آخر تحديث:11:58(بيروت)
الخميس 13/09/2018
share

باتريك موديانو ولعنة النسيان

طارق أبي سمرا | الخميس 13/09/2018
شارك المقال :
  • 0

باتريك موديانو ولعنة النسيان ليست "أزاهير الخراب" مِن أفضل روايات موديانو، لكنّها مدخلٌ إلى عالمه المُغرق في الخصوصيّة
باتريك موديانو، الحائز نوبل للآداب 2014، كاتبٌ مصابٌ بنوعٍ مِن الهوس. فهو لا ينفكّ يكتب الكتابَ عينه روايةً تلو أخرى، كما لو أنّ أعماله جميعها مجرّد تنويعاتٍ على عملٍ وحيد. ليس القَوْل هذا مِن باب الإنتقاد، فموديانو نفسه يُقِرّ بذلك في مقابلة تعود إلى العام 2001: "أشعر منذ أكثر مِن ثلاثين عاماً بأنني أكتب الكتاب ذاته – أيّ أنّ الكتب العشرين التي نُشِر كلٌّ منها منفرداً، لا تُشكِّل، في الواقع، سوى كتابٍ واحد".


كُثرٌ هم الروائيّون الذين يَصِفون مسيرتهم الكتابيّة بطريقة مماثلة، لكنّ الوصف هذا ينطوي غالباً على شيءٍ مِن المَجاز أو المُبالغة. ذلك أنّ ما يقصدونه مِن هذا الكلام (أيّ كتابةُ الكتابِ عينه) ليس إلّا مِن البديهيّات، ألا وهو أن هنالك موضوعاتٍ قليلة ومُحدَّدة تَفْرِض ذاتها عليهم كهواجسٍ، فيجدون أنفسهم يكتبون عنها مراراً وتكراراً، ومن دون سابق تصميم. أضف أنهم يلجأون عموماً إلى تقنيات سرديّة قليلة أيضاً إلى حدٍ ما، يسلتهمون مِن غيرهم جزءاً مِنها، ثم يطوِّرونها، على نحو خاص بهم، روايةً تلو رواية. هذا هو ما يُسمّى "الأسلوب"، والذي لا يقتصر على اختيار المُفردات، ولا على تراكيب الجُمَل، وطولها، ووتيرة تتابعها أو اتصال واحدة منها بالتي تليها لخلق نوعٍ مِن الموسيقى، بل يتعدّى ذلك إلى عناصر غير لغويّة: كيفيّة رسم الشخصيات وتحليل دواخلها؛ طريقة مُعالجة الموضوعات-الهواجس وربط بعضها ببعض؛ بناء الحبكة (إن وُجِدَت)؛ شكل العمارة الروائيّة ككلٍّ مُتكامل وتماسكها أوتشتُّتها المُتعمَّد، إلخ... وهذه أمورٌ تستلزم ممارسة مديدة ودؤوبة لإتقانها وصقلها؛ لكنّها، في العمق، أساليبُ تعبيرٍ عن شيء لا يختاره الروائي، وقد لا يعيه حتّى: نظرته الباطنيّة للدنيا والحياة. ففي نهاية المطاف، إن التشابهَ بين رواياتِ كاتبٍ مماثلٌ للتشابه بين لوحاتِ رسامٍ أو ألحانِ مؤلّفٍ موسيقي.

حالة موديانو مختلفة تماماً: عندما يقول إنه يكتب دوماً الكتابَ نفسه، فهو يعني ذلك على نحوٍ شبه حرفي. هو كفنانٍ تشكيلي لا يكفّ عن رسم البورتريه ذاته مرّة بعد مرّة، مع إدخال بعض التعديلات، الطفيفة نسبياً، على كلّ لوحة جديدة.

بالرغم مِن شدّة تعقيده، فإن عالمَ هذا الفرنسيّ مُكوَّنٌ مِن عناصر قليلة جداً، يُعيد خلطها كأوراق لعب عند كتابة كلّ رواية. راوٍ يمشي على غير هدى في شوارع باريس وأزقّتها، محاولاً مُغالبة النسيان لتذكِّر أحداثٍ مِن زمن بعيد، عسى ذلك يُعينه على حلِّ لُغْزٍ يُقْلِقه، يتعلّق به أو بآخرين مُقرّبين إليه أو عَرِفَهُم معرفة عابرة في ما مضى؛ لغز غالباً ما تمتدّ جذوره إلى حقبة الإحتلال الألماني لفرنسا حين لم يكن الراوي المَشَّاء قد أبصر النور بعد؛ لغز يُدرِكُ القارِئُ سريعاً أنّ لا حلّ له: هذه هي العناصر المُشكِّلة لجُلِّ رواياتِ موديانو.

الوصف أعلاه يُلائم تماماً "أزاهير الخراب"(*)، التي صدرت هذا العام في ترجمة عربيّة بديعة كان الكاتب والشاعر اللبناني بسّام حجّار قد أنجزها قُبَيْل وفاته العام 2009. واللغزُ الذي تتمَحْوَر حوله هذه الرواية القصيرة، هو معرفةُ سببِ انتحارِ زوجَيْن شابَّين العام 1933: ذهبا ذات مساء لتناول العشاء خارج المنزل ولم يعودا إليه إلّا في الساعة الثانيّة فجراً برفقة رجُلَيْن وامرأتَيْن التقياهم في إحدى الحانات؛ رحل الضيوف الأربعة نحو الرابعة فجراً، وبعد نصف ساعة، قَتَل كلٌّ مِن الزوجَيْن نفسه. ولم تؤدِّ تحقيقات الشرطة إلى شيءٍ يُذْكَر.

حدث كلّ ذلك قبل ولادة الراوي بأكثر مِن عقدٍ مِن الزمن. لا نعلم لماذا يهجس بهذا الإنتحار المزدوج فيما يجوب الآن، في ربيع 1990، باريس وضواحيها، التي تُذكِّره بعض أبنيتها ونواحيها بأشباحٍ مِن ماضيه، أشباح تربطها بقصّةِ المُنتحرَيْن خيوطٌ واهية، وبالكاد تُرى.

الخيطُ الأوّل يمتدّ إلى والده، الذي ربما كان قد عَرِف، خلال فترة الإحتلال الألماني (أيّ قبل أعوامٍ قليلة مِن ولادة الراوي)، واحدة مِن المرأتَين اللّتَين التقاهما الزوجَين في إحدى الحانات خلال تلك الليلة المشؤومة من العام 1933. والوالد هذا لغزٌ آخر بعينه. في زمن الإحتلال، كان قد انخرط في أعمالٍ مشبوهة ومُريبة، واستخدم هويّة مزيّفة ليُخفي تحدّره من أبٍ يهودي (جدّ الراوي) كي لا يضطر، إذاً، إلى وضع الشارة الصفراء التي تُميّز اليهود عن غيرهم؛ غير أنه أُوقِف وكاد أن يُرسَل إلى معسكر اعتقال نازي قبل أن يتوسّط له أحد معارفه مِن الجستابو الفرنسي. شرع الأب حينها، برفقة صديقه هذا، يعمل في السوق السوداء لصالح ضبّاط ألمان. وهذا مثالٌ مِن بين أمثلة أخرى كثيرة عن الإلتباس الذي عمّ في تلك الحقبة، حيث كان الضحايا يتحوّلون جلادين بين ليلة وضُحاها، وحيث الإنخراط في المقاومة أو في العمالة والتخابر مع العدّو، لا تحددها، في معظم الأحيان، سوى مصادفات عبثيّة. لم يشهد الراوي على أيّ مِن هذه الأحداث، بل ها هو يُعيد تركيبها الآن، مُتسكّعاً في أزقّة العاصمة وقد بلغ الـ45، مُستعيناً بتلميحاتٍ مُبهمة كان سمعها مِن والده حين لم يكن هو (أيّ الراوي) سوى مُراهقٍ في الـ14 مِن عمره.

أمّا الخيط الواهي الثاني، فيمتدّ مِن حادثة الإنتحار إلى شخصٍ يُدعى باشيكو، عرفه الراوي في منتصف الستينات مِن القرن المنصرم. وباشيكو هذا كان يحيا مُتشرداً في شوارع باريس، قبل أن ينتحل شخصيّة رجلٍ التقاه في زمن الإحتلال أيضاً، وربما أقدم على قتله، فأضحى لاحقاً، بعد أن بلغ ال40، مُضيفاً لدى الخطوط الجوية الفرنسية وطالباً جامعيّاً في آنٍ واحد. وعندما اكتشف الراوي اسمه الحقيقي، أيقن أن باشيكو كان أحد النُدل الذين خدموا الزوجَين المُنتحرَيْن في الحانة حيث التقايا الرجلَيْن والمرأتَين المجهولِين.

ليست "أزاهير الخراب" مِن أفضل روايات موديانو، لكنّها، مثل معظم أعماله، مدخلٌ إلى عالمه المُغرق في الخصوصيّة، حيث تتداخل أزمنة عديدة وتتمازج لتخلق متاهة لا مخرج منها. متاهة الذاكرة، أو بالأحرى النسيان الذي يقارعه الراوي فينتهي الأمر به مهزوماً على الدوام، لا يذكر مِن ماضيه سوى نُتفٍ يعجز عن فهم دلالاتها. بحثه الدؤوب هذا هو، في العمق، بحثٌ عن هويّتِه المُشتّتة والغائمة، والتي ستبقى كذلك، إذ أنّ أشباح الماضي التّي شكّلت هذه الهويّة، وبالأخص شبح الوالد وما تعرّض له وارتكبه في زمن الإحتلال، ستبقى مجرّد أشباح لا سبيل إلى القبض عليها. ولعل "شارع الحوانيت المُعتمة"، إحدى أشهر رويات موديانو والتي حازت جائزة غونكور العام 1978، هي الأنموذج الأكثر صفاءً عن إشكاليّة الهوية المُفتّتة والمُبعثرة. فهذا النصّ يسرد قصّة تحرٍّ خاص كان قد فقد ذاكرته جرّاء حادث ما، ثمّ قرّر، بعد سنوات، التحرّي عن نفسه، أي عن الشخص المجهول الذي كانه وصار الآن يجهل حتّى اسمه. وبطبيعة الحال، يقوده بحثه إلى أمور غامضة حصلت خلال الإحتلال النازي لفرنسا.

"بروست عصرنا".. هكذا وصفَتْ موديانو، عضوةٌ في لجنة تحكيم جائزة نوبل للآداب. لكن موديانو أبعد ما يكون عن مؤلِّف "البحث عن الزمن الضائع". فالأخير، بما يُشبه المُعجزة، ينتشل حياته كاملةً، وبكلّ تفاصيلها الدقيقة، مِن غياهب النسيان، فتتجلّى أمامه بصفتها الحياة الحقّة الوحيدة التي يعيشها هذه المرة كتابةً، مُنعزلاً في غرفته، خاطّاً كلماته وهو ممدّدٌ على سريره؛ فقط حينئذٍ، كانت تتملّك بروست نشوةٌ لم يختبرها البتّة عندما كان يخالط عليّة القوم الذين حوّلهم شخصياتٍ في روايته الضخمة. أمّا ذاكرة موديانو، ففقيرة وواهنة، تُمَزِّق نسيجَها الهشّ ثقوبٌ بيضاء بالغة الإتساع. لكنّها ذاكرة تقلقه وتؤرّقه، ليس بسبب ثقل ما تختزنه، بل نتيجة فراغها المُروِّع، الآخذ في التنامي، والذي يزيل شيئاً فشيئاً هويّته فلا يعود يُدرك من هو، مُستحيلاً كائناً مُفرَغاً مِن أي مُحتوى، طيفاً كأطياف ماضيه الضبابي والتي يهجس بها ولا يكفّ عن مُطاردتها، فتمنعه مِن عيش حاضره. يقول راوي "أزاهير الخراب": "ما الجدوى من السعي خلف ألغازٍ مُستعصيّة واقتفاء أثر الأشباح، حين تكون الحياة هنا أمامنا، ببساطتها، تحت الشمس الساطعة؟". ما يبحث عنه موديانو (ورُواتُه) على هذا النحو المحمومِ، وبين كلّ هذه الأشباح، أمرٌ زعزع كيانه ودمَّر هويّته، ثم تبخّر من دون أن يترك أثراً.

(*) "أزاهير الخراب" لباتريك موديانو، نوفل – هاشيت أنطوان، 2018، 120 صفحة.    

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها