آخر تحديث:12:53(بيروت)
الإثنين 21/05/2018
share

"كفرناحوم" وجائزة تحكيم "كان" لنادين لبكي.. تقنيات البؤس

شفيق طبارة | الإثنين 21/05/2018
شارك المقال :
  • "كفرناحوم" وجائزة تحكيم "كان" لنادين لبكي.. تقنيات البؤس
    نادين لبكي مع زوجها المنتج خالد مزنر والطفل زين الرفيع بطل "كفرناحوم"
  • نادين لبكي خلال تصوير "كفرناحوم"
    نادين لبكي خلال تصوير "كفرناحوم"
  • الطفل زين الرفيع والطفل الإثيوبي في مشهد من "كفرناحوم"
    الطفل زين الرفيع والطفل الإثيوبي في مشهد من "كفرناحوم"
فاز فيلم "كفرناحوم" للمخرجة اللبنانية نادين لبكي، بجائزة التحكيم في مهرجان "كان" الـ71. هذا الفيلم الذي تلقّى تصفيقاً مدوّياً لمدّة 15 دقيقة بعد انتهاء العرض، يعتبر جاهزاً منمّقاً لمهرجانات السينما، بدءاً بـ"كان" ووصولاً إلى "الأوسكار" ربما. كل شيء معلب، من صور عشوائيات المدن وأسقف الصفيح الملتقطة من الطائرات، إلى موسيقى الكمان الحزين، وصولاً إلى وجهي طفلين بائسين في ملصق الفيلم.. 

في حيلة "كفرناحوم" بؤس جامح، كل الموضوعات مجهّزة للظفر بجائزة. العالم الثالث، مخرجة امرأة في ظلّ ضوضاء التحرّش وقضايا مساواة أجور النساء، طفل مهدور الحقوق، الفقر المدقع، العمّال الأجانب، الدعارة، العمالة غير شرعية، الهجرة غير القانونية، استرقاق الأطفال، البيدوفيليا وزواج القُصَّر.

يلائم فيلم لبكي، بمثاليته، قوالب جمعيات الأمم المتحدة الجاهزة. ولا يبدو أن المخرجة مهتمة بالقصص التي ترويها في "كفرناحوم" ولا حتى بالسياق الاجتماعي والمكاني للبلد بقدر اهتمامها بتحريك عواطف المشاهدين. في هذا الفيلم، تتراكم القصص، لكننا نبقى على السطح، لا ندخل في تفاصيلها لأنها كثيرة التشعّب. نبدأ بـ"زين" مقيّد اليدين (زين الرفيع)، المسجون بتهمة محاولة قتل زوج شقيقته القاصر، انتقاماً لها. ثمّ نراه في المحكمة. هنا، لم يعد الجاني بل المجنيّ عليه، فهو قرّر رفع دعوى على والديه لأنهما أتيا به إلى هذه الحياة. من هنا يبدأ الفيلم بفلاش باك إلى حياة ابن 12 عاماً في أحد الأحياء العشوائية الفقيرة. من منزل العائلة الذي يشبه كلّ شيء إلّا المنزل، نبدأ مسار "زين" الثائر والمتمرد على مجتمعه وواقعه بهروبه احتجاجاً على تزويج أخته القاصر. يلتقي بالعاملة الاثيوبية "رحيل" (يوردانوس شيفراو) التي تستقبله في بيتها لقاء اعتنائه بطفلها، خلال غيابها في العمل، وهو طفل غير شرعي تخفيه خوفاً من القانون والمجتمع. ثم تختفي العاملة فجأة، وهي أيضاً لديها مأساتها التي لا نعلم بها حتى نهاية الفيلم. يبقى "زين" وحيداً مع الطفل، ويقرر في لحظة "التخلي عنه" ليعود إلى منزله، فيجد اخته متوفاة، ويقرر الانتقام، وهنا نعود الى السجن والمحكمة. أربكت لبكي فيلمها ومشاهديها، فحوّلت الدراما الواقعية الى صورةٍ ثقيلة عن معاناة الأطفال، ما أدّى الى تسخيف قصتهم المؤلمة. راكمت الأزمات الحقيقية فوق رؤوسنا، لكنّ واقعية هذه الأزمات تفرض بدورها طرحاً موضوعياً يرفع من شأن القضايا من دون حاجة للتلاعب بالعواطف. 

خيارات الألم والبؤس مختلفة ومتنوعة في قاموس "كفرناحوم"/لبكي: صراصير في الزنزانة، صنبور المياه المهترئ، مياه الشرب الملوّثة، الأوساخ في أرجاء المنزل، الأم التي تتخلى عن أطفالها ثمّ تصرّح عن حبها لهم، أطفال يتاجرون بالمخدرات..

نسأل أنفسنا أين تدور أحداث الفيلم؟ لا نعرف تماماً.. بطبيعة الحال سنقول إنها بيروت فالمخرجة لبنانية، لكنّ هذا غير كافٍ لنجزم.



تمزج لبكي القليل من نهج المخرج دي سيكا بنكهة لبنانية، تلعب على السرد البطيء وتستخدم الموسيقى في اللحظات الحزينة، الكثيرة بالمناسبة. تصور البؤس من قرب، ولقطات الأطفال ودموع غضبهم وحزنهم، إذ لازمت كاميرا لبكي وجهي الطفلين لأكثر من نصف الفيلم، فوضعتنا بالتالي أمام التزام عاطفي تجاه الفيلم، ألا يشكل هذا ابتزازاً؟ نتبع "زين" الذي يجرّ الطفل الصغير وراءه، لقطات طريفة هنا وهناك لتجميل الاختناق.. يتمكّن الممثلون من الاستيلاء على قلوبنا، هم غير محترفين لكنّهم قدموا أداء كاريزماتياً اكثر من رائع.

كان يجدر بالذرائع الدرامية التي قامت عليها قصة الفيلم، أن تصبّ في مكان آخر بعيداً من العيون الباكية، ومن دون أيّ حاجة إلى الموعظة والتبشير. لكننا، في أسلوب لبكي، لم نشعر بعمق القضية أو جوهر الاشكالية، كل شيء بقي ثانوياً أمام غايتها الواضحة: استدرار الأحاسيس للوصول إلى مشاهدين باكين فقط، على قاعدة أنّ البكاء=النجاح.

بهذه المقوّمات بات "كفرناحوم" أشبه بالافلام الوثائقية التي تستخدم لحملات التوعية عن الفقر في العالم الثالث، بل إنّ هناك نوعاً من نهج وثائقي مزيف، وهذا الاستنتاج تكرّس أكثر بنزوع مخرجة العمل إلى الموعظة.

على "زين" التعامل مع كل شيء في هذا العالم القاسي، وعلى نادين لبكي وضع اصبعها على كل شيء سيء في هذا العالم، بفيلم طموح جداً يحاول هز روحنا البشرية. وحتى لو أن أحداً منا لا يفهم حماقة عصرنا، تأتي لنا نادين بأرخميدس صغير، بذكاء فائق ووعي بحقوق الإنسان، ليفسّر كلّ شيء. وهنا نصل إلى الحوار، يقال الكثير طبعاً في هذا المجال.. هناك عناصر تكرار كثيرة، تُلعب الحوارات دائماً على وقع كثيرٍ من الضجيج، البكاء، العنف.. أمّا ابن الـ12 عاماً فيقول عباراتٍ لن يقولها أقرانه بكلّ تأكيد، "نحن اقل من لا شيء نحن طفيليات"، يسدي النصائح مثل: "لا تنجبوا أطفالاً لا تستطيعون تربيتهم" ثمّ يتلو عبارات معقّدة عن الكرامة، كأنها تخرج من فم فولتير.

آثار السينما الايطالية بعد الحرب، باديةٌ في سيناريو "كفرناحوم": كلّ الرجال سيئون لا يتحمّلون مسؤولياتهم، ويأتي الصبي الصغير "زين" ليصلح الوضع بمساعدة امرأة طبعاً.

تتراكم المشاكل، ثم فجأة يحصل "حلٌ سحريٌ": وصول المحامية (التي تلعب دورها نادين لبكي) هو حبل الخلاص. أتخمت لبكي فيلمها بالقضايا حتى وصلت إلى نقطة اللاحل، فرمت بنهاية خيالية تقطع التطوّر السردي الحقيقي، إن وُجِد أساساً. ومع هذه النهاية تكتمل صورة الفيلم الهزيلة، حتى لا تتعب نادين لبكي نفسها بحلحلة العقد. حتى عنوان الفيلم يبقى مبهم المعنى، وإن بحثت قليلاً تجد خلفياته التبشيرية. فكفرناحوم هي البلدة الفلسطينية التي ألقى فيها المسيح أول خُطبه الشهيرة "موعظة الجبل". وإن بحثت أكثر، تجد تفسيراً لاتينياً، كفرناحوم هي الفوضى والاضطراب، وهكذا تماماً تركنا الفيلم...

سؤال لا بدّ منه: ما هي نية نادين لبكي في تقديم هذه الخلطة المأسوية، وبأي صدق نقلت المعاناة؟ المؤكّد أنّ النوايا الطبية وحدها لا تُنجح عملاً سينمائياً. بكلّ أريحية، يمكن القول أننا أمام ابتزازٍ واضحٍ. فخلال ساعتين أمام الشاشة، نتكيّف مع كمٍّ لا بأس به من الشرور، ولم يكن التكيف غاية نادين لبكي بكلّ تأكيد... فالقضايا التي أثارها الفيلم أساسية طبعاً، لكن هل يجب أن تنتقل إلى شاشات السينما في هذا القالب العاطفي البحت؟ هل تحِلّ سينما القضايا المعلّبة مكان تلك القيّمة الخلّاقة، فنياً وتقنياً، في مهرجانات السينما القديرة؟ "كفرناحوم" فيلم مثالي للجوائز التي باتت تنحدر إلى مستوى الموضوع/القضية من دون كثير توقف عند معالجته الفنية، لكنه دليل مقلق على الإنتاج الذي يمتصّ قضايا المستضعفين ثم يفرّغها من أجل دموعٍ تُنسى على أعتاب الصالات. هنا الميلودراما البحتة، التي لا تحاكي الأفكار ولا تنتهي إلّا بالسعادة الخيالية. هنا، لا مناطق رمادية بين الطيبين والأشرار، لا شخصيات معقّدة، فقط مآسٍ متقاطعة.

"كفرناحوم" لنادين لبكي، رغم أنه أفضل ما قدمت إلى الآن، ورغم التصفيق المطوّل وجائزة لجنة التحكيم وتطبيل جزءٍ من الإعلام حتى قبل مشاهدة الفيلم، يظل بعيداً من السينما الجيدة، بكل جدارة واستحقاق. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها