آخر تحديث:12:31(بيروت)
الأربعاء 08/08/2018
share

عن محمد رمضان الذي رفض السيسي لقاءه.. فصار "الملك"!

أحمد ناجي | الأربعاء 08/08/2018
شارك المقال :
  • 0

عن محمد رمضان الذي رفض السيسي لقاءه.. فصار "الملك"! لطالما دارت ذكريات رمضان حول الاضطهاد الذي عاناه بسبب لون بشرته
خلال جولاتي المكوكية على سياسيين وضباط في مختلف الأجهزة الأمنية والقضائية، بحثاً عن نهاية لقضيتي، ووسيلة لرفع حظر السفر، جمَعني لقاء برتبة قديرة في جهاز أمني. كالعادة، انحرفنا عن موضوعنا الأساسي ليغدق علي بمعرفته، ويشرح لى أبعاد المؤامرة على الدولة المصرية، بينما يتابع بطرف عينه شاشة التلفاز. ثم فجأة، قطع حديثة وأشار إلى التلفاز: "بذمتك يا أستاذ أحمد، دا يرضي مين. لما واد أسود كلخ معفن زي محمد رمضان دا، يأخذ 35 مليون جنيه علشان يعمل ضابط شرطة، وأنا لو جمعت كل اللي قبضته من أول ما اتخرجت لحد الآن ما يعملش ربع المبلغ ده".

أشار معالي الرتبة إلي الشاشة التى كانت تعرض مسلسل "نسر الصعيد" لمحمد رمضان، والذي يدور حول مغامرات ضابط يحارب الإرهاب، ويستمتع بركوع النساء تحت قدميه. تعاطفتُ مع معالي الضابط: "معاك حق يا أفندم، بس ما هو برده الوزارة عندكم هي اللي انتجت المسلسل ده".

تراجع في كرسيه، وقال: "وشرفك ما هيطول منهم ولا حاجة، خلاص المسخرة والفوضى بتوع آخر كام سنة دول هينتهوا".

"المسخرة والفوضى" كان مصطلحه المفضل حينما يشير إلى 25 يناير وما قبلها وما تلاها، ولا شيء يلخص ما هي المسخرة والفوضى اللتين يقصدهما سيادته سوى مسيرة محمد رمضان تحديداً، دون غيره من الممثلين.

بدأ محمد رمضان مسيرته كممثل العام 2001، في أدوار صغيرة ضمن موجة أفلام الشباب، التي كان نجومها محمد هنيدي وشركاه في بداية الألفية، كما شارك في أدوار صغيرة في عدد من المسرحيات. ظل على الهامش أكثر من عشرة أعوام، يظهر في بطولات جماعية، وأبرز أدواره حينما قام بدور أحمد زكي في مسلسل "السندريلا سعاد حسني"، والسادات في مسلسل "كاريوكا". ذكريات رمضان عن فترة بدايته والتي يصر على تردادها، تدور حول الاضطهاد الذي عاناه بسبب لون بشرته، وبسبب ملامحه الشعبية، إذ دائماً ما كان يُستبعد من أدوار البطولة والنجومية لأنه ليس "أبيض" أو ذا عينين ملونتين.

المظلومية عنصر من عناصر النجاح الفني والشعبي. المصريون يخلطون دائماً بين الحب والشفقة، والفنانون الذين يحسنون الترويج لمظلوميتهم دائماً ما يتم احتضانهم. كان عبد الحليم هو الرائد في هذا المجال: اليتيم، الفقير، المظلوم لأن المجتمع البرجوازى لم يتقبله. وحتى بعدما أصبح حليم، النجم الأول والأوحد، بات رمزاً لصورة الفنان المريض الذي تنشر المجلات الفنية صوره وهو على فراش المرض. ثم كرر أحمد زكي الأمر ذاته، متقمصاً للأبد مظلومية عبد الحليم. زكي الذي كان من نجوم الصف الأول، على مدار أكثر من عشرين عاماً، أتذكره وهو في قمة مجده بعد فيلم "السادات" في حوار تلفزيوني، يشكو اضطهاده لأنه ليس "أبيض" وبعينين ملونتين. وفي تماشٍ مع "فن المظلومية"، أنهى زكي حياته متقمصماً أروع أدواره، متلبساً حالة المظلوم الأبدى في فيلمه الأخير الذي مات قبل أن يكمله: "حليم".


ومحمد رمضان ابن هذه السلالة. حتى العام 2010، كان قد ظهر في أدوار مؤثرة، لفتت الأنظار إليه، وأبرزها مشاركته في فيلم "احكي يا شهرزاد" ليسري نصر الله. لكن البطولة كانت العام 2011، مع ثورة يناير، في فيلم "الخروج"، والذي حصد الكثير من الجوائز، لكن الرقابة اعترضت عليه بسبب حساسية موضوعه (قصة حب بين فتاة مسيحية وشاب مسلم). وفي النهاية، حينما عرض الفيلم في زخم أحداث ما بعد 25 يناير، كان الزمن قد تجاوزه والمزاج الجماهيري لم يكن مستعداً له. فشل الفيلم تجارياً، فأعاد رمضان مرة أخرى إلى ساحة البطولات الجماعية.

المزاج الشعبي لعالم حَواري القاهرة ما بعد 2011، تميز بالجرأة والإقدام. فالسلطة ممثلةً في أقسام الشرطة كان قد نُكل بها، حرقت الأقسام وأجبر الضباط على خلع ملابسهم والسير بالملابس الداخلية لكي ينجوا بحياتهم.

أما المواطن المظلوم، المضطهد الأبدي، الذي كان يجد صورته في دماء عبد الحليم التي يتقيأها على المسرح، أو أحمد زكي الذي تخترق رصاصات الأقوياء جسده في نهاية كل فيلم من دون أن ينتقم لشرفه أو يأخذ حقه... هذا المواطن الذي عشق دائماً الأبطال المظلومين، أو الذين يتقبلون الظلم بالنكتة والاستظراف، على طريقة عادل إمام ومحمد سعد اللمبي، هذا المواطن العشوائي الجديد الذي شارك في حرق أقسام الشرطة، وأصبح حراً الشوارع المفتوحة... اعتقد أنه أسد، وسينما المظلومين والفئران لم تعد تناسبه.

في العام 2012، انتهت سينما الأبطال المظلومين، مع بطولة محمد رمضان لفيلم "عبده موته"، أعقبه في العام نفسه، فيلم "الألماني"، ثم اكتملت الثلاثية بفيلم "قلب الأسد" العام 2013 حينما بدأ نجم وزير الدفاع - عبد الفتاح السيسي - يلمع. كان السيسي حريصاً، أيام حكم الرئيس محمد مرسي، على لقاء الفنانين والنجوم، بل واصطحابهم معه في جولاته التفقدية لوحدات الجيش. وفي تلك اللقاءات، كنا نشهد نجوم الصف الأول، من عادل إمام إلى أحمد السقا. واستمرت تلك اللقاءات بعدما انفرد السيسي، وزير الدفاع آنذاك، بالمشهد، ورقّى نفسه إلى رتبة، مشير ثم أصبح رئيساً للجمهورية. في كل فرصة كان يحرص على لقاء الفنانين، ينبّههم، ويحرضهم على تقديم فن جديد يليق بمصر ما بعد 30 يونيو. ينتقد أفلام الحَواري التى تنشر -في رأيه- قيَم البلطجة، ويحذر أحمد السقا ويسرا "ربنا هيحاسبكم على اللى بتعملوه دا". لكن، في كل تلك اللقاءات، لم يتم توجيه الدعوة لمحمد رمضان ولا مرة.

حاول رمضان تعديل مساره بعد 30 يونيو. أدرك أن أفلامه ومسلسلاته، رغم شعبيتها، لن تجعله ينال رضا السلطة. قام بأغرب التصرفات لكي يُدعى إلى لقاءات السيسي، حتى إنه كتب نداء في فايسبوك: "السيد رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة وراعي الشعب والجيش.. تحية طيبة وبعد.. كل زملائي النجوم ورجال أعمال مصر تشرفوا بدعوة رسمية للرئاسة في كل المناسبات القومية ومقابلة سيادتك، إلا أنا!! وأنا بسأل نفسي، بدافع الغيرة والحيرة، وبقول: اشمعنا أنا؟! هل لأني أصغرهم سناً؟ أم لأني أكثرهم شعبية في الشارع المصري؟".

لم ترد الرئاسة على رسالة رمضان، لكن الرد أتى من راعي الجيش والشعب، فاستُدعي رمضان لأداء الخدمة العسكرية. في الوقت نفسه، كانت خريطة الإنتاج السينمائي والتلفزيوني تتغير. فالقنوات التلفزيونية جرى تقاسمها بين الأجهزة الأمنية المختلفة، كما تمت السيطرة على سوق الإعلانات، وكذلك عمليات الإنتاج الدرامي. انخفض عدد المسلسلات المنتجة من 34 مسلسلاً إلى 28 مسلسلاً، في رمضان الماضي. وحسبما صرح المنتج عمرو قورة، من المتوقع أن ينخفض الانتاج إلى 16 مسلسلاً في رمضان المقبل. بإيجاز، ومن دون الدخول في التفاصيل، أُمِّمت وسائل الإنتاج الفني والدرامي، ووُضعت تحت مسؤولية الأجهزة الأمنية مباشرة. أصبح الفنانون والكتّاب والمخرجون، يتلقون الأوامر من ضباط تلك الأجهزة، كما توسعت سلطات هؤلاء الضباط لتشمل التدخل في كافة تفاصيل العملية الإنتاجية والفنية. وبالطبع، ملاحظات معالي حضرة الضابط هي أوامر لا تقبل النقاش.

حتى الأرقام التي يُعلن عنها كأجور للفنانين وخلافه، ليست أرقاماً حقيقية. فهناك فنانون أُعلن أنهم تقاضوا أجوراً تصل إلى عشرين مليون جنيه وأكثر، ولم يصلهم حتى الآن سوى ربع هذا المبلغ، ولا يستطيعون الاعتراض أو المطالبة ببقية حقوقهم. ببساطة، لأن حقهم لدى معالي الضابط الغاضب من تقاضيهم لكل تلك الملايين، والذي يعمل على تنفيذ استراتيجية أمنية قومية مفروضة عليه من مؤسسة الرئاسة، وبمقتضاها يجب العودة إلى عالم التسعينات الجميل، حيث هناك مسلسل تاريخي، ومسلسل اجتماعي، ومسلسل ديني، ومسلسل أطفال. وكلها أعمال تمجد الشرطة ورجال الأمن، وتدعو إلى الصبر والاحتساب، تمهيداً للعودة إلى فن المظلومية من أجل تربية مواطن مَثَله الأعلى شنب أمير كرارة، وبطولات نسر الصعيد في صفع مَن هم أضعف منه.

منذ 2015، توقف محمد رمضان عن تقديم أدوار الفارس الشعبي ذي قلب الأسد، الذي يأخذ حقه بيده من الأغنياء. وبدءاً من فيلمه "جواب اعتقال" (2015)، تخصص رمضان في تقديم أدوار ضباط الشرطة. ورغم كل الدعاية المصاحبة لأعماله، فالجمهور لا يحتفي إلا بأدواره المتمردة، كبلطجي يناكف الحكومة ويحارب السلطة. لكن رمضان يعرف أنه ليس في إمكانه الاستمرار في تقديم تلك الأدوار، وإلا سيستمر غضب السيسي عليه. وحتى يعوض شعبيته المتراجعة بسبب أدوار ضباط الشرطة، اتجه رمضان إلى الغناء، لكن بلا مظلومية عبد الحليم، بل بقوة وعنف المهرجانات والراب، معوضاً افتقاده للتقدير من جانب النقاد، ومن جانب السلطة. فهو الباحث عن أبواب جديدة للتواصل مع جمهوره القديم، وعن طريقة للفت نظر الرئاسة...

خلع رمضان ملابسه، وعلى طريقة المجنون في فيلم فؤاد المهندس، أخذ يردد في كل أغانية أنا "نمبر وان".. أنا "الملك". ولتنجح تلك الاستراتيجية مرحلياً، ها هو رمضان يعود ليصبح الأكثر مشاهدة، لا في صورة البطل الشعبي المنتصر، ولا في صورة ضابط الشرطة، بل بما يتناسب مع واقع لحظة فنية وإعلامية منحطة... بالإغراق في الانحطاط، والافتخار به، والتباهي بسيارات وديكورات مزيفة يمكن لأي شخص تأجيرها بالساعة للتصوير، لتنتج فيديوهات وأعمال يزول أثرها في دقائق.
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها