آخر تحديث:13:20(بيروت)
الأحد 17/06/2018
share

ēvolvō ليارا بستاني... إشكالية الجسد والمدينة

علاء رشيدي | الأحد 17/06/2018
شارك المقال :
  • 0

ēvolvō ليارا بستاني... إشكالية الجسد والمدينة عرض عن جسد مكافح، يقتات من إفرازات المدينة
ēvolvō، هو عنوان العرض المسرحي الحركي الذي قدمته المصممة والمؤدية يارا بستاني على خشبة مسرح (المدينة – بيروت). أربعون دقيقة من الأداء الحركي المسرحي مرافق بتصميم سينوغرافي، وبإستعمال تقنيات الإسقاط الضوئي، وذلك بغاية روي وتوصيف العلاقة الإشكالية التي تراها الفنانة بين الفرد – الجسد من جهة، والطبيعة – المدينة من جهة أخرى.


في البداية، يتابع المتلقي حركات الأطراف، الذراعين والساقين، وهي تعبّر عن تفتح الجسد في الفضاء المسرحي في عالم من الوحدة والعزلة. يستلهم التصميم الحركي الذي يركز على الأكف والأقدام عناصر من الرقص في المسرح الكاتاكالي الهندي. ومن بعد يظهر عنصر الإضاءة، ليصبح للجسد المؤدي الراقص، ظل معكوس على القماش المشدود على خلفية عمق المسرح، وفي حين يصف المشهد بداية تفتح الجسد في العالم المحيط من حوله، تعكس الأخيلة الثنائية على القماشة ما يشبه اكتشاف الفرد جسده، أعضائه، وإمكانيات اللعب الذي يتيحها الجسد (إضاءة ريكاردو كلمنتي).

ما تلبث عين المتلقي أن تعتاد المشهد، حتى تستعمل المصممة تقنية الإسقاط البصري لمشاهد فيديو مصورة لعناصر من الطبيعة؛ سماء، كتل صخرية، ومساحات من أشجار الغابات. وهنا تختلف الحركات الجسدية للمؤدية – الراقصة لتبدي محاولات الجسد الفرد في التأقلم مع عناصر الطبيعة.

لا تبلغ العلاقة بين الجسد الفرد على المسرح، وبين صور الإسقاط البصري على الشاشة ذروة التعقيد إلا في المرحلة التالية حيث تتبدل صور الطبيعة بفيديو يظهر لقطات مختارة لتفاصيل من المدينة الحديثة؛ الأبنية الأسمنتية، التوصيلات الكهربائية، أصوات السيارات والضجيج المديني.

تتجلى بوضوح مقولة المصممة المؤدية عن الرزح الثقيل الذي يعبأ تحته الجسد – الفرد في علاقته وصراعه مع شكل ومعطيات المدينة الحديثة، فتصبح الأداءات الحركية في هذه المرحلة من العرض دالّة مباشرة على الخوف والقلق، والرغبة بالإنطواء والهروب.

تكتب الفنانة في تقديمها للعرض: "يتمحور العمل حول النضال البشري في التكيف والمواكبة في عالم دائم التغير والتطور، حيث يتم تحفيز كل من الجسد والعقل على حد سواء للقبول والطاعة لواقع جديد. كما يحث على العلاقة بين الطبيعة والمدينة، تلك العلاقة العضوية، المتفاوتة والمعقدة. يأتي هذا العمل ليبين التفكك الحاصل بين الإنسان المعاصر وبين محيطه المكتسح بالمعلومات، ويعري تلك العلاقة أمام كل الخيبات وجميع المخاوف الناتجة عن هذه المعضلة". إذاً، تتناوب العلاقة بين الجسد المؤدي الراقص من جهة، وبين لقطات الفيديو التي تعرض على شاشة عمق المسرح من جهة أخرى. هي محاولات الاندماج، والتأقلم، والصراع، وعلاقات القوة. ومن ثم ينتقل العرض بالمتلقي إلى مرحلة توصيف ليل المدينة الذي لا يلبث أن يفتح فسحة للفردية والهدوء، حتى ينقلب مجدداً إلى عامل تشتت وضياع للجسد الباحث عن زوايا من الإنزواء، والإنطواء، والسكينة.

يمكن لعرض Evolvo في تطوير عروضه القادمة أن يستفيد من الأرضية الفكرية لفكرة المسرحية، على أن يطور عليها في نواحي التصميم الحركي، والحضور الجسدي للمؤدية على المسرح، وفي العلاقة التفاعلية مع الجمهور. وكذلك يمكن تطوير الخيط السردي الذي أرادت مصممة العرض إيصاله إلى المتلقي كرسالة مسرحية يقوم المتلقي بتأويلها. فمبقدار ما حمل الأداء الحركي ليارا بستاني من المهارة الواعدة، بمقدار ما أمكنها أن تقدم عرضاً مسرحياً مبنياً على مضمون قابل للسرد حركياً، وقابل للتطوير كريورغرافياً.


قام العرض على تصور موسيقي للفنان وليم لولين، تنوعت فيه القطع الموسيقية المقدمة من الموسيقى الإلكترونية المينمالية في المشاهد الأولية للعرض، انتقالاً إلى موسيقى أكثر تعقيداً مع انطلاق الجسد المؤدي في سرد علاقته بالطبيعة والمدينة، وصولاً إلى أنواع موسيقية قلّ ظهورها على خشبة المسارح العربية منها موسيقى: التكنو، Drum and Bass، وموسيقى البسيكاداليك الملائمة للتصاميم البصرية في سينوغرافيا العرض. وفي هذا الإطار يمكن القول بأن الفنانة المؤدية وفقت في التعامل مع الأنواع الموسيقية الجديدة على الخشبة العربية، فلم تلجأ للإيقاعات أو للتنويعات اللحنية الموسيقية، محاولةً الحفاظ على الأداء التعبيري المصمم ليؤدي مقولة العمل الفني، أي العرض.

في القسم الأخير، يروي العرض انتصار المدينة وعناصرها على الجسد الراقص الذي، يدخل على الخشبة مغطى بالاسمال، والأكياس، والأوراق البالية، أي كل ما يشير إلى مخلفات المدينة، هذه الملابس التي تغطي كامل الجسد الراقص تمحو عنه هويته الإنسانية وتجعل منه متاعاً أو غرضاً من مفرزات المدينة، التي لا بد أن تطبع الجسد بسماتها وتحوله غرضاً من مفرزاتها. فيتنقل جسد المؤدي بين عمق وزوايا المسرح مغطىً بالأسمال، ليعبر عما أرادته الفنانة في ورقة التقديم الخاصة بالعرض والتي تكتب فيها: "إنه عرض عن جسد مكافح، يقتات من إفرازات المدينة، في حالة بحث عن التوازن، مندفع لخلق صلة مع الطبيعة، ومع جوهر روحه الحيوانية".

 



شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها