آخر تحديث:11:38(بيروت)
الخميس 13/09/2018
share

رشيد طه...المتخفف من الأوطان وكاسر القيد

سارة عابدين | الخميس 13/09/2018
شارك المقال :
  • 0

رشيد طه...المتخفف من الأوطان وكاسر القيد لم يحاول طه الاستفادة من نجاحاته أو تكرارها
أصوات الدفوف والطبول المختلطة بأصوات الغيتارات في ما يشبه البداية الطقوسية لحدث ما، قامته المديدة، قميصه المفتوح، شعره الذي يتحرك حول وجهه مثل هالة، هيئته الغجرية البوهيمية المتخلية عن أي رغبة في الإعجاب، المختلطة بغرور يبدو محبباً ومثيراً.


تلك كانت الصورة الأولى التي رأيت رشيد طه عليها في أغنيته الأشهر "يا الرايح" على شاشة التلفزيون، كانت بداية الموسيقى تشبه إيذاناً بالثبات أمام الشاشة، التي نقلت حركة طه الراقصة الجذلة على المسرح. ذلك التناقض بين تحيته للجمهور باللغة الفرنسية في بداية الأمر، ونطقه الرجولي البدوي الأجش لحرف (العين) في كلمة (شعال). تلك الرجولية التي تحمل بداوة وصحراوية محببة. صرخاته المنطلقة مع الموسيقى وكأنه يصل إلى أورغازم موسيقي، يفصله عن كل ما حوله.

لم يرغب طه أبداً في تقديم صورة مهندمة أو كاذبة أو مزيفة عن نفسه، بل كان يُطلق موسيقاه وروحه للعالم، كلقيط وحيد ومشرّد لا يلتفت للمظاهر الاجتماعية، ولا يهتم بها، متسكعاً، مغامراً، يغني لنفسه قبل أن يغني للجمهور، متطرفاً عن تلك الصورة النمطية للمغني المهندم اللزج، أملس الوجه، مزجج الحاجبين، الذي يغني للحب في صورته الأكثر تكراراً وغباءً.

ربما كان طه في الموسيقى معادلاً لصموئيل بيكيت في الأدب، وفان غوخ في الفن التشكيلي، فناناً عدمياً متخلياً عن الحياة، متشبثاً بها، تجريبياً ذلك التجريب الذي لا ينتظر النتائج، تجريب يهدم كل الثوابت، ويزيحها تماماً، ويرسخ لفن وموسيقى شخصية، تعبّر عن صاحبها بفرديته ووجوده الإنساني الذي لا يشبه أحداً. التجريب الذي لا يحول الفن إلى سلعة تجارية.


رشيد طه بقبعته، وحركته الحرة على المسرح، وكلماته المنغمة الملغزة، يترك أثراً شخصياً في كل من يستمع إليه. يكتب الأغاني ويمزج الموسيقى بروح ثورية، تجعل موسيقاه تشبه عملاً فنياً متعدد الطبقات لا يمكن تأويله ولا إدراكه من الاستماع الأول. دعَم الموسيقى العربية والمصرية والجزائرية الكلاسيكية بموسيقى الراي، وموسيقى البوب والروك، ليمزج الموسيقى المعاصرة الحديثة مع الموسيقة التراثية البدوية التي تشبه عمق رشيد طه، الفنان الحقيقي بكل ما يحمله الفن من غرابة وصدق ويأس واغتراب وألم وثورة، ووحشية وتقلب فب المزاج.

لم يحاول طه الاستفادة من نجاحاته أو تكرارها، ولم يكن يرغب في المكاسب التجارية، ولا تحويل الفن إلى سلعة برجوازية. كان ينحاز لاختياراته كفنان وقديس هائم في الحياة، لا يخشى الخسارة. يمثل له الفن الاختيار الأصعب، والطريق الأكثر وعورة، لا يرتدي كما يرتدي أحد، ولا يغني كما يغني أحد ولا يعيش كما يعيش أحد. يعيش هكذا من دون اعتبار للقواعد، ولا للسلوك التقليدي، ولا لما يرغب فيه الآخرون.

ولد طه في وهران وترعرع في أحياء المهاجرين بفرنسا، في ذلك المجتمع الغارق في الفقر والعوز والألم. ومنذ سن مبكرة كانت الموسيقى تمثل له شريان الحياة ضد صعوبة حياة المهاجرين وتوحشها. خلط كل أنواع الموسيقى الإيقاعية التي يمكن أن تحرك الجسد، وتترك أثراً في النفس، وربما تعمل على زيادة وعي الفرد بذاته. ربما بسبب ذلك الصراع الذي كان يعيشه دائماً بين وجوده في فرنسا، وبين أصوله الجزائرية، ومهما بدا طه "متحضراً"، لكنه لم يتخل عن تلك النزعة الصحراوية في هيئته، وتلك الخشونة والوحشية في نبرة صوته.

ربما تعبّر موسيقاه عن غضب المهاجرين ويأسهم من الاستمرار، تعبّر عن انهيارات الجسد، والوحدة وذلك الحزن الشفيف في عيون طه، كان يخبرنا أن الحياة ستنتهي يوماً بكل الموسيقى والرقص والصخب.

يغني طه كمن يقف على سطح العالم، ليطل على آلام المسحوقين والمهمشين، ليصرخ بها من جديد في أغنيات تحمل مسحة ثورية خفية، ضد السائد والمألوف، متجولاً بين إيقاعات الحياة والحب والألم والاستغناء واللذة والتصوف في آن واحد.

عبّر طه الحياة بخفة، وترك أثراً جميلاً نشتاق إليه قبل اندثاره. ترك جمالاً يمكننا استعادته من تسجيلات "ساوند كلاود" أو "يوتيوب"، لكننا لن نتمكن من استعادة مثل ذلك الحضور الفردي له في الحياة. طه من أولئك الفنانين الذين لا يمكن التعامل مع أغنياتهم وموسيقاهم بمعزل عن وجودهم، وماهيتهم، وأماكن إقامتهم، أو حتى لحظات موتهم.

رشيد طه من أولئك الذين قال فيهم الشاعر اللبناني وديع سعادة:

أما العابرون فلا يسحقون أحداً ولا أحد يسحقهم

لا يطأون على كائنات ولا يثقلون خطواً على الأرض، حتى الهواء لا يلمحهم غير لحظة بلا قلق ولا ندم ولا آلهة ولا أتباع، إيمان واحد لهم: العبور

المتخلون عن الأمكنة والأوطان والأباء والبنين، كاسرو القيد، مخربو المشنقة المصنوعة من حديد المكان والزمان والانتماء.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها