آخر تحديث:14:41(بيروت)
الإثنين 07/05/2018
share

"عن الآباء والأبناء" لطلال ديركي: كابوس جديد

راشد عيسى | الإثنين 07/05/2018
شارك المقال :
"عن الآباء والأبناء" لطلال ديركي: كابوس جديد عالَم يفاخر بأن أطفاله الذكور قد بدأوا ينهرون فتيات صغيرات لم يتجاوزن الثالثة من العُمر
"في صغري، علّمني أبي أن أكتب كوابيسي كي لا تعود إليّ مجدداً". إعلان بصوت المخرج السوري طلال ديركي، في بداية فيلمه "عن الآباء والأبناء" (2017)، يفسّر ويصف أي نوع كابوسيّ سيكون فيلمه الجديد.

ديركي، وهو صاحب فيلم "العودة إلى حمص" (2013)، الوثائقي الذي يَعرض لشطر من حياة نجم كرة القدم السوري عبدالباسط الساروت في ظل الثورة السورية، يقول في مقابلة إنه عاش الكابوس الأول هناك، في ريف حمص الشرقي، أثناء مرافقته للساروت، حينما وجد نفسه أمام أحزمة ناسفة وأعلام سُود وأناس كانوا يطالبون للتوّ بالحرية فأصبحوا ينادون بالخلافة وحكم الشريعة. لكن وجود أطفال بين الجهاديين كان هو بالذات ما دفعه تالياً للبحث في "جذور العنف"، و"كيف تصبح ما أنت عليه اليوم"، ولذلك اختار لفيلمه ثيمة الآباء والأبناء، والعلاقة بين الأجيال.

هكذا اختار ديركي أن يخوض هذه التجربة الوثائقية الخطرة مع مصوّره قطحان حسون، حين ذهب إلى تلك البقعة الخاضعة لحكم "النصرة" في مدينة إدلب شمال سوريا، مموّهاً نفسه بهيئة مصوّر محب للجهاديين، ليعيش تفاصيل العلاقة بين جهاديين وأبنائهم، وأي مصير سيؤول إليه الجميع.

مشهد الفيلم الافتتاحي سيكون نقطة انطلاق بصرية ملائمة للفيلم، حيث تقوم الكاميرا، وبإيقاع بطيء، بتصوير لعبة كرة قدم للأطفال في ساحة ترابية في البلدة. فمن جهة هو إيحاء ببداية اللعبة، الفيلم، كتابة الكابوس باعتبارها نوعاً من اللعب لتبديد الكوابيس. ومن جهة ثانية، هو إشارة إلى عالم الأطفال البريء، كما هو في كل مكان، وكيف سيتغير المشهد تماماً ويختفي بعد قليل، لصالح تحوّل هؤلاء إلى مصائر وألعاب خطرة أخرى. لكن، مع دوران الكاميرا وابتعادها عن كرة الأطفال واتساع اللقطة لتأخذ محيط الملعب الشاسع كلّه، سيظهر أيضاً كم أن هؤلاء متروكون لمصائرهم، في قلب ذلك الفراغ الرهيب. وهنا، لن يتردد المخرج/الراوي في تقريع نفسه: "هربتُ كغيري إلى شمال الأرض، وبينما بدأنا ببناء وطن جديد في المنفى، كانت السلفية الجهادية تعيش عصرها الذهبي خلفنا، حصدتْ خلف الجميع".



يعثر المخرج على أبطال فيلمه في عائلة أحد مقاتلي "جبهة النصرة". معتقل سابق لدى النظام (تحديداً في سجن صيدنايا كما سيقول لي المخرج لاحقاً في دردشة حول الفيلم)، وقد أطلق على أطفاله أسماءهم تيمناً بقادة جهاديي تنظيم "القاعدة" و"طالبان"، أسامة وأيمن وخطاب ومحمد عمر.. وعبر هذه الشخصية، وعلاقته بأطفاله وأسرته سيبني فيلم "عن الآباء والأبناء" حكايته.

طرق وعرة
"سيمضي الجميع إلى الحرب، لكني سأختار البقاء مع أسامة وأيمن شاهداً على تركة الحرب الثقيلة"، يقول المخرج، من دون أن يمنعه ذلك من الخروج أحياناً لتصوير عمل الأب، في مهنته الخطرة: نزع الألغام.


ملاحقة الكاميرا لشخصية الأب ضرورية لرؤية الأثر الذي سنلاحظه على الفور في شخصيات الأطفال. ترصد الكاميرا أبو أسامة (وهذا هو اسم الأب) سواء في بيته، بين أطفاله، أو منكباً فوق الصخور والأشواك لنزع لغم. سيظهر حنوناً مداعباً لأطفاله، متألماً بشدة بعد بتر ساقه إثر انفجار لغم (بتر الساق سيكون أمراً محزناً من دون شك، لكن لن يخطر في بال صنّاع الفيلم أن يحظوا بمثل هذه الهدية -بالمعنى السينمائي البحث- والتي ستضفي مسحة مأساوية على شخصية البطل/الأب). لكن شيئاً لن يتمكن من التأثير في صلابة الشخصية الرئيسية ونهائيةِ معتقداتها. قد يصلح المشهد من قلب المتراس، دليلاً لشخصيته: يصوب بندقيته من فتحة المتراس بين أكياس الرمل، متحدثاً في الوقت ذاته إلى المخرج بجانبه وكيف أنه اشتمّ رائحة ابنه أسامة من بعد حين كانت سيارة السجن تنقله من سجن إلى آخر، لكن أبو أسامة لن يتردد، حتى قبل أن يكمل هذه العبارة، في أن يطلق النار على عابر على دراجة نارية شاهدَه عبر عدسة البندقية القناصة، وسيرى كيف سقط العابر عن دراجته بفعل الرصاصة. لن يفكر أبداً في أن احتمال أن يكون الآخر أباً.

أما اتجاه أولاده وكيف يفكر بهم، فإن مشهداً آخر سيختصر تلك العلاقة. إذ يقول الأب، فيما ينحر أضحية: "سبحان الله، لو أن سيدنا ابراهيم لم يفْدِ ابنه بكبش لكان على كل منا أن يذبح أحد أولاده". إن تقديم الولد كقربان أمر مسلّم به، وعلى ما يبدو في الفيلم فإن كان الأب قد أُعفي من "نحر" ابنه بالفعل، فهو لن يتردد في "نحره" بطريقة أخرى، حين يقدمه لقمة سائغة للحرب وهو لما يكمل سنواته العشر.

عالم الأب والكبار محْكَمٌ في عقائده، وإلى جانب ذلك هو عالم أحمق، ومتهور. الفيلم يقدم هذا العالم عبر مشاهد وصور وحكايات. سنرى فيه الحق بقطع الرؤوس (نسمع صوت أحدهم يأمر عبر اللاسلكي ببدء قطع الرؤوس)، استسهال تعدد الزوجات، كثرة الأولاد، إقصاء المرأة كلياً من المشهد، صوتاً وصورة، بل والتفاخر بأن الأطفال الذكور قد بدأوا منذ الآن نهْر الصغيرات، حتى من لم يتجاوز منهم سنّ الثلاث سنوات، وإصدار الأوامر إليهن بارتداء الحجاب، إرسال الأطفال إلى الحرب، التهور في تفكيك الألغام ومحاولة استخراج المواد المتفجرة من قلبها بأدوات حادة بمشاركة الأطفال… كل ذلك كان له صداه عند الأولاد.

بعد ذلك سيأتي عالم الأطفال مشابهاً إلى حد بعيد. فهؤلاء، لعبتهم المفضلة العنف والقتل والحرب. عندما يلقون القبض على عصفور، سيأمرهم الأب بقتله لأن هذا أفضل له من العذاب، كما يقول. سيتلهّون بصناعة قنبلة، يتقاذفونها بأرجلهم. يتعاركون. يرمون بنات المدرسة بالحجارة والشتائم البذيئة. وكذلك الحافلات العابرة. وشيئاً فشيئاً، سيدخلون في حياة الجِد، تعلّم الوضوء والصلاة حسب الأصول، التدرب على السلاح، ثم الذهاب إلى أرض المعركة في سن مبكرة. هنا سينفصل الشقيقان أسامة وأيمن. الأول سيجسد حلم الأب، سيثبت مقدرة أفضل من شقيقه الصغير الذي سنراه لاحقاً على مقاعد الدراسة، مع أطفال آخرين ونَحار إن كان علينا أن نرى فيهم أملاً ما، أم حيوات مهددة بطرق وعرة ومصائر مماثلة. مشهد وداع وعناق محزن بين الطفلين، أحدهما يودع الآخر ذاهباً إلى الحرب، مشهد استثنائي لن ترى له مثيلاً.



في المَشاهد الأخيرة سنرى سيارات تحمل أطفالاً ببدلات عسكرية مموهة، ملثمين بالقبعات السود، وبوجوه عابسة.. ذاهبين باتجاه الصعب، كما يبشرهم قادتهم. في الطرق، دخان كثيف أسود، وحرائق. هنا سيعود صوت الراوي/المخرج ليتحدث عن شخصيتيْ الطفلين الشقيقين: أسامة الذي اقتيد إلى طرقات الموت، وأيمن الذي صار فتى يافعاً يتابع دراسته ويعتني بإخوته الصغار.

الطقس في لقطة الختام موحل، بارد، وماطر، والرؤية مشوشة. ديركي يحث الخطى كمن يتعجّل الهروب من الكابوس. هو على الطريق، فيما صوته يروي: "وأنا بدوري أقلب صفحة قديمة، وأنهي هذا الكابوس. أعود إلى بيتي وأسرتي في برلين، مع ذاكرة عن وطن تغيّرت معالمه بطريقة مرعبة، وطن لا يشبه مطلقاً ذاك الذي أعرفه".

طرق مشوشة ومصائر غامضة. لكن الفيلم شديد الوضوح في ما يرمي إليه. ليست السياسة مقصده، إنه يتحدث عن البشر، الأطفال خصوصاً، وما حلّ بهم. وأي مستقبل يتهدد ذلك المكان، الكابوس.


شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها