آخر تحديث:12:14(بيروت)
الجمعة 10/08/2018
share

"من العدم" لفاتح أكين: تبرئة الضحية

شادي لويس | الجمعة 10/08/2018
شارك المقال :
  • 0

"من العدم" لفاتح أكين: تبرئة الضحية حتى في الانتقام، الضحية تصبح ضحية مرة أخرى
بين العامين 2000 و2007، ضربت المدن الألمانية سلسلة من جرائم القتل التي طاولت مهاجرين، جميعهم من أصول تركية، باستثناء يوناني واحد. وتعاملت الشرطة مع الحوادث بوصفها قضايا منفصلة، وببعض التقصي وجهت أصابع الاتهام لمافيا المراهنات، وعمليات انتقام بين العصابات، وأوقف عدد من المتهمين من الأتراك. وعلى خلفية تلك الجرائم، أثارت وسائل الإعلام مسألة التغييرات الديموغرافية في المجتمع، ومستويات العنف غير المسبوقة التي جلبتها الجاليات المهاجرة معها إلى الأحياء الألمانية الهادئة. وفي العام 2011، توصلت السلطات إلى أن تلك السلسلة من الجرائم كانت عمليات إرهابية مترابطة، وإن خلفها منظمة من النازيين الجدد. واحتاج الأمر عقداً على الأقل ليثبت الضحايا براءتهم.


في فيلمه الأخير، "من العدم"، الحائز جائزة "غولدن غلوب" مطلع العام الحالي، يعود المخرج فاتح أكين إلى تيمته المفضلة. فالمخرج الألماني ذو الأصول التركية، والذي يظل يتساءل إن كانت ألمانيا تمثله، لا العكس، يركز في أفلامه على سؤال الهوية الملتبس لدى الجيل الثاني من المهاجرين في ألمانيا. لكن "من االعدم"، الذي يؤسس سرديته على محاكمات أعضاء المنظمة الإرهابية المسؤولة عن الهجمات ضد الأجانب، ينتقل من سؤال الهوية إلى العدالة. فبطلته الألمانية الشقراء، كاتيا، تفقد زوجها ذا الأصول التركية، ومعه ابنها، بفعل قنبلة زرعت في مكتب الزوج. وفي التحقيق، ورغم أنها تخبر المحققين بأنها تشكك في امرأة رأتها تضع دراجتها أمام المكان، قبل مغادرتها، إلا أن اهتمام المحققين انصب حول شيء آخر تماماً. "هل كان متدينا؟"، ينتقل المحقق من الشك في انتماء الضحية لجماعة إسلامية، إلى توجسه من أصله الكردي. وأخيراً، لا تجد الشرطة مفراً من افتراض أن الضحية كانت له أنشطة إجرامية انتهت به إلى القتل. بل ويقبض على "كاتيا" بتهمة حيازة مخدرات للاستخدام الشخصي. وحين يظهر أن تلك الافتراضات جميعها غير مبررة، تتحول الشرطة إلى البحث عن شابة "ذات ملامح شرق أوروبية"، زرعت القنبلة، فالجاني حتى ولو كان أبيض، فهو بالتأكيد من الاجانب.


يضعنا أكين أمام الثنائية المضاعفة، للعنصرية. فالضحية تظل متهمة، ولا سبيل أمامها، حية أو ميتة، سوى محاولة تبرئة نفسها من تهم متوالية. نرى كل هذا بعيني كاتيا، التي تتحول إلى ضحية متهمة بدورها، لمجرد ارتباطها بمهاجر. لكن عنصرية "من العدم" ليست سلوكاً فردياً، بل عملية مؤسسية. فبعد إلقاء القبض على الجناة، تطلقهم المحكمة أحراراً، لعدم كفاية الأدلة. وثمة منظومة للعدالة تعمل في مستويين، في حالتنا هذه: الجاني بريء حتى تثبت إدانته والشكوك تفسر لصالحه، أما المجني عليه فمتهم حتى يثبت العكس، وكل شك يفسر ضده.


لعبت الممثلة الألمانية ديان كروغر(كاتيا)، دوراً استثنائياً، استحقت عنه جائزة أحسن ممثلة في مهرجان "كان" في دورته العام الماضي. لكن هذا لم يكن كافياً لتغطية نقاط الضعف في سردية الفيلم وإخراجه. فالثلث الثاني من الفيلم، والذي يركز على مَشاهد غرفة المحكمة، بدت رسالته زاعقة، ومباشرة، وبلا أي التباس. فمحامي الدفاع يمثل الشر، وهيئة المحكمة ومنظومة العدالة تبدو عاجزة أمام ألاعيبه، أما كاتيا فهي الضحية. وبذلك الوضوح الأخلاقي، والحدود الفاصلة بين الأبيض والأسود، تفقد أحداث الفيلم الكثير من جاذبيتها. فالمَشاهد تبدو متوقعة، أو على الأقل غير مفاجئة. وفي الثلث الأخير من الفيلم، والذي تبحث فيه بطلتنا عن الانتقام، فإن شحنة الغضب التي تتراكم في الفيلم تبدّد، في مشهد نهائي، يعيد تيمات الانتقام في أفلام الغرب الأميركي.

في الواقع، ما زالت متهمة واحدة، في قضية "الحركة السرية القومية الاشتراكية" تمثل أمام محكمة في ميونيخ. أما على الشاشة، فما يخبرنا به أكين، أنه لا سبيل إلى العدالة.. وحتى في الانتقام، الضحية تصبح ضحية مرة أخرى.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها