آخر تحديث:16:45(بيروت)
الأحد 24/06/2018
share

فنان ال"أودي" البيضاء الحزين... الأنزور شبيحاً صغيراً

بشار جابر | الأحد 24/06/2018
شارك المقال :
فنان ال"أودي" البيضاء الحزين... الأنزور شبيحاً صغيراً يصل أنزور إلى مركز ثقافي وهو محاصر بموكب من المسلحين
 

في المدن السورية، التي حررها النظام أو لم يفقدها بالأصل تنتظر جماهير غفيرة وصول المخرج النائب البرلماني نجدت أنزور، بموكب سياراته الأمنية، (audi) بيضاء تتصدر السيارات التي تنطلق في سيرها بما يوازي صدارة موكب شبيحة لمُهرب أو رئيس فرع أمن، يصل نجدت أنزور إلى مركز ثقافي في اللاذقية أو أي مدينة أخرى، وهو محاصر بموكب من المسلحين، الذين يبدو عليهم محاولة ترتيب لباسهم ووجوههم بسبب اصطحابهم لمخرج سينمائي. اللباس شبه الرسمي لرجال أنزور الأمنيين يبدو كوميدياً، من كره المرافقين له وعدم التزامهم بضوابط اللباس الرسمي، فتكيف الشبيحة مع اللباس الرسمي يبدو أمراً شاقاً، لكن المخرج السينمائي سرعان ما يُنقذ الموقف الكوميدي لسوء لباس مرافقيه ببدلته البيضاء ونظاراته الفخمة. في البداية يبدو الأنزور مهرباً صغيراً بين مجموعة من المسلحين بشعي اللباس، ثم يستعيد ألقه ما أن يبتعد عن موكبه الأمني، ويتذكر بأنه فنان وليس برلمانياً – جندياً طائعاً لنظام الأسد-  فقط في نظام وحشي.

ينطلق نداء من داخل الأنزور ليظهر نفسه بدور الفنان، يستعيده ما أن يبتعد بأمتارٍ قليلة عن شبيحته. يخجل شبيحة أنزور سريعاً، فهم ينفرون من الجماهير التي تقترب ممن يحمونه، فيوصلونه الى باب المركز ثم يشعلون سجائرهم في الخارج. الأنزور يبدو حزيناً للاعتياد العام الشعبي على النفور من الشبيحة المرافقين لأي أحد كان، إلا أن استفاقة ما تحصل للجماهير وللأنزور، بمحاولة لاواعية لترميم الصورة الموضوعية للحدث قائلين في نفوسهم وأصواتهم: إنه فنان الآن ... فكل هذه الجلبة، هي لوصول ما يُمكن اعتباره أنه فنان والفنان عليه أن يكون تلاحمياً مع الجمهور إلى حدٍ معقول وغير منفر فيعود الأنزور داخل المسرح لما توقعه هو والجمهور عنه بوصفه فناناً.


ما ان ترافق الجماهير الأنزور داخل مسرح العرض حتى تبدأ ضحكته بالظهور، الحرجُ اللاوعي يدفعه للخروج من صورة المتسلط الى صورة الفنان ولو شكلياً، فيبدأ بالضحك والاقتراب من المعجبين ويسمح لهم بأخذ الصور بكل رحابة. يخالف الأنزور فطرية الفنان في أبسط كشوفاتها، حيث يلتصق بالديكتاتورية بهوسٍ مرضي، يحلم بصفات نبلائها فيبدو متوحشاً شبيحاً صغيراً، ولا يُنتج فناً أصيلاً بالمرة، بل يدور داخل عقل الديكتاتور ونظامه، ويُنشئ أفلامه كلها كاستجابة لأعمال فنية حرة تمردت على وصاية الأب الديكتاتور، أو أفلام الثورة التي تمردت حتى على مواضيع المجتمع والسلطة، وحاولت أن تأخذ لنفسها مكاناً مُحترماً غير مُكره ومقيد.

يحرص الأنزور دوماً على جعل كل ما هو سوري عريق ومتجرد وفني ساذجاً وخاضعاً للتكذيب بطريقة رخيصة. انتاج الأنزور لا يحمل أي سمةٍ مرمزة أو مبهمة، وبالكاد تأخذ شكلاً فنياً، حيث يُقدم روحه كلها لخدمة النظام دون أدنى تراجع او ارتباك، أو حتى تفكير أمام الذات. وإذا كان المجتمع يفترض الفنان رجلاً حراً ومتجرداً عن سيطرة أحد، فالأنزور يقدم الفن بوصفه سلطة قمعية لذاته أولاً وللمجتمع ثانياً. الأنزور أفضل من استطاع إخراج قيمة الحرية لدى الفنان إلى بُعدها الميكانيكي بأن يكون الفنان جندياً ساذجاً لديكتاتورية نشطة وفعالة حيث يخلق للديكتاتورية بُعدها الشكلي اللازم لاستمرارها وتشكيل الجمهور لها.

ويُحسب للنظام قدرته على إنتاج تعيينات للفن والموسيقى والسينما والدراما، مُشكلاً لكتّابه ومبدعيه قنوات للعمل، ومُنمطاً المجتمع السوري بنماذج من (العاطفة الفنية الكلية) حسب فرويد والتي تجعل مجموعة من الفنانين مكبوتي الفكر يسلمون لسلطة الأب الديكتاتور رقابهم من أجل قضيته. هذا التنازل الذاتي الأخلاقي يحمل طابعاً قمعياً في داخل الفنانين، والنظام يعي كيف يوظف هذا لكي يُشكل عنفاً رمزياً انتقامياً يتم عبر عدسةِ الأنزور مثلاً، والذي يبدو متعطشاً لدعم المسلط ليبدو عبداً حقيقاً في تجميل ديكتاتورية لا تتجمل.


 يُكتب هذا المقال، بين مرحلتين لنجدت أنزور المخرج الذي أنتج فيلماً كردٍ على فيلم أصحاب القبعات البيضاء، وبين عمل درامي جديد يُجهز له عن آل سعود. ومع استمرار عرض فيلمه الأخير يبدو أن الأنزور البرلماني يبدو فرحاً في اكتماله الوجداني والأخلاقي، حيث يُصر على أن يكون أفضل أبناء الديكتاتورية السورية، وأغلظ أسلحتها، حيث سيعاد عرض فيلمه الأخير في الساحل في السينما الجديدة التي تُفتح في اللاذقية، وستكون أفلامه في عرضٍ كامل ومكرر.

دراسة الأنزور مطولاً واجبة، لأن تجنبه للمتعة يبدو مرضياً، وانحلاله في التقيد وقتل المخيلة والحلم يبدو هوسياً أيضاً، ورغم عدم نجاعة أفلام الأنزور في المدن السورية كلها، إلا أن انتصار النظام عسكرياً سيكفل للأنزور عباءة الفنان الأول في مدن الديكتاتور. وصول الأنزور لأماكن العرض يبدو مُحزناً وهناك تناقض يشعر به هو قبلنا كُلنا، هل يعقل لفنان حقيقي أن يُشبه شبيحة هذه البلاد لكل هذه الدرجة. بشاعة ما يقدمه الأنزور يمكن توصيفه بقول ماركيوزه عن الفن: "إن الجمال والتحرر لا ينفصلان، وإن قلة الاشباع الغريزي لدى الفنان قد يجعله راضخاً للكبت يخدمه بشكلٍ ساذج"، إن أفضل ما يقوم به الأنزور هو خدمة الديكتاتور واعتقاداته بشكلٍ ساذج.
 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها