آخر تحديث:11:10(بيروت)
الأربعاء 13/06/2018
share

"المغامرة" لبلاز سناندرار... رائعة الأديب المتشرد

وجدي الكومي | الأربعاء 13/06/2018
شارك المقال :
  • 0

"المغامرة" لبلاز سناندرار... رائعة الأديب المتشرد السندباد البحري
إذا صح أن نستعير اسم الفيلم الهندي "المليونير المتشرد"، لنصف به الروائي السويسري الفرنسي بلاز ساندرار، فإن الوصف الأدق لن يكون فحسب "المليونير المتشرد" مع أن ساندرار كوّن ثروات خلال فترة حياته التي تنقل فيها من نابولي إلى إيران، إلى البرازيل، إلى الولايات المتحدة، وعاد إلى أوروبا، وفقدها، بل سيكون "الأديب المتشرد"، الذي راكم تجارب حياتية هائلة من خلال أسفاره الكثيرة، والأراضي التي وطأها بقدميه، والمعرفة التي تكونت له، وأسفرت في النهاية عن أدب عظيم، تركه لنا.


يبدأ ساندرار كتابه "المغامرة"(*)، وهو العنوان الذي ينطبق فعلا على محتواه، بفصل عن أبيه الذي عاش في نابولي وعمل مع المصور الشهير أندريا ريكوردي، كان أحد أهم أعيان نابولي، وحصل على ثروته الضخمة من عمله كمصور رسمي للبلاط الملكي، وهذه لا تختصر الحكاية، إذ إن الأب كان بارعاً في صنع الثروات، لكنه يهجرها، هكذا ببساطة، ما أن تنجح فكرته، حتى يتحول عنها إلى فكرة جديدة. يقول ساندرار: كان أبي منذ ما قبل مولدي سنة 1886 صديقا لريكوردي وجارا له، لكنه أصبح شريكا له بعد ذلك ببضع سنوات، ماذا كان أبي قد اخترع، وأصبحت له أهمية كبيرة في نمو مشروعات ريكوردي التجارية الاستثمارية؟ كان أبي العبقري قد اخترع تقنية حديثة يمكن من خلالها طبع الصور التي يلتقطها ريكوردي على كل أنواع الخامات الأخرى، فأمكن مثلا طبعها على الألواح الخشبية، المثبتة في قطع الموبيليا، مثل الأسرّة والدواليب، إلا أن ما جلب على أبي ثروة ضخمة كان اختراع تقنية طبع صور الوجوه الشخصية (البورتريه) بالألوان الطبيعية على مساحات صغيرة جدا، مثل علب ساعات اليد وعلى مسطحات محدودة جدا من قطع الحلي الذهبية.

كان والد ساندرار أول من فكر في إيطاليا، أن ينقل إليها الفكرة الأميركية الخاصة بتوليد الكهرباء من مساقط المياه. يحكي بلاز بشغف كبير، عن شوارع أوروبا التي كانت تضاء حتى سنة 1890 بغاز الاشتعال، الذي يمر في مواسير تحت الأرض وفوقها، من مستودعات الغاز المختلفة. نقرأ هنا كيف رأي بلاز ساندرار في طفولته، الموظف الرسمي المسؤول عن إضاءة الشوارع في المدن، يدور في الشوارع نهاية النهار لإضاءة مصابيح الغاز واحدا واحدا، فاشترى والد ساندرار من الحكومة الإيطالية حق استغلال مساقط مياه جبال الألب، لإنشاء محطة توليد الكهرباء، بعدها، حينما أحس والد ساندرار أن مشروعه هذا أصبح ناجحاً وقادراً على الوقوف وحده على قدميه، فقد اهتمامه به، وتخلى عنه بثمن بخس لصالح جهات حكومية، هكذا يكوّن والد ساندرار الثروة تلو الأخرى، ويهجرها، وهكذا سيصبح بلاز ساندرار نفسه.
يقول ساندرار في الفصل نفسه: الآن وأنا أكتب هذا الكلام، وقد أصبحت في العقد السابع- وقت كتابة الكتاب عام 1947- أُدرك أن كراهية والدي للثراء انتقلت إليّ بالكامل، فأنا احتقر الأموال، وحبه للمغامرة هو كذلك طبع واضح في كل من شخص والدي وشخصي.
يحكي بلاز ساندرار بذاكرة يُحسد عليها عن اعتدال المناخ في مدن إيطاليا نهايات القرن التاسع عشر، وكذلك عن ظاهرة حضور الفنانين التشكيليين رسامي المناظر الطبيعية إلى هذه المدن قادمين من أرجاء بلدانهم الأوروبية، لرسم الأركان الهادئة، والقصور العتيقة. يتذكر ساندرار حجم البؤس والفقر الذي يبدو على المتسولين الذين يمرون من أمامه وقتما كان طفلا. ينتقد بلاز ساندرار إيطاليا الملكية، ويبرر أسباب ميله في شبابه في التفكير إلى ضرورة قيام مجتمعات اشتراكية شيوعية في العالم، ثم يحكي عن رحلته الأولى إلى صقلية، التي قام بها في مراهقته، للتخييم في العراء، مشاركا أقرانه المراهقين مغامرته الأولى بالحياة في الطبيعة، وسط الأشجار على حواف الجبال والغابات، وعند بلوغه سن العشرين، يعطيه الروائي روديارد كيبلينغ وصفة المغامرة، إذ قرأ في روايته "كيم" أن هذا البطل ذهب في مطلع عشريناته ليقضي إجازة طويلة فى منطقة جبلية شديدة الارتفاع في التبت، فيسافر بلاز ساندرار من سويسرا " التي كان مسجلا فيها في كلية الطب بجامعة برن السويسرية" إلى النمسا، ثم إلى تشيكوسلوفاكيا ومنها إلى بولندا، وليصل أخيرا إلى روسيا القيصرية، ومنها إلى بكين، ثم ينتقل مرة أخرى إلى دول آسيا الوسطى أوزبكستان، وطاجكستان، ومنها إلى إيران، حيث يعمل جوهرجيا مع تاجر مجوهرات روسي يضمه إلى معاونيه.


يستمد الكتاب سحره من أسلوب الحكي الذي يتبعه بلاز ساندرار، ولا عجب أن يغرم به كاتب مثل هنري ميللر، ويحدثنا عنه في فصل كتابه "حياتي مع الكتب"، إذ ينتقل ساندرار بين حكاية وأخرى بسلاسة هائلة، هنا يحكي عن تاجر المجوهرات الروسي الذي عرض عليه أن يزوجه ابنته الوحيدة إستر، ثم خلافه معه لرغبته في شراء خنجر مرصع بالمجوهرات، ثم مغادرته طهران، بعد أن استطاع أن يبيع إحدى ماسات الخنجر فعلا، ومطاردة التاجر الروسي له بإبلاغه الشرطة الإيرانية عنه، تبدو الحكايات في الكتاب أشبه بأسلوب شهرزاد، ويبدو بلاز ساندرار أشبه بالسندباد البحري، خاصة أنه عمل لسنوات كبحار على متن سفن قطعت المحيطات بين أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.


ولكن الكتاب لا يحوي فقط حكايات كتلك التي في ألف ليلة وليلة، بل قد يشبه أيضا كتب التاريخ، اذ يتطرق المؤلف الى أحداث سياسية، كما يزخر بكم المشاهدات التي رآها بلاز ساندرار في رحلاته إلى أوروبا وأميركا والبرازيل بأسلوب سياحي، فيحكي عن طرق أبناء هذه المدن والبلدان في الاحتفال بالأعياد. ففي البرازيل هناك مثلا يوم الاحتفال بالكرنفال في ريودي جانيرو، حيث راقصات السامبا شبه عاريات طوال الليل في الشوارع مما يولد جنونا لدى شباب المدينة. وفي ليلة الاحتفال بالعام الميلادي الجديد في نيويورك، يغزو زنوج حي هارلم شوارع بردواي بأجراسهم التي تردد ناطحات السحاب أصداءها. كما أن الكتاب يتضمن أراء بلاز ساندرار الأدبية، وحكاياته عن الأدباء الفرنسيين الذين تأثر بهم، ومنهم ريمي دوجورمنت الذي تعلم منه تكريس حياته لهدف، يقول بلاز ساندرار: أعطاني ريمي الجواب على سؤال: كيف من الممكن أن تصبح كاتبا كبيرا، وهو العمل الشاق المستمر في القراءة والكتابة ليلا ونهارا طوال حياتك، مع الإنكار التام للذات.

ويظل أمتع فصول الكتاب، الفصل الذي خصصه بلاز ساندرار للكتابة عن البريطانيين قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بعنوان "آليس في بلاد الإنكليز"، حيث قضى ساندرار شهور الشتاء في الفترة من 1939 حتى فبراير 1940، في انكلترا للعمل كمراسل حربي، وتعرف فيها عن قرب على أسلوب حياة الإنكليز، واستعداداتهم للحرب مع هتلر، وتوقعاتهم التي دارت حول احتمال اندلاع حرب طويلة الأجل. ويصف البريطانيين بأنهم يطيعون قانونا غير مكتوب، كأنه يخص ديانة غير معلنة، يبدون كما لو أنهم يقودون حيواتهم بشكل غير متوقع، لأن كل بريطاني محصن بتاريخ طويل من الإيمان بالمدنية والحريات الشخصية، كل بريطاني يتبع قانون حريات بدأ العمل به في بريطانيا قبل ألف عام.

لا تكفي أي كتابة لاستيفاء هذا الكتاب حقه من الجمال والإشادة بما جاء فيه من محتويات وقصص آسرة.

(*) صدرت ترجمة "المغامرة" لبلاز ساندرار عن دار آفاق القاهرية بترجمة عادل أسعد الميري
شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها