آخر تحديث:12:43(بيروت)
الجمعة 14/09/2018
share

في شنغهاي.. لا طعام صينياً

شادي لويس | الجمعة 14/09/2018
شارك المقال :
  • 0

في شنغهاي.. لا طعام صينياً ديزني لاند شنغهاي ليس المعلَم الوحيد... "كل شيء هنا أميركي، للأسف"
"هل تريد أن تذهب إلى ديزني لاند؟"، كانت "يان"، نصف ساخرة، حين سألتني. فمدينتها، الأكبر في العالم، كانت قد أكملت اندماجها في سوق المتعة المعلوم، بإعلانها افتتاح منتجع والت ديزني الترفيهي، قبل عامين، والذي زاره 11 مليون شخص العام الماضي وحده. "أعرف أنك لم تأتِ إلى شنغهاي، لترى معالم أميركية... لكن كل شيء هنا أميركي، للأسف". 

كانت رفيقتي الجديدة، التي تطوعت لمصاحبتي في يومي الأول في مدينتها، ما زالت تسخر. لكن ما قالته كان صحيحاً إلى حد كبير، فالمطاعم والماركات الأميركية في كل مكان، وتمثال الحرية مطبوع على الملابس، واللكنة الأميركية تسمع في كل خطوة في المدينة. في الليلة السابقة، وبعدما وضعتُ أمتعتي في الفندق، خرجت إلى وسط المدينة لتناول عشاء خفيف، واستغرق الأمر أكثر من ساعة من التجول، حتى وجدت أخيراً مطعماً يقدم طعاماً صينياً. ولم يكن في الحقيقة مطعماً، بل كان فرعاً لأحد محلات الوجبات السريعة. "من الصعب أن نجد طعاماً صينياً في شنغهاي"، قلت لـ"يان" التي ضحكت لنكتتي، وأكملتها بدورها: "ولا فايسبوك ولا غوغل أيضاً". 

اصطحبتني مضيفتي إلى ضفة "باند" الشهيرة، والتي تطل على واحدة من أكثر المشاهد العمرانية إبهاراً، ليس بفضل ثاني أعلى مبنى في العالم فحسب، بل معه خط الأفق الذي ترسمه قمم 150 ناطحة سحاب، وأكثر من ألف مبنى شاهق، تحجب الشمس، مخترقة ضبابية غبار التلوث الثقيل. لا تشبه شنغهاي أياً من الصور التي يمكن للمرء أن يتصورها من ذاكرة الأفلام الوثائقية عن "الثورة الثقافية"، أو "القفزة الكبرى". هناك فقط تمثال لماوتسي تونغ، على ضفة النهر، وبدا وكأنه قد أُخفي عمداً عن الأنظار.



قررنا الانصراف سريعاً. فحرارة أغسطس والرطوبة العالية، كانت أثقل من أن تُحتمل. مررنا بمبنى "سيتي بانك" الشاهق، في طريقنا إلى محطة المترو. وسألت "يان"، بقليل من التوجس من ردّ فعلها: "ما الذي تبقى من الشيوعية في الصين؟"، فعاجلتني بواحدة من قفشاتها الحادة والسريعة، وهي لا تتمالك نفسها من الضحك: "الحزب... الحزب الشيوعي". كانت هذه هي الإجابة التي تلقيتها كلما طرحتُ هذا السؤال خلال زيارتي.

داخل الأنفاق، كان علينا أن نعبر بوابة كشف المعادن، وأن نخضع للتفتيش الذاتي، كما أن حقائبنا فُحصت، ووضعت زجاجات المياه البلاستيكية التي نحملها، داخل جهاز خاص للفحص لم أصادف مثله من قبل. كانت تلك الإجراءات الأمنية المبالغ فيها، والتي تُطبَّق على كل الركاب، تُمارس بقدر كافٍ من اللطف لتخفيف وطأتها، مع الكثير من الابتسامات على وجوه الشرطيات اللواتي حدثنني ببعض الكلمات الإنكليزية، في حزم مصطنع. كان طابور التفتيش الطويل هذا، كفيلاً بتذكيري بأني في الصين. لكن المحطات التي تبرق من فرط النظافة والعناية، وقطاراتها التي تصل بدقة الثانية، وعرباتها المكيّفة والمريحة، ذكرتني بمقولة أحد الأصدقاء البولنديين والذي كان يعيش في شنغهاي قبل عام: "حين تستقل المواصلات، تشعر وكأنك انتقلت إلى المستقبل، وحين ترجع إلى أوروبا، يبدو الأمر وكأنك تعود إلى الماضي".



وهو لم يكن يبالغ أبداً. فشنغهاي تتباهى بامتلاكها أسرع خط للقطارات في العالم. وإن كنت أظن أنه لو كان هناك ما يجب أن تتباهى به المدينة، فيجب أن تكون دورات المياه العامة المجانية وشديدة النظافة، الموزعة كل بضع مئات من الأمتار في الشوارع، وعلى كل رصيف للمترو. عرفت لاحقاً أن هذا ما يطلق عليه الجميع "ثورة الحمّامات". ولم تفوِّت "يان" فرصة للسخرية: "لم يكن أمام الحكومة أي خيار آخر، نحن 30 مليون نسمة، تخيّل لو بدأنا في التبول في الشوارع.. ستغرق شنغهاي!".

كان نصب "اللاجئين اليهود" محطتنا التالية. والمتحف الصغير الذي يخلِّد ذكرى ألوف من اليهود النمساويين الفارين من النازية، والذين رفضت السفارات الأوروبية منحهم تأشيرات واستقبلتهم شنغهاي بفيزات "إنقاذ الحياة"، كان شاهداً على كوزموبوليتانية تاريخية، تفتخر بها المدينة إلى اليوم. وعلى الجانب الآخر من الطريق، كان مبنى السجن الأول الذي بناه البريطانيون هناك، تذكيراً بالطريقة التي فُرضت بها تلك الكوزموبوليتانية. لم يُسمح لنا بدخول مبنى السجن التاريخي، فالحكومة الشيوعية كانت قد حولته إلى سجن لخصومها، بعد "حرب التحرير"، فكما أخبرتني مضيفتي بكل حماس: "نحن نستفيد من منجزات الغرب، ولا نتخلى عن خصوصيتنا".

في الطريق إلى متحف الفنون، وجدت "يان" فرصتها للشكوى. فكلفة التعليم الخاص، لأبنها الوحيد، عالية جداً، وتستهلك جزءاً كبيراً من دخل الأسرة. فرغم أن الحكومة هجرت سياسة "الطفل الواحد"، بل وتشجع الآن على الإنجاب، فالكثير من عائلات الطبقة الوسطى تفضّل أن تظل بلا أطفال، أو تنجب طفلاً واحداً على الأكثر. أفلتت مني ضحكة، حين اشتكت "يان" في آسى، من أن تداعي أسعار الأسهم الصينية، دفعها إلى بيع شقتها في إسبانيا، وأنها منذ ولادة ابنها، توقفت هي وزوجها عن قضاء الإجازة السنوية في نيويورك. كانت شكاوى صديقتي الجديدة، المنتمية إلى طبقة تقنية معولمة، مألوفة إلى أقصى حد: ارتفاع كلفة السكن، التأمين الصحي، التعليم الخاص للأولاد، واهتزاز قيمة سلة الأسهم في صندوق المعاشات، وضيق الوقت.. شكاوى عالم أول، بامتياز.

في المتحف، لم يكن هناك الكثير مما يلفت الانتباه، سوى المبنى نفسه. فالهرم المقلوب بطوابقه ذات الأسقف شديدة الارتفاع، هو الأكبر في آسيا. لكن القاعات، غالبيتها مغلقة، أو شبه خالية. بعض الفنون التقليدية المكررة بحد أدنى من التجديد، والقليل جداً من فنون "الدعاية" الشيوعية، من زمن يبدو أنه ذهب بلا رجعة.

في القاعة الأخيرة، لوحة كبيرة لماوتسي تونغ، وحيدة على شاطئ البحر، لكنها موضوعة في ركن جانبي. وفي صدر الصالة نفسها، لوحة تذكارية ضخمة للرئيس الصيني الراحل دينغ شياو بينغ، مع جيمي كارتر، أثناء زيارة الأول التاريخية للولايات المتحدة. كان العلم الأميركي في اللوحة إلى جانب العلم الصيني الأحمر، والابتسامات الواسعة على الوجوه، أكثر ما تلتقطه العين في لوحات القاعة. بروباغندا الانفتاح على العالم طاغية على سواها.

ودعتني "يان" بتعليق أخير عن "بينغ": "كان يقول، لا يهمني لون القطة، بيضاء أو سوداء، المهم أنها تصطاد الفئران"، وأخبرتني أنه كان رجلاً حكيماً. وكان هو فعلاً من اختار الرأسمالية، لأنها تصطاد الفئران أفضل من غيرها، وانفتح على العالم. وتذكرتُ ساعتها أنه كان أيضاً المسؤول عن مذبحة ميدان السلام السماوي، وودعتُ بعدها رفيقتي. 
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها