وما يريده من بشر يريد أن يحوّلهم إلى "مماسح". سؤال زين عن الله، هو النقدّ البنّاء لثقافة ينشأ عليها أطفال هذه البقعة من العالم، وجسّدها طفل سوري لحظة إنقاذه من تحت الأنقاض بأنه سيخبر الله بكل شيء. الله الذي يشهد على إبادة شعب، وتتظلل به أحكام لسلخ أبناء عن أمهات. الله بالنسبة إلى هؤلاء هو إله من ورق. ورقة ثبوتية. أو جواز سفر. تختصر لبكي قيمة الإنسان في لبنان، إنها بهشاشة ورقة، أو بلون صورة.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها