آخر تحديث:12:56(بيروت)
الأربعاء 11/07/2018
share

"البيت" لنادر سراج.. ليس مجرد مأوى

علي نجيب إبراهيم | الأربعاء 11/07/2018
شارك المقال :
  • 0

"البيت" لنادر سراج.. ليس مجرد مأوى ترتبط كلمة "بيت"، في دلالتها البدئية، بالليل حيث يبيت الإنسان في مأواه الذي بناه
يُتحِفنا الدكتور نادر سراج في هذا كتابه "البيت، السوسيولوجيا واللغة والعمران (دراسة لسانية تطبيقية)" الصادر حديثاً (2017) ببحثٍ طريف وأصيل في آنٍ معاً. أما طرافته فتكمن في كشف تطوّر اللغة عبر التاريخ، بأسلوب سلس ولغة مأنوسة. فغالباً ما نستخدم، في حياتنا اليومية، ألفاظاً وعبارات لا نفكر في أصولها. لأننا ببساطة نُدرجها ضمن إطار المألوف والجاري على الألسنة. وحين تنصهر في التعبير عن مشاعرنا وأفكارنا ورغباتنا، تضيع معالمها وتغدو "لَبِنةً" في "صرْحِ" اللغة. أما نادر سراج فيُركِّز انتباهنا، بأدوات منهجه اللساني التطبيقي، على الخصائص الطريفة، كي لا أقول المُتفرّدة، للَّفظة داخل التركيب، وللتركيب داخل النص. وحين نُركّز انتباهنا على كلمة "بيت"، نندهِش وكأننا نكتشفها أول مرّة. ممّا يحفِزنا على متابعة قراءة فصول الكتاب بفضولٍ معرفيّ وإفادةٍ ومتعةٍ نادرة.

وتكمن أصالة البحث في جوانب أساسية (ترتيب الكتاب، وإخراجه، ومصادره الشاملة، ومنهجه...الخ). لكنّي سأقِف عند الجانب الأكثر أهمية في منهج الدكتور نادر سراج، ألا وهو الرابط بين الحقل الدلالي والمجال الثقافي. وهو الحقل الذي يقيس مدى ارتقاء الإنسان وتحرّره من الطبيعة. فكيف يكون القياس وما جوهره؟ 

ترتبط كلمة "بيت"، في دلالتها البدئية، بالليل حيث يبيت الإنسان في مأواه الذي بناه. ولم يعُد يلجأ إلى الكهوف والمغاور. ففي البيت يُحقّق "إنسانيته" مبتعداً عن حالة "التوحُّش" التي لازمته عصوراً. وعملية البناء ذاتها توحي بالطابع الهندسي للبيت حتى في الحديث عن "بيت العنكبوت" وبيوت (خلايا) النحل والنمل.
ومع توسّع مفهوم البيت، توسّع الحقل الدلالي للفظة ليشمل الدار، والدارة، والسرايا...الخ. ونتج عن هذا الاتساع تشابكٌ بين المعاني المحسوسة والمعاني المجرّدة والمجازية لتنشأ تسمية كتسمية "بيت الحكمة" تُشير فيها علاقة الإضافة إلى "الحكمة" إشارتَها إلى عائلة أو أُسرة: "بيت فلان". ولعلّ أهم ما ينطوي عليه كتاب الدكتور نادر هو رصد مواضِع هذا التشابُك في الاستخدام اللغوي.

ومما لا شكّ فيه أنّ هذا الكتاب يُطلِعنا على خفايا كثيرة من الحقلَين الدلالي والثقافي. ليس لأنه يُرجعنا إلى مصادر الاستخدام اللغوي في اللهجات المتنوعة في عالمنا العربي، وفي الصحف والمجلات والأمثال، بل في استقصاء الدلالات الأكثر دقّةً من خلال دراسة أصول الكلمات الدخيلة ككلمة "سرايا" التي رمزت في المخيّلة الشعبية إلى "البيوت الفخمة" وإلى "الحكومة والسلطة".

إن قيمة هذا الكتاب كبيرة حتى ليصعُب على المرء إيفاؤها حقّها. لذلك أختم كلامي مُنوِّهاً بالمُدوّنة الخصبة والمتنوعة الواردة في آخر الكتاب، وبفائدتها الجمّة التي تدعم فعلَي القراءة والتحصيل. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها