آخر تحديث:12:50(بيروت)
الثلاثاء 08/05/2018
share

خرائط الصوت: أماكن المدينة الغائبة

حسن الساحلي | الثلاثاء 08/05/2018
شارك المقال :
  • 0

خرائط الصوت: أماكن المدينة الغائبة تختلف البيئات الصوتية بين الأحياء
ليس هناك حتى اليوم من خرائط صوت جدية لمدينة بيروت، سوى بعض المحاولات الفردية التي قدمت توثيقاً جزئياً لأمكنة موجودة في المركز غالباً، أو مرتبطة برمزية معينة عند السكان. أتت هذه التجارب في سياقات متباينة، منها توثيقي يقع ضمن خانة الخرائط الرقمية للأصوات المحيطة، أو فني يستعمل الصوت بالإضافة لكونه مادة توثق مكان، أداةً للتأثير الدرامي، بالإضافة إلى سياق بيئي يتمحور حول الضجيج والأصوات المزعجة، ويكتفي بتقديم مستوى الصوت بالديسيبل لإعطاء فكرة عن الضجيج في شوارع وساحات رئيسية في المدينة (ليس هناك سوى تجربة جدية واحدة هي لمجموعة "صوت وصمت"، نفذتها بالتعاون مع كلية الهندسة المدنية في الجامعة الأميركية في بيروت، بهدف خلق تشريعات عمارة وتخطيط تخفف من حدة ضجيج السيارات وورش البناء على السكان).


لكن تبقى تجربة ديفيد ويرسلي، أستاذ الإنسانيات الرقمية في جامعة نيويورك أبوظبي، الوحيدة التي تستحق تسميتها بالخريطة الصوتية. تحوي الخريطة عدداً من التسجيلات التي وضعها ويرسلي في موقعه الخاص على الشبكة، وأُخذت بشكل خاص في شارع الحمراء وجواره وفي بيئات صوتية متنوعة، مع العلم أن هناك تسجيلات معدودة أُخذت في مناطق المطار، الحدث، حاريصا، وأمكنة متفرقة أخرى من بيروت الكبرى. تشكل هذه الخريطة قاعدة بيانات يمكن الإنطلاق منها في حال أراد أحدهم تغطية أحياء أخرى صوتياً في المستقبل.



مشكلة الخريطة الرئيسية أنها لم ترفق مع التسجيلات، معلومات توضح المكان الذي أخذت فيه ومصادر بعض الأصوات المهيمنة، ولم ترفق صوراً، أصبح وجودها بديهي اليوم في الخرائط الصوتية التي تنفذ حول العالم والتي، يأتي بعضها على شكل تطبيقات تسمح للمستخدم بوضع التسجيلات عبر هاتفه، في الأمكنة التي يتواجد فيها. تلزم هذه التطبيات بوضع معلومات عن مكان التسجيل وسببه، وبعضها يلزم بوضع صورة للمكان 180 درجة، ليس فقط لقيمتها التوثيقية، بل لزيادة الفهم حول البيئات المكانية الموثقة.

يمكن تقسيم البيئات الصوتية في خريطة ويرسلي على مجموعة مجالات، هي شارع الحمراء الرئيسي، شارع المقدسي وامتداداته حيث المقاهي والأندية الليلية والموسيقى، الشوارع السكنية التي تمتد إليها بعض المحال التجارية، وجنة الجامعة الأميركية الصوتية التي لا تدخل إليها السيارات. أخذت التسجيلات في أمكنة داخلية، خارجية، أو في السيارة. الأخيرة هي الوحيدة التي حصلت فيها مشاكل في التسجيل بسبب عدم مراعاة الشخص المكلف بالتسجيل لحركة الهواء خلال سير المركبة، لكن تبقى بعض هذه التسجيلات الأكثر أهمية، لأنها توثق انتقالاً بين بيئات صوتية مختلفة على امتداد الأحياء والشوارع، كما أنها الأكثر توثيقاً للتنوع الموسيقى والغنائي الموجود في الأمكنة العامة الذي يعكس التنوع الثقافي الكبير في الحمرا. لا يمكن التمييز أحياناً بين الأمكنة الداخلية والخارجية بسبب غياب الشرح حول التسجيلات، كما أن عدم ذكر الوقت الذي أخذت فيه التسجيلات يزيد من ضبابية بعضها.

تختلف البيئات الصوتية بين الأحياء بالإعتماد على عوامل عديدة: عرض الشارع ونوعه إن كان رئيسياً أو فرعياً، وجود أشجار بين المباني، كثافة المباني، طبيعة الحي إن كان متداخلاً مع الأسواق والمقاهي وطبيعة الساكنين، وإن كان هناك ورشة بناء قريبة. التوقيت يلعب دورا مهماً أيضاً، مثلاً خلال الصباح في الأمكنة التي يوجد فيها مساحة خضراء تهيمن أصوات العصافير على التسجيلات، وفي أوقات الذروة تصل أصوات المارة والسيارات في الأسواق إلى أعلى درجاتها، أما في مواعيد الأذان تصبح أصوات المدينة وضجيجها بنكهة خاصة، ما ينطبق على أوقات الذروة في شوارع الأندية الليلية والمقاهي التي تلون البيئات الصوتية بتنوعهاً الموسيقي والغنائي.

هناك مشاريع صوتية أخرى أنجزت أيضاً خلال السنوات الماضية، لا تضع الصوت في قالب موضوعي كما خريطة ويرسلي، ولا تقدم توثيقاً حقيقياً للأمكنة، رغم اقتطاع بعضها فعلياً من البيئات الصوتية الفعلية. هي ببساطة وجهات نظر شخصية بأساليب سرد متعدد المستويات، ومنها خريطةSpeaking of Beirut and the city is missing الذي نفذته BeritSchuck وJulia Tieke (من إنتاج مركز بيروت للفن) ويتحدث بلسان فنانين ومخرجين يعيشون في برلين، عن سبع أماكن هي: مارمخايل، شارل حلو، مونو، كورنيش الروشة، جسر الواطي، شركة الكهرباء والهوليداي إن (تقع غالبتها في أحياء جاذبة للفنانين والمخرجين) ويتوسع بعضها ليتحدث عن المساحات الفارغة والعامة، وعن كيفية تمدد المدينة في الضواحي وتغير وجوهها مع الزمن.

تعطي الأصوات الموجودة في المقطوعات السبع، إنطباعاً بأنها أخذت فعلياً في تلك الأمكنة، مع أنها سجلت في برلين. وتأتي في سياق القصة التي تخبرها كل شخصية (تتخلل تذكراً مطعماً بالنوستالجيا لماضي تلك الأمكنة ثم سرداً لواقعها الحالي ومصيرها المستقبلي) تترجم الأحداث والمواقف الإجتماعية التي اختبرتها في الماضي إلى بناء صوتي يجعل المستمع يعيش تجربة المكان بطريقة جديدة. تثبت هذه المقطوعات قدرة الصوت على تحفيز التخيل البصري ونقل التجارب الحسية بفعالية أكبر من الصورة غالباً، تقدم واقعاً – لا بصرياً وبصرياً لأقصى الحدود.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها