آخر تحديث:11:20(بيروت)
الإثنين 24/09/2018
share

"أطوار العمران": حوارات فنية محدثة بين طرابلس والمكسيك

جودي الأسمر | الإثنين 24/09/2018
شارك المقال :
"أطوار العمران": حوارات فنية محدثة بين طرابلس والمكسيك "أطوار العمران" تجسيد فني حديث لقراءة قديمة في الحضارات
اخترق معرض "أطوار العمران" حال الركود المهيمنة على معرض رشيد كرامي الدولي (طرابلس-لبنان)، في نقلة تعيد تأطير منشآت المعرض في قيمتها الفنية التي تكاد تندثر من ذاكرة العمارة الحديثة. يمتدّ المعرض الى قلعة طرابلس الأثرية، ما أتاح حوارًا متناغمًا بين موقعين نشآ في تباين زمنيّ، بين الحداثة والتاريخ، حيث توسّل 18 فنانًا من لبنان والمكسيك الفن للتفكّر في الحلقات الزمنية التي حذاها العالم وفي دورات التهالك والانهيار. الأعمال العشرون التي تنوعت بين التجهيزات الصوتية والبصرية، والمجسمات، والأفلام، اجتمعت لتنافي الادراك الحديث الذي يعتقد بالتطور الخطي للعالم، وبأن التطور هو النتيجة الوحيدة الممكن لمرور الزمن.

"أطوار العمران" تجسيد فني حديث لقراءة قديمة في الحضارات يعود الى المؤرخ ابن خلدون الذي خلص الى أنّ الدورات الزمنية تتحرك كالحلقة أو الدائرة، لتعود الدراسات مؤخرًا الى تبنّي النظرية القديمة التي تخضع الكون الى نمط دوريّ يراوح بين حياة الحضارات وعمرانها من جهة، وموتها ودمارها من جهة أخرى. 


افتتح معرض "أطوار العمران" (Cycles of Collapsing Progress مساء السبت 22 أيلول في رعاية وزارة الثقافة ومؤسسة ميقاتي الثقافية، ومكتب منظمة اليونيسكو في بيروت، بتنظيم من بيروت متحف الفن (BeMA) ومنصة STUDIOCUR/ARTC ويستمر شهرًا حتى 23 تشرين الأول). وتتكشّف، في قلب اشكالية التطور الحضارية التي يطرحها المعرض، استفهامات يطرحها الفنانون اللبنانيون والأجانب حول مصير معرض رشيد كرامي الدولي (سابقًا معرض طرابلس ثم معرض لبنان الدولي في طرابلس) والذي يعتبر احدى اهم تركات العمارة الحديثة في الشرق الأوسط، ليصحّ، في هذا الصدد اتخاذ معرض رشيد كرامي مثالاً مجهريًا لجدلية التطور-الانهيار الحضاري.

وتتفرّع احدى مسببات التهالك الى استنزاف تدريجي يمارسه البشر بالمنظومة البيئية للأرض من خلال الانخراط في عملية تصاعدية من التصنيع والاستهلاك والتخلي عن الطبيعة، جسّدها الفنان اللبناني زاد ملتقى في قبة "رشيد كرامي الدولي"، ضمن تأليف وتجهيز صوتي بعنوان "لا تسقط، لأن من سقط سيسقط الى الأبد" استوحاه من أسطورة "الشموس الأربع" الازتيكية.

بخلافه، يعطي المكسيكي غابرييل ريكو، تفسيرًا لدورات الحياة الطبيعية من خلال أساطير تجعل الانسان مركز الكون وقلبه، فعنون عمله بـ"الابن الضال" الذي ضلّ عن معرفة تمكنّه من خلق ماهية مستدامة. ويشير داميان أورتيغا، في تجهيز "حصاد"، الى تطور اللغة التي تتبع الثقافات والمجتمعات، وبالتالي خطر أن تتلاشى كالحصاد الذي يذوي إن لم يُقطف.
 

ويقدّم المكسيكي خوسيه دافيلا، بحثًا عن مركز للجاذبية، خارجي، يناقض نظرية الجاذبية لدى نيوتن، في تجهيزه "خطأ نيوتن". ويتموضع أيضًا المجال المغناطيسي للأرض في علاقة مع دورات الشمس الحرارية في تجهيز بصري بعنوان "لفحة شمس"، ابتكره اللبناني روي سماحة. فيما اعتبرت اللبنانية ستيفاني سعادة، أن القمر في تغيراته يحل بمثابة روزنامة ثابتة لدورة التحرك والتبدل، فصنعت "ذهب القمر" الذي تألف من ثلاثين قمرًا طلت صوره برقائق الذهب بعدما رصدته في بيروت وباريس وأثينا والمكسيك. أمّا مشروع فريتزيا إيريزار (بلا عنوان) بُطلان مخطّط له"، فيجد في قلب الحضارات الانسانية نفسه الاجابة على ثنائية البطلان والتوازن، تنسجم معها فكرة أورتيغا "ضابط الكون" في سيطرة التقنيات التكنولوجية الى جانب الانسان الذي يعتبره مركز الكون. وفي مجال التطور التكنولوجي عينه، يقدم العراقي جلال توفيق، فيلمًا ثلاثيًا "الماتريكس للذكاء الاصطناعي وغيره". وفي فيلم "القلق" يتخذ اللبناني علي شرّي، من جيولوجيا بلده، مثالًا لتأثير ما تحت الأرض في التسبب بالحطام والكوارث. أما جانب النهوض المجتمعي فعالجه خورخي مينديز بليك في فيلمه "اللامكان هو مكان حقيقي" حيث يربط مفهوم توماس مور التجريدي "اليوتوبيا" بيومياته في الصين وتايلاند واليونان ودول اخرى.   


من ناحية أخرى، ينفرد المكسيكي إدغاردو أراغون في تحسس مشكلة محلية يعانيها نجوم الراب الطرابلسيين الذين لا يتمتعون بأوراق ثبوتية بسبب خلل في النظام. فيتعاطف معهم بعمل سمعي-بصري بعنوان "ميوت"، يتيح للزائر الدخول الى حقل غنائي للاستماع الى نجوم راب من دون رؤية وجوههم.

في المقابل، تطرق المشاركون من لبنان الى تاريخ وأفق استثمار منشآت معرض رشيد كرامي، فصنعت لمياء جريج تجهيزاً صوتياً متعدد القنوات يصل بين أصوات سجلتها في ضجيج طرابلس وصخبها، وأصوات رصدتها في جو المعرض المتوحد فحلّت تحت اسم "طرابلس.. تبدّلات المشاهد الصوتية من المدينة الى المعرض". كما قدّمت جريج "وصفاً لنصب تذكاري" بديلًا من الألواح التقليدية التي توضع عند مداخل الاماكن العامة، لتطرح في مزيج بين الكتابة والرسم، مستقبل المعرض المبهم. وكذلك فعل كلّ من جوانا حاجي توما، وخليل جريج، في "متحف الفضاء" الذي يحاكي متحفًا فضائيًا مخفيًّا اكتشفه الفنانان خلال زيارة لهما تحت مهبط المروحيات في المعرض. ويضاف الى المتحف مشروع "النادي اللبناني للصواريخ" الذي أقام التجارب الفلكية، وأطلق في عهد الرئيس فؤاد شهاب عشرة صواريخ في الفضاء. فأنتج الفنانان فيلمًا وسلسلة من الاعمال الفنية تتناول "نشوء وارتقاء مفهوم غزو الفضاء" على حد تعبير نيامير. أمّا اللبناني مروان رشماوي، فأعاد انتاج قبّة المعرض المهيبة من خلال مادة صمغية شفافة (الراتينغ) في دلالة الى مثالية هذا الحيّز كمكان عامٍ في البلاد، لكنّه في نفس الوقت حصين وغير متاح.
 

وتُعرض في قلعة طرابلس أعمال فنية للبناني هايغ أيفازيان، تستند الى قطع ثقافية ومعمارية معاصرة تتمحور حول انعكاسات ضوء الشمس، ومحصلة الظلال والسراب، وانكباب الفنانين المستشرقين على رصد الشمس خلال رحلاتهم الى بلادنا، فتحلّ الشمس كمحرّك غير بشري للتاريخ. وينتقد محاصصات السلطات والبلدان الكبرى في امتلاك الارث الثقافي المحلي، فحلّ عمله بعنوان "روما ليست في روما". وليست "أرجل من طين"، لريان تابت، سوى قطع من أعمدة معروضة في وضعيات أفقية وعمودية، للدلالة الى التباين العمراني بين البيت وناطحة السحاب.

وتشق النظريات الفيزيائية طريقها في أعمال فنانين مكسيكيين. إذ عبّر إيمانويل توفار في "نصب للامادية"، عن القدرة على بلوغ معنى تجريدي وغير ملموس بأسلوب بناء الحضارات، مجسدًا اياه باختلاف متدرج لنحوت الصخور بين أشكال هندسية عديدة وصولاً الى شكل لامنتظم. ويقتبس بابلو دافيلا، من الثوابت الفيزيائية الستة وعشرين، مشاهد بصرية وصوتية متبدلة كل يوم، قائمة على ميترونوم ومرايا معلقة، معتبرّا أن "الكون سيمفونية لايقاعات مختلفة. ونحن لسنا سوى نغمات".


تتآلف المواضيع بين أعمال الفنانين اللبنانيين والمكسيكيين، وتدور حول ثنائية الحياة/الموت الحضري والحضاري التي اتخذت في احدى أوجهها من معرض رشيد كرامي نموذجًا، الى جانب تجسيد فني لنظريات فيزيائية تصبّ في دورة التطور نفسها. وفي سؤال من "المدن"، تعزو القيّمة على المعرض، كارينا الحلو، اختيار هذه الثنائية اللبنانية-المكسيكية الى "اشتراك البلدين في أزمات سياسية واجتماعية تنذر باضمحلال كارثي إن لم يجرٍ تداركها". ولا تتلخص هذه المبادرة في المعرض، بل تأتي تكليلاً لـ18 شهراً من التبادل الثقافي والاقامات المتبادلة بين فنانين من لبنان والمكسيك، مهّدت للتأمل وتبادل الآراء حول موضوع المعرض.


(*) تتزامن مع المعرض جلسة نقاش بعنوان "معرض أوسكار نيامير في طرابلس: تراث حديث في خطر" ستنعقد في متحف سرسق في 27 أيلول، وجلسة أخرى في 10 تشرين الأول بعنوان "المهندس خوان بالومار يتحدث عن لويس باراغان" تستضيفها جامعة العزم في طرابلس، وعرض فيلم "الماتريكس للذكاء الاصطناعي وغيره" لجلال توفيق في سينما متروبوليس أمبير صوفيل بين 24 و27 أيلول الجاري.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها