آخر تحديث:10:41(بيروت)
السبت 30/06/2018
share

عودة "الرسالة"

محمود الزيباوي | السبت 30/06/2018
شارك المقال :
  • 0

  • عودة "الرسالة"
    أعاد مالك العقاد، نجل المخرج، ترميم الفيلم لإطلاقه بتقنية الوضوح العالي.
  • فيلم الرسالة
    فيلم الرسالة
  • فيلم الرسالة
    فيلم الرسالة
  • العقاد مع كوين
    العقاد مع كوين
  • مع الفريد هيتشكوك
    مع الفريد هيتشكوك
  • مع كلوديا كاردينالي
    مع كلوديا كاردينالي
عاد فيلم "الرسالة" الذي طرحه المخرج مصطفى العقاد قبل 42 عاما ليعرض في صالات السينما في الخليج خلال موسم عيد الفطر، ووصل من جديد إلى صالات بيروت، وذلك بعد أن أعاد مالك العقاد، نجل المخرج الشهير، ترميمه لإطلاقه بتقنية الوضوح العالي.



كيف وُلد هذا الفيلم، وما هي الصعوبات التي واجهته في مراحل تكوينه الأولى وعند عرضه الأول في لندن في نهاية تموز 1976؟ لم يخرج مصطفى العقاد الفيلم فحسب، بل كان صاحب هذا المشروع الهوليودي، وقد جاهد في سبيل تحقيق هذا المشروع سنوات عديدة قبل أن يفلح في تنفيذه. في 5 تشرين الأول/أكتوبر 1968، تحدثت مجلة "الحسناء" اللبنانية عن "سوري يدخل هوليوود من الباب الواسع"، وقالت في تعريفها به: "سوري عمره 34 سنة. عرفته أميركا بعد ان درس الإخراج السينمائي في جامعاتها. فتحت له هوليوود أبوابها في مصاف العالميين. اسمه مصطفى العقاد. مهنته منتج ومخرج سينمائي".


حاورت "الحسناء" العقاد بعد أن مكث في لبنان ما يقارب الأسبوع، قبل عودته إلى هوليوود. قال المخرج أنه ترك حلب بغية الدراسة في اميركا سنة 1954، ودرس الإخراج في جامعة كاليفورنيا في لوس انجلس، وحصل على الشهادة في العلوم السينمائية عام 1959، ثم أكمل دراسته حتى عام 1961 حيث حصل على الماجستير في الإخراج السينمائي. تابع الشاب الحلبي الحديث، وقال انه تزوج من أميركية وقع في حبها، ثم وقع عقد عمل مع شركة سي.بي.اس، وهي أكبر شركة تلفزيونية أميركية، وذلك لانتاج حلقات تلفزيونية واخراجها لمدة ثلاث سنوات. بعدها، عمل لمدة سنة مع شركة "متروغولدن ماير" كمساعد للإنتاج، ثم انسحب منها سنة 1964 لينشئ شركة مستقلة أطلق عليها اسم "شركة العقاد للإنتاج الدولي"، وأتفق مع "اتحاد الفنانين" لإنتاج 39 حلقة تلفزيونية من نوع المغامرات بعنوان "عالم سيزر"، وشرع في انتاجها سنة 1966. تحدّث المخرج السوري الأميركي عن "مشروع كبير لانتاج ستة أفلام سينمائية مشتركة مع الشرق الأوسط"، وقال انه اتفق لهذه الغاية مع النجمين العلميين غلين فورد وكلوديا كاردينال، ونشرت المجلة اللبنانية صورا له مع هذين النجمين، كما نشرت له صورة مع المخرج ألفرد هيتشكوك.

في نهاية اللقاء، قال العقاد أنه يحضّر "لمفاجأة ضخمة ستكون حدثا سينمائيا كبيرا"، وأضاف: "لا أقدر الآن أن أصرّح إلا بأنها عبارة عن فيلم سينمائي ضخم يحكي عن العرب وهو بمستوى فيلم التوراة إن لم يكن أقوى وأضخم". وسألته "الحسناء": "مع الزمن، هل تصل السينما العربية إلى المستوى العالمي؟". فأجاب: "إذا وضعنا التفاؤل نصب أعيننا، نقول: نعم. لكن التفاؤل وحده لا يجدي. لا بد من ثورة كبيرة تشمل الفن العربي حتى يصل إلى المستوى العالمي الذي يريده كل مخلص". بعد مرور ست سنوات، بدأ المخرج بتحقيق مشروعه "الهوليوودي" العربي، وشرع في تصوير مشاهده الأولى في صحراء المغرب، وتعرّض إلى أكثر من عاصفة، وأكثر من تيار معارض، ونجح في التصدي لها.

حمل الفيلم عنوان "محمد رسول الله" قبل أن يُعرف لاحقا باسم "الرسالة". وقال مخرجه إن فكرته ولدت كالشرارة في رأسه يوم شاهد فيلما وثائقيا تلفزيونيا يظهر فيه سكان جزيرة فيليبينية نائية وهم يؤدون الصلاة في مسجد مبني بالقش، فقال لنفسه: "طالما ان هناك مسلمين في كافة ارجاء المعمورة، فيجب ان نقدم بعضهم إلى البعض الآخر". وتبلورت الفكرة، وأصبح محور الفيلم هو الرد على السؤال: ما هو الإسلام، ومن هو رسوله العظيم؟ اشترك في كتابة مادة نص الفيلم ثلاثة من كبار الكتاب المصريين هم توفيق الحكيم، عبد الحميد جودة السحار وعبد الرحمن الشرقاوي. وانضم إليهم في وقت لاحق محمد علي ماهر. بعدها، جمع المخرج هذه الحصيلة، وعهد إلى الكاتب الإنكليزي هاري كريج مهمة وضع السيناريو النهائي، وأرسل النص بعد ترجمته إلى العربية إلى إدارة الأزهر الشريف، كما أرسله إلى المجلس الشيعي الأعلى، وتعرّض الحوار للتعديل أربع مرات قبل أن يوافق العلماء عليه.


تواصل المخرج مع وكيل وزارة الإعلام الكويتية محمد السنوسي، وعرض معه المشروع على بعض البلدان الإسلامية، وتمكن من اقناع المسؤولين في الكويت وليبيا والمغرب والجزائر بالإسهام في تأسيس "الشركة العربية للإنتاج العالمي"، وتولى محمد السنوسي رئاسة مجلس هذه الشركة، وقام بتمثيلها وكيل وزارة الإعلام الليبية محمد الزاوي، ورئيس صندوق الابداع والتوفير في المغرب عبد الكامل الرغاي. عهدت هذه الشركة إلى شركة "فيلمكو" التي يملكها العقاد بمهمة التنفيذ، واختار المخرج معاونيه من أصحاب الكفاءات العالمية، ولجأ إلى نظام "الازواجية" في اختيار الأبطال، وشرع في تصوير نسخة عربية مع ممثلين عرب، ونسخة إنكليزية مع نجوم عالميين. هبت العاصفة الأولى أثناء التصوير في قرية "ايت بوشنت" التي تحوّلت نموذجاً لما كانت عليه مكة قبل الإسلام. أصدرت السلطات المغربية أوامرها بإلغاء التصوير وسحب ترخيصه وهدم الديكورات، وذلك بحجة ان تصوير مدينة مشابهة لمكة المكرمة هو تعرض للدين. وتمكّن العقاد من إقناع المسؤولين بمنحه مهلة لإنهاء تصوير ما بدأه، ثم انتقل مع فنييه وأبطاله إلى ليبيا، وأكمل هناك الفيلم بعد ان كان قد أنفق نحو 800 ألف جنيه على إقامة مدينة مشابهة لمكة.


أراد المخرج أن يستعين بأحد كبار القراء المصريين لتسجيل الآيات القرآنية المصاحبة لأحداث الفيلم، فنصحه البعض بعدم السفر إلى مصر، فاتصل بالنجم محمود ياسين الذي قدم إلى لندن وأتمّ هذه المهمة. في ربيع 1976، حمل العقاد فيلمه بنسختيه إلى القاهرة، وعرضهما على وزير الثقافة والإرشاد جمال العطيفي، كما عرضهما على مديرة الرقابة على المصنفات الفنية اعتدال ممتاز. بعدها عُرض الفيلم على كبار المسؤولين في جامعة الأزهر الشريف، فأصدرت القرار بمنع عرض الفيلم في مصر، ونقلت الصحافة الخبر، وقالت إن هذا المنع "سيمتد بالطبع إلى العديد من البلدان الإسلامية". قيل إن الأزهر منع الفيلم لأسباب عديدة، منها ان من يجسّد حمزة أسد الإسلام في النسخة الإنكليزية هو انتوني كوين، وهو ليس بمسلم. وان تسمية الفيلم باسم الرسول توحي بأن النبي سيظهر على الشاشة، مع أنه غائب عنها تماما. وأغلب الظن ان الأزهر خشي من فتح هذا الباب فحسب.

رغم هذا المنع، جرى العرض الأول لفيلم "محمد رسول الله" مساء الخميس 29 تموز/يوليو في سينما بلازا في لندن، وأعلنت الشركة المنتجة انها ستعمد إلى اختيار عنوان جديد للشريط، وذلك تحت الضغط الذي تعرضت له بحجة استغلال اسم الرسول في عمل تجاري، وقد تكلفت الشركة ما لا يقل عن خمسين ألف جنيه نفقات إضافية لتغيير الملصقات والإعلانات في مدى ثلاثة أيام قبل إطلاق الفيلم على الشاشات باسم "الرسالة". نجح العقاد في تخطي كل الصعاب، وأنتج فيلما هوليووديا ضخما كلفته تسعة ملايين جنيه لا يظهر فيه "البطل"، وحلّ مسألة ظهور الرسول عن طريق لقطات فنية توحي ولا تُظهر. بلغ طول النسخة الإنكليزية نحو ثلاث ساعات، وجاءت النسخة العربية في شريط أطول بعشرين دقيقة، وتكلف انتاجها وحدها ثلث الموازنة المخصصة للفيلم.


مُنع عرض في مصر والسعودية، وعند عرضه في أميركا، طالبت "حركة الحنفي" السلفية بمنعه، وقامت باقتحام أبنية في العاصمة واشنطن، واحتجزت العديد من الرهائن خلال حصار دام ثلاثة أيام من قبل الشرطة. بالرغم من ذلك، انتشر الفيلم انتشارا واسعا من خلال النسخ المقرصنة، وساهم هذا الانتشار في إسقاط قرار منعه، قبل عودته ظافرا اليوم في حلّته المجدّدة، ودخوله إلى الصالات الخليجية خلال عيد الفطر.

 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها