آخر تحديث:12:59(بيروت)
السبت 28/07/2018
share

خسوف القمر.. رحيل هياتم

وجدي الكومي | السبت 28/07/2018
شارك المقال :
  • خسوف القمر.. رحيل هياتم
  • هياتم
    هياتم
لا نبالغ إذا قلنا أن مصر ودَّعت، أمس، بهجتها، برحيل هياتم. وليست مصادفة أن ترحل بالتزامن مع خسوف القمر، وإن كان قُدّر للقمر، ليل الجمعة، أن يُخسف به، ويتلون بلون دموي مثير، فإن نبأ رحيل نجمة اﻹغراء السبعينية، هياتم، حل كالصاعقة، وكأن رحيلها إيذان بغياب كافة ألوان زمن البهجة الجميل.

ليس من الغريب أن نصفها أيضاً بكل الصفات المعبرة عن اﻹثارة اﻷنثوية، هي تعبير أكيد عن الحلويات، والفاكهة الحلوة، فاكهة السينما المصرية، التي تعرفت على هياتم للمرة اﻷولى العام 1971، في زمن جديد، زمن زيادة الموجة اﻻستهلاكية، والتحول إلى الانفتاح. فعرف المصريون للمرة الأولى صاحبة النظرات الممتلئة شهوة، وإثارة، وودعوا زمن ملكات اﻹغراء الجميل، وأبرزهن هند رستم، ليستقبلوا ملكة جديدة، من ملكات البهجة.

كان العصر مهيأ جداً لاستقبال هياتم القادمة من فن الرقص الشرقي، مثلها مثل نجوى فؤاد، التي سبقتها بعقد. إذ دخلت اﻷخيرة عالم الفن من بوابة الرقص، نهاية الخمسينات، فيما ظهرت هياتم أو سهير حسن محمد، للمرة اﻷولى في "الحسناء واللص" و"ثم تشرق الشمس"، والفيلمان كانا العام 1971.

عقد السبعينات كان عقد هياتم بامتياز، شهد صعودها، والتماع نجمها، إذ توالى ظهورها خلال هذه السنوات بمعدل فيلمين كل عام. وكان العام 1976 أغزر أعوام إنتاجها السينمائي، إذ مثّلت في أربعة أفلام هي "الكل يحب" و"صانع النجوم"، و"حكمتك يارب" و"العاشقات" و"ملك التاكسي"، إضافة إلى مسلسل "الهروب".

لم تكن هياتم بارعة فقط في أدوار اﻹغراء، بحكم كونها فاتنة، أو تحمل سمات اﻷنوثة التي فرضها العصر اﻻستهلاكي الجديد، من حيث امتلاء البدن، أو تكور خصرها، أو طولها المتوسط. بل كانت بارعة في التمثيل أيضاً، بما يعني أنها لم تسد فقط فراغ أدوار اﻹغراء، بحكم مواصفاتها اﻷنثوية الصارخة، إنما تميزت هياتم على مستوى اﻷداء، بتعبيرات الوجه والعينين، في حبك أدوار اﻹغراء، وهو ما جعلها مقنعة للمشاهدين الذين دخلت قلوبهم وعقولهم في دور الفتاة اللعوب التي تحوم حول اللاعبين كما في فيلم نور الشريف الشهير، "غريب في بيتي"، أو دور الزوجة الخائنة في فيلم محمود عبد العزيز ونجلاء فتحي "عفواً أيها القانون" التي كانت فيه زوجة لعوباً ضُبطت على فراش الزوجية.

عاشت هياتم حياة صاخبة ممتلئة، ما بين صعود وهبوط في المجال الفني، وما بين زيجات متعددة. تقول في لقاء تلفزيوني لها، منذ عامين، مع اﻹعلامية راغدة شلهوب: "أحببت مرة واحدة، وتزوجت أكثر من مرة بعدما حكمّت عقلي، أنا واضحة جداً، وفي البداية أصارح الطرف اﻵخر بما يضايقني وبما أكرهه، تزوجتُ مرتين، والجواز جواز وإشهار، ولا عيب ولا حرام، تلقيت عروضاً بالجواز في السر، ورفضتها كلها".

تكشف هياتم في هذا الحوار، وسط ضحكاتها، أنها تلقت عروضا بالزواج من مسؤولين، لكنها تقول: "أنا بخاف من الحكاية دي، والسلطة ليها متاعبها، ولما حد مسؤول، بيكون له أعداء وأحباب، وأي ظروف تحصل له بتنعكس عليّ، تلقيت عروضاً كثيرة لكنني رفضتها كلها، ومعروف عني إن سكتي واحدة في الزواج، ورفضت علاقات خارج الزواج، ولم أرتبط مطلقاً برجل متزوج".

لم تطبخ هياتم مطلقاً لرجل، هكذا تعترف لراغدة شلهوب في الحلقة، على الرغم من أنها تجيد الطبخ. وربما هذه من نوادر اعترافاتها في هذا الحوار، الذي مالت فيه دائماً إلى حديث الدلع، ما بين وصفها لنفسها بأنها كانت متدلعة، ورغبتها في أن يكون حب الرجل لامرأته كله دلع.


هي سيدة الدلع بلا منازع، وصاحبة مزاج في الحياة الزوجية، تطالب زوجها أن يجلب لها القهوة في الفراش في الصباح، هذا هو قمة الحب عندها. حكت هياتم في هذا الحوار الشائك عن تعرفها على رجل بخيل، ظل يلاحقها لمدة عام، وحينما قبلت دعوته أخيراً لوجبة عشاء، وجدته يطلب بصارة وفول بالطماطم، وهو ما نفّرها منه وجعلها تظنه يتهكم، واستفسرت منه: "إذا كنت ترغب في تناول أكلة حرشة، فلماذا لم تذهب لمطعم فول وطعمية؟".

كانت الراحلة سيدة الفكاهة وخفة الدم، كما كانت سيدة الكياسة والمرونة وتقبل التصريحات المثيرة للجدل. ولعل أصدق دليل على ذلك، ردها على انتقاد الفنان المصري محمد صبحي، على مشاهده معها في أحد أفلام المخرج الراحل سمير عبد العظيم، بابتلاعها النقد الذي وجهه صبحي لمشاهده معها، بقولها: "أنا أثق في محمد صبحي، ومثلت معه فيلمين، ولا أرى في رأيه أي إساءة، وأنا أحبه حباً كبيراً".

في سبتمبر العام الماضي، ظهرت هياتم مع الفنانة إسعاد يونس، في برنامجها "صاحبة السعادة"، لتتحدث عن انتصارها على السمنة. ظهرت هياتم بقوام فاتن، أميَل إلى النحافة فعلاً، مجسدة انتصارها على الشراهة، ومتباهية بتوقفها عن تناول اﻷكل بغزارة، ومستعرضة طرائق اﻷكل الجديدة وخبراتها مع الريجيم.


هي البونبوناية الطعمة، وقطعة الملبن، بحد وصف إسعاد يونس لها في هذا الحوار، الذي كشفت فيه هياتم، أنها بدأت مشوارها الفني ممثلة، وليست راقصة كما هو شائع. قالت هياتم ﻹسعاد يونس في هذا الحوار: "بدأت بالعمثل كممثلة، حينما شاهدني حسين جمعة، في إحدى مسابقات ملكات الجمال، ومثلت في مسرح سيد درويش، حيث لعبت دوراً في أوبريت شهرزاد".

تلقت هياتم عرضاً من عرابي وكيل الفنانين، الذي سألها إن كانت تجيد الرقص، وبدأت هياتم الرقص بعدها، ودخلت عالم التمثيل من هذا الباب، إذ قدمها عرابي في حفلة على الهواء بمناسبة الربيع، مع عبد الحليم حافظ، وسبق ذلك ظهور هياتم في فيلم "ثم تشرق الشمس" العام 1971.

رفضت هياتم قصراً في جنيف من أجل أن فنها، ورفضت اﻹنجاب من أجله، وقبل رحيلها أعلنت تقديرها لنور الدمرداش الذي قدمها في دور "سونة" في مسلسل "الدوامة" العام 1973، وهو العمل الذي ساهم في صعودها وانتشارها.

رحم الله هياتم، ملكة البهجة، وصاحبة الضحكة، والروح الحلوة والدندشة التي لا تنساها أجيال من المصريين.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها