آخر تحديث:12:29(بيروت)
الخميس 21/06/2018
share

"حرب باردة" لبافيل بافليكوفسكي: حب خلف جدران ستالين

شفيق طبارة | الخميس 21/06/2018
شارك المقال :
"حرب باردة" لبافيل بافليكوفسكي: حب خلف جدران ستالين هندم المخرج البولندي لقطاته بالأبيض والأسود، حصراً وقسرياً، لأن "أوروبا في تلك الحقبة لم تعرف إلّا الأبيض والأسود"
بعد فيلمه "إيدا" الذي فاز بجائزة اوسكار لأفضل فيلم أجنبي(2014)، يعود المخرج البولندي بافيل بافليكوفسكي بفيلم "حرب باردة"، قصة حب في أتون ما بعد الحرب العالمية الثانية، متأرجحة بين الأزمنة والأمكنة، بين الشغف والنفور وبين السعادة والحزن.

"حرب باردة" ميلودراما رومانسية بمناخ موسيقي، تُروى على مدار أعوام بين مدن اوروبية. تشتعل الشرارة في بولندا، أواخر أربعينيات القرن العشرين، من جولة موسيقية يقوم بها الموسيقي ويكتور (توماز كوت) برفقة المنتجة إيرينا (أغاتا كوليززا) في القرى النائية. يستمعان إلى الاغاني الشعبية من أجل تشكيل فرقة موسيقية من الشباب الذين سيغنون خلال الأمسيات المسرحية للحزب الشيوعي. رغم التاريخ العاطفي بين ويكتور وإيرانا، تقع عيناه على إحدى المغنيات زولا (جوانا كوليج)، يغرمان، ويبدآن ونبدأ معهما في درب جلجلة حبهما.



هي الجميلة الرقيقة التي لا تخجل من ماضيها الجامح وتريد البقاء في بولندا. هو يلعب على أوتار السلطة، وبعكس معشوقته يحلم بالهروب من القيود علّه ينعم بالحرية. تخاف الانتقال معه، فتبقى في بولندا. يلتقيان مجدداً، ونحن نترقّب هذه اللقاءات بين وارسو وباريس ومدن أوروبية أخرى. هو الحب في زمن ما بعد الحرب، الانقسام السياسي حادٌ في أوروبا، بين غربية وشرقية، جدارُ برلين، نزاعٌ بين الاشتراكية والليبرالية، روح ستالين الساكنة في الجداريات وأعمق، والبيروقراطية الحديثة، كلها عوامل شيّدت جدراناً بين البشر وخلقت حدوداً صعبة الاجتياز. هكذا تتخذ مواعيد العاشقَين مساراً خطراً مشوّقاً، فتارة نطمئن لأنها جاءت إليه بالطرق القانونية، وتارة نقلق لأنه يأتيها هارباً مخلاًّ بالقوانين.. نتابع العلاقة المتذبذبة وصولاً الى الستينات، ولا بدّ من شخصيات جديدة تدخل حياة كلاً منهما.

أمّا على الصعيد الذاتي فلا بدّ من تغيرات أيضاً، أحلام جديدة وآراءٌ تتبدّل. في أوروبا الغربية يصبح الموسيقار رجلاً حراً، لكنّه لا أحد. أمّا هي في اوروبا الشرقية، فنجمة، لكنّها دوماً ملتصقةٌ بمصالح حكام بلادها. العلاقة المتراوحة بين الأمكنة لا تفرّقها الحدود والسياسة فحسب، علاقتهما قابلة للتبخّر لأنهما في البعد يتعذبان وفي القرب يحترقان. الثنائية مضطربة، التناقضات مؤرقة، الانزعاج سيّد اللقاءات ورفض الآخر يهيمن.. الرومانسية لا ولن تدوم حتى بعودتهما إلى الحدود المكانية نفسها، هو الخوف الذي رافقنا كمشاهدين منذ البداية، مع اليقين بمأسوية المصير.


يستمر الفيلم في الجرعات الرومانسية الممتعة على مدى التسلسل الزمني. الغاية الموسيقية التي جمعت الحبيبين في البداية ترافقنا تصويرياً على امتداد الفيلم السينمائي، من الأغاني البولندية التقليدية إلى الأغاني الدعائية الوطنية الروسية للويس جوردان وبيل هايلي. تنقلنا الموسيقى في أنحاء أوروبا تماماً كما العاشقَين.

الصورة الفنية فتاكة في "حرب باردة". طوّع بافليكوفسكي، ومدير التصوير لوكاسز زال، المَشاهد، ولّفاها في تسلسل فائق الدقّة حتّى تكلّمت الصورة منفردة وبدت فتاكة، فنستطيع أن نفهم الكثير من دون الحاجة الى الحوار. أتقن المخرج البولندي هندمة اللقطات، اعتماداً على اللونين الأبيض والأسود، حصراً وقسرياً.. وقد برّر قائلاً إنّ أوروبا في تلك الحقبة، لم تعرف إلّا الأبيض والأسود.

في كل لقطة لويكتور وزولا، يتمّ تكريسهما كرَمزين، بعيداً من الإملاءات والسلوكيات المفترضة. يراد لنا أن نفهم أنّ العودة الدائمة مقاومة، وهذه هوامش حريتهما المقدّسة التي ليس لأحدٍ في العالم اختراقها.

بين أرض الوطن وسلوك العشاق، تقع الحرب الباردة الرديفة. أرض الوطن بما تحمله من مفارقات، نراهما يحاولان الفرار منها في الجزء الأوّل من الفيلم، ثم يقاتلان للعودة اليها في الجزء الثاني. أمّا سلوك العشاق فمحكوم بظروف الوطن، الفوضى الاجتماعية التي أعقبت الحرب في بولندا أثّرت في هذا السلوك، هي وطأة القضايا السياسية التي أودت بالبولنديين، ومن بينهم الحبيبَين، إلى خيبة الأمل التي لا تنتهي.
(*) عرض الفيلم أولاً في مهرجان "كان".

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها