آخر تحديث:13:27(بيروت)
الأربعاء 30/05/2018
share

الأسوَد ليس مهنتي

جودي الأسمر | الأربعاء 30/05/2018
شارك المقال :
الأسوَد ليس مهنتي أين ينتهي التمييز ويبدأ الفن؟ وماذا لو صارت مهرجانات السينما مطلبية أكثر منها فنية؟
أثار مهرجان "كان 71" السينمائي الأخير إشكاليات حقوقيّة حوّلت السجادة الحمراء الى مسرح لقضايا إنسانيّة، سرقت الأضواء عن الهدف الفني لهذا الحدث. فالحضور الهوليوودي الخجول وازاه سيطرة قضايا انسانية متعددة، نسويّة الطابع. جاء في مقدّمها التحرّش الجنسيّ الّذي اتّهم به المنتج الأميركي هارفي ونستون أضيء عليه عبر نشر رقم خاص بالفتيات اللواتي تعرضن للتحرش على شاشات المهرجان، في إطار حراك حمل هاشتاغ #أنا_أيضًا. كما مشت على السجادة الحمراء 82 امرأة طالبن بمساواة في الأجور بين الجنسين. إلا أن الحدث الأبرز بين هذه الظواهر تجلّى بوفود 16 ممثلة فرنسية سمراء معًا، تقدّمتهن الممثلة سنغالية الأصل أيسا مايغا، لرفع الصوت حول التمييز وقلة تمثيل السمراوات والخلاسيات في السينما والمسرح في فرنسا، إلا لاستثناءات هي بذاتها عنصرية.

في فيديو بثته Brut Cannes، تقول أيسا مايغا، إنّ هذه المجموعة شاركت دعمًا للوثائقي الذي أنتجته لتجسيد كتاب جماعي ألّفنه بعنوان “Noire n’est pas ma profession” (الأسود ليس مهنتي) الّذي انتشر في المكتبات مطلع هذا الشهر. تستعرض الممثلات في صفحاته قصصًا شخصية تحفل بمواقف وملاحظات تمييزية رافقتهن خلال مزاولة المهنة. وعمدت المؤلفات الى حجب اسماء الذين مارسوا هذا التمييز "لأن الغاية من هذا الكتاب هو انتقاد نظام عنصريّ لا انتقاد أفراد قد تُختلق لهم الأعذار أو تتم شيطنتهم". ومايغا تتحدث باسم الممثلات، من بينهن سونيا رولان، وفيرمين ريشار، وناديج بوسون ديان. هذه الأخيرة كتبت عن تطوّرها المهني الّذي ظلّ عالقًا ومحكومًا بلون بشرتها "كنت في الحادية والعشرين حين غادرت منزل والديّ، وبدأت حياتي كامرأة وكفنانة. كنت أعتقد أنّ كلّ شيء ممكن. ومثلما أحرزت المرتبة الثانية في المعهد التمثيلي، أستطيع دائما أن أبرع في تجسيد شخصية "جولييت" أو "كاميل". كنت أشعر أنّني بطلة حياتي، قوية وحرة. المؤسف أنه خلال الـ25 سنة التي تلت فهمت أنني سوداء قبل أن أكون أنا".

إلى ذلك، احتشدت القصص بعبارات التمييز الجسماني مثال "أنت أذكى من أن تكوني سمراء، يجب أن تكوني بيضاء"، "أنت أكثر سمارًا من أن تجسدي الخلاسية"، "لحسن الحظ لديك ملامح دقيقة". الكتاب الذي لاقى استحسانًا مبدئًيا لدى الجمهور الفرنسي وحّدت تعددية وقائعه  وجهة نظر مفادها أن وجود هؤلاء الممثلات على الشاشة الفضية هو تلبية لحاجة لا يمكن تفاديها أو لمقتضيات حدثيّة، كاريكاتورية بمعظمها، تحتاج وجود ممثلة ذات بشرة سوداء.

بالنتيجة، يبقى وجود ممثلة سوداء في مشهد ما، استثناءً كفيلاً بتأكيد هذه القاعدة. 
قراءة هذه الحادثة على حدة سيتجاهل حالة مطلبية "سوداء" حاضرة لسنوات خلت. الأصوات حول التمييز العنصري بحق السود لم ترتفع في "كان" أولاً، فقد مهّدت لها أصوات ارتفعت في أوسكار هوليوود العام 2015، الذي شهد مقاطعة ممثلين ومخرجين سود على خلفية ما لاحظوه من إقصاء وتهميش المهرجان لما أسموه بـ"السينما السوداء". ويبدو أن هذه الاحتجاجات لم تضع سدى، بل أفسحت مساحة  كبيرة في العام التالي لترشيحات أدّاها ممثلون ومخرجون سود كـ"مولد أمة" لـ"نات تيرنر" وفيلم "لافنغ" للمخرج الافريقي الأصل بيل نيكولز، وفيلم "مملكة متحدة" الذي أعاد تجسيد قصة حب جمعت أميرًا أفريقيًا متحدرًا من قبيلة في بوتسوانية وفتاة إنكليزية، وهي قصة واقعية نتجت عنها أزمة دبلوماسية في خمسينات القرن الماضي.

ولا يزال التمييز العنصري يصنع واقعًا حقيقيًا وبشعًا، ويضرب بجذوره في مآسٍ انسانية عديدة على خلفية الاستعمار والمعتقدات الثقافية، وطرحه صواب إن لم يكن واجبًأ. بالمقابل، يخشى نقاد فنيون غلبة الأهداف المطلبية والقضايا العامة على مهرجان "كان"، وبصورة أعمّ على الصّناعة السينمائية الّتي يتّجه تقييمها على مقياس موضوعاتي، فيما تبقى التقنيات والقيمة الفنية للأعمال رهنًا لحكم جماهيري واحترافيّ قد لا يتّفق مع معايير اللجنة التحكيمية.

هذه الخشية تبدو مبرّرة مع تصريح أيسا مايغا التي لم تخفِ اقتناصها الكثافة الاعلامية في "كان" للترويج لقضيتها، تقول: "هذه البقعة تحمل رمزية عالية لناحية صناعة السينما، والهوية والثقافة الفرنسيتين، مع إمكانية استغنامنا الحضور المكثف لوسائل الاعلام الاجنبية".
 
في المحصلة، وقبل انتشار هذه الافلام في الصالات، سيكون مبكرًا إطلاق الحكم على هذه النسخة من "كان" على أنها "بشارة" أو "إنذار" بمنعطف جوهري في وزن الفن داخل هذا الفن السابع. إلّا أنّ ردّ الفعل السريع للجماهير على مشاركة السمراوات في السينما سطّرها الجمهور اللّبناني في ثنائه على مشاركة العاملة الاثيوبية يوردانوس شيفيرا في فيلم نادين لبكي. تعليقات ميّزت إيجابًا مشاركة هذه الممثلة السمراء، لكنها- في نهاية المطاف- تمييز. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها