آخر تحديث:13:40(بيروت)
الأربعاء 16/05/2018
share

طاغور رسّاماً في القاهرة: لا يعنيه اللون..بل أثره الباقي

شريف الشافعي | الأربعاء 16/05/2018
شارك المقال :
  • 0

طاغور رسّاماً في القاهرة: لا يعنيه اللون..بل أثره الباقي
ماذا يعني العالمُ غيرَ موكب ضخم من الصور؟ وماذا بإمكان الدهر أن ينتقص من صورة مبدع الهند الأعظم رابندراناث طاغور (مايو/أيار 1861–أغسطس/آب 1941)، في ذكرى ميلاده الـ157؟

هذه الصورة المألوفة لطاغور، كشاعر وكاتب وفيلسوف، والتي بَرْوَزتها "نوبل للآداب" في العام 1913 كأول آسيوي يحصد الجائزة، فيها من النقاط المدهشة والأحبار السرية الكثير، الذي يتطلب المزيد من الاكتشاف، فمثل هذه الخزانة الإنسانية الملأى بالفيوضات والمشاعر والخبرات العميقة، تضيف السنوات إلى رصيدها، لتمتد الصورة باستمرار خارج إطارها.

بتعدد مواهب وملَكات طاغور، تتحقق نبوءته، فهو ذلك الرجل الذي "لا يريد أن يموت في هذا العالم الجميل، يريد أن يحيا مع البشر، في ضوء الشمس، في هذه الحديقة المزهرة في وسط القلوب الحية". لا يكتفي بأن يتصالح مع الحياة، بل هو أحد واهبيها للأحياء أنفسهم: "دعني أجد مكانًا على هذه الأرض، تفيض فيه الحياة دومًا. كم فيها من فراق ولقاء وضحك وبكاء، دعني أبني بيتًا عامرًا".

أدرك طاغور أن المواد المطلوبة لبناء بيته العامر يجب أن تكون متنوعة، فتلك هي خلطة الاستقرار وتركيبة الصمود، فانطلق من حقل إلى آخر، شاعرًا وساردًا ومسرحيًّا ومؤرخًا وموسيقيًّا ومخرجًا وفيلسوفًا، وأخيرًا تشكيليًّا، بعد الستين من عمره، ليحطم الحجر، وينفذ عبر الصخور، ويفيض على الأرض، ويملأها نغمًا: "سأنتقل من قمة إلى قمة، ومن تل إلى تل، وأغوص في واد وواد، سأضحك بملء صدري وأجعل الزمن يسير في ركابي".

في الأعوام الأخيرة من حياته، قدم طاغور أو "البخور الذي لا يضوع عطره ما لم يُحرق" حوالى ثلاثة آلاف لوحة تشكيلية تضج بالاشتعال وتعج بالرائحة، تنوعت موضوعاتها وخاماتها، وتجسدت فيها تجربة فنية مؤثرة لها ملامحها وخصوبتها وخصوصيتها ووجوهها المعرفية والفلسفية، فاستحقت أعماله العرض في متاحف عالمية مرموقة في الهند وخارجها، شأن الفنانين الكبار، ولا تزال مصدرًا للسحر الغامض، والغموض الساحر.

ورغم أن لغة الرسم دولية لا تتطلب ترجمة، ومجاله تجريدي يحتمل الانفتاح على الإنسان أينما كان، فإن لوحات طاغور أو "القنديل الذي لا يشع نوره ما لم يُشعَل" لم تجد نصيبها الوافي من القراءات المتأنية، ربما لاعتبار البعض أنها نشاط ثانوي في تجربته الزاخمة، أو أنها أتت في مرحلة متأخرة من حياته، وإن كانت تلك المرحلة هي خلاصة النضج والوعي، حيث الميل إلى الاختزال والتكثيف.


حسنًا فعل مركز "مولانا أزاد" الثقافي الهندي، التابع لسفارة الهند في القاهرة، بإتاحته مجموعة من لوحات طاغور النادرة في ذكرى ميلاده، جرى عرضها في متحف صديقه الشاعر أحمد شوقي في الجيزة. وهذه الأعمال الفنية تفتح الباب للإطلال على أعمال طاغور التشكيلية حول العالم، للغوص في محيط "الإيقاعات الملونة"، وفق عنوان المعرض القاهري.

"هذه الأرواح اليقظة، رفعت إلى الضوء أنظارها، الضوء المزيّن بالنجوم، واندهشت لهذا الكنز الذي عثرت عليه فجأة" (*). مثل إبداعات طاغور في الشعر والكتابة، تُضاء لوحاته بمصابيح الحرية، فالانفلات من القيود وإزاحة الأطر من سمات طاغور في سائر الآداب والفنون والمهارات التي أتقنها، كما أن "الحرية الداخلية" قوام فلسفته للكشف عن الجوهر الإنساني الخالد: "ثقيلة هي قيودي، والحرية كل مناي، وأشعر بخجل وأنا أحبو إليها".

قليلة هي اللوحات التي منحها طاغور عناوين، فالأحرى بالعمل التشكيلي أن يتحلل من ثقل التسمية ليحلق بأجنحة الخيال، فتتعدد دلالاته وعناوينه المقترحة بتعدد مُشاهديه من أصحاب الرؤى الخاصة، على اختلاف أمكنتهم وأزمنتهم.

نحو المجهول يبحر طاغور بألوانه وأحباره، فلا تتجلى البورتريهات والمشاهد الطبيعية في أعماله من منظور المرآة المستوية العاكسة، إنما هي ثيمات وموتيفات وتكوينات مركبة تتحاور فيها الانفعالات الجياشة مع الظلال والأضواء، وتختلط دقات القلب بأشعة الغسق، وتتداخل الملامح وتتقاطع مع توتراتها الغائصة تحت السطح.

يكتفي طاغور في لوحاته بالإشارة والترميز، فالرسام لا طاقة له بثرثرة الحكّاء وبيان الشاعر، إنما هو أقرب إلى الصمت، والتأمل، والقلق، وربما الإلغاز المثير، المفضي إلى مغامرة فنية لا إلى متاهة. هي دوامات الأحوال المزاجية المتباينة، للبشر وللطبيعة على السواء، يصورها الفنان المتحلي بالحنكة والعمق، والقدرة على التمييز والانتقاء، وقراءة تقلبات الحياة من حوله، من السِّلم إلى الحرب إلى السِّلم، ثم إلى الحرب مرة أخرى، فلا يصطاد غير اللحظات الثرية، بما فيها من حركية، ودراما، وتناقضات.


إن أديب المحبة والإخاء والوحدة الإنسانية والسلام، والمعلم الروحي الصوفي النزعة، هو أيضًا رسام التجارب اليومية النابضة خارج قشور البلاغيات، المنخرط في حرث الأرض بيديه ومشاركة العمّال في نحت الصخور، فلا روافد للفن من خارج المعايشة المباشرة والصدق التام، والتصالح مع الذات والآخر.

أفاد طاغور من زيارته لليابان، حيث تأثر بالفن الياباني القديم، وطور أداءه بالاطلاع على متاحف أوروبا وأميركا والانفتاح على تيارات الفن المعاصر، حتى كانت ثمرة جهوده التشكيلية معرضه الشخصي الأول في باريس في العام 1930، وسبقته إرهاصات ومحاولات أسفرت عن عدد كبير من اللوحات والاسكتشات بالأحبار والألوان المائية على الورق.

عن الروح يفتش طاغور دائمًا، عن القيم الكامنة وراء الشكل، فهكذا يكتشف المعاني الإنسانية المتوالدة خلف بلّور البورتريه الشفيف، وقد شكل الرسم نقلة في مسيرة طاغور، ليس فقط كمبدع، إنما كإنسان: "مع الرسم، لاحظت تغيرًا كبيرًا في نفسي، صرتُ أكتشف الأشجار في حضورها البصري، وأرى الأغصان والأوراق من جديد، كأنني لم أرها مطلقًا من قبل. هي ثروات بصرية هائلة كامنة تحيط بالإنسان".

يحتفي طاغور، كما في البورتريه الذي رسمه لذاته في 1935 على سبيل المثال، بالأثر الباقي للون، لا باللون ذاته كغاية، وتلك هي الفلسفة ذاتها التي يعتمدها في الكتابة، إذ يؤمن بأن الكلمات تفيء إلى الصمت، لكن موسيقاها تظل ممتدة، ويبقى صداها موصولًا بالسمع. وفي رؤيته للطبيعة يسلك طاغور المذهب نفسه: "إن المطر ما يزال يهمس، وأوراق الأغصان ما تني ترتعش حبًّا حتى الآن في ذاكرتي".

ومثلما ينبني الوجود على الحركة والدائرية، تأتي أعمال كثيرة لطاغور حاملة هذا المفهوم، خصوصًا حين تصير الأنوثة والطبيعة وجهين لعملة واحدة، فتتجلى المرأة الراقصة متعرية من ملامحها الحادة، فهي الطيف الأثيري المتحرك بخفة، والهدية النورانية الآتية لتوها من قوس قزح.

وبالحبر الملون، والتلاعب بالأضواء والظلال، يقدم طاغور نَحْلته الروحية، مجسدة ذلك الصراع الأبدي بين الكتلة والطاقة، في عالم صار يُعلي شأن المادة على حساب المحسوسات، وانزلقت فيه قدما الإنسانية إلى هوة خطيرة صنعتها أسلحة الدمار والبارود.

ويأتي شموخ الشكل في بعض لوحات طاغور معبرًا عن القوة الروحية التي لا تزال تمنح هذا الشكل وجوده وحضوره وعلياءه، ومن هذه النظرة أيضًا ينطلق النور ليكون هو صاحب الكلمة العليا في التكوين الذي تتداخل فيه البورتريهات وتتشابك ملامحها من غير فواصل. وتعلن الوجوه الأنثوية صرخات ميلاد إيحائية، من غير صوت.

رابندراناث طاغور، من أجل إبداعاته استعار ذات يوم قيثار الصباح، ومن ألوانه صارت الطبيعة تقتبس فصول العام الأربعة.

(*) "أَعِرني قيثارتك أيها الصباح"، قصيدة لطاغور، ترجمة: حسونة المصباحي.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها