آخر تحديث:12:09(بيروت)
الإثنين 02/04/2018
share

تلك الثقافة التي لم تُنصف صباح

محمد حجيري | الإثنين 02/04/2018
شارك المقال :
تلك الثقافة التي لم تُنصف صباح تبتسم لأي شيء تسمعه ولأي شيء تقوله
ثمة التباس في علاقة المثقفين بصوت الفنانة صباح وظاهرتها، هذه العلاقة بين الهروب وإعادة الإكتشاف، بين المديح السري أو الحب السري واللامبالاة، خلال حياتها تجنبت غالبية "الأقلام الثقافية" والأدبية الكتابة عنها. كانت الأقل "حظًا" في اهتمام المثقفين والكتاب والروائيّين والشعراء والرسامين. لم تكن موضع اهتمام الأدباء على نحو ما تناولوا أم كلثوم وأسمهان وفيروز وسعاد حسني وتحية كاريوكا وحتى نانسي عجرم، لكنها الأكثر حظًا في وسائل الإعلام المرئيَّة من خلال برامج المنوّعات الغنائيَّة وأغلفة المجلات الملونة. كأنها كانت جعبة أخبار يوظّفها معدو البرامج في كل مرة، فأصبحت قرينة الترفيه و"الجرأة" على مبدأ "ما في قلبها دائماً على رأس لسانها"، وحضر الإعلام حتى في لحظة موتها، كأنه يراقب روحها. وبعد رحيلها أيضا أقلام قليلة كتبت عنها، وبقيت الكتابة في معظمها قائمة على توصيف الالتباس والمقارنة مع فيروز...

ليس على حد علمنا أن أحد المثقفين كتب عن صباح في الخمسينات والستينات والسبعينات، وفي السنوات القليلة الماضية كُتبت مقالات ثقافية عن صباح وسيرتها وصوتها وثيابها، بعضها كان صائباً في توصيفها، وبعضها الآخر غلبت عليه الوجدانيات والرثاء. الشاعر الراحل أنسي الحاج كتاب مقالاً بعنوان "الحرّة صباح" في جريدة "الأخبار" العام 2011، فقال: "صباح لا تغادر الشفافية. وصدقها، ولو كان صادماً مرّات، مُستحبّ لأنه يصدر عن نفس طيّبة". يضيف: "تصغي إلى صباح فلا تسمع إلّا حقائق تفاجئك بنبرةٍ عفويّة. هذه النجمة القريبة والبعيدة، القريبة من المشاعر والبعيدة عن المنال، نجمة شعبيّة تتشابه جميع عناصرها: التمثيل الشعبي والصوت الشعبي والكلام الشعبي واللحن الشعبي تكلّلها النجوميّة الشعبيّة، نجوميّة لم تقتصر على البُعد الفني بل امتدّت لتشمل نمط الحياة. فالحريّة التي مارستها صباح في زيجاتها وطلاقاتها وفي التعبير علناً عن مواقفها بلا مواربة ولا خوف جعلت لها مكانةً على حدة لم يعرف السجلّ الفني مثيلاً لها إلّا في الغرب"... ويتقاطع هذا الكلام مع ما كتبه حازم صاغية في ملحق "نوافذ" (جريدة المستقبل) بعنوان "مغنيات" قائلاً: "صباح الاستعراضيّة تكاد، مع حفظ الفوارق والنسب، ان تكون الرمز العربيّ الأوّل لـ"الشو"، باللباس والاضاءة والكيتش والمسرَحة في آن معاً. لكن صباح، أو أيّة فنانة غيرها، لا يسعها، بالطبع، ان تقارب أدنى حدود هذه الاستعراضيّة المتواصلة في حياتها الشخصيّ".. يضيف: "والحقّ ان أحداً لا يستطيع في آن واحد ان يكون سمجاً وقريباً الى القلب، منفّراً ومثيراً للشفقة، غبيّاً وذكيّاً، طفلاً وشيخاً، متسافلاً ومتعالياً، كما تكون. وهنا نقع على التمويه واللعب اللذين لا نلقاهما إلاّ نادراً في التجارب الفنيّة العربيّة الأخرى".

ما كتبه أنسي الحاج توصيف دقيق لشخصية صباح، ويعترف قائلا: "أنا ممَّن لم ينصفوا صباح. يحتاج المرء إلى دهر ليرى بعدْلٍ أبعد من طبيعته. بعكس صباح: كانت هي واستمرّت هي. ومن البداية وُهبت الحكمة في الغريزة والصلابة في البساطة، وصِباً يتجدّد كلّما امتحنَتْهُ الأيّام"، ما لم يقله انسي الحاج أنه لم ينصف لأنه كان منحازاً الى فيروز و"يحبها بإرهاب"، في المقابل حازم صاغية في جزء من مقاله يكتب عن صباح ليصوب على فيروز، التي "جُعلت نصف قدّيسة أو نصف مريم"...

من بعد وفاة صباح كُتبت مجموعة من المقالات في الصفحات الثقافية عنها، لكن ومع ذلك بقيت خارج اطار تناول المثقفين بشكل جدي. كتبت دلال البزري عن عصامية صباح، وكتب غيرها عن صوتها الجبلي وسيرتها وعمرها الذي شغل الكثيرين، وقارن فادي العبدالله بين صباح وفيروز، بين "السيدة المقدسة" و"الأنثى المتحررة"، وهذا موضوع آخر. واللافت ان ثمة مقالات لمحت إلى واقع نفي صباح من "الوسط الثقافي" او ابتعادهم عنها. كتبت الروائية ايمان حميدان يونس في موقع "معازف"(3 كانون الأول 2014): "لسنوات طويلة لم أبن علاقة مع صباح. كنت متحزّبة لفيروز، وأستطيع حتى أن أقول أنني لم أحب صباح. لكن صوتها كان يربك مشاعري لأنّني كنت أجده جميلاً، وكان بإمكانه أن يطربني.. حين كنت أشاهدها على التلفاز الصغير وأنا مراهقة، ثم شابة، كانت ابتسامتها الدائمة تشعرني أن ثمّة أمراً مصطنعاً فيها، "ابتسامة مونوتون" أقول لنفسي: تبتسم لأي شيء تسمعه ولأي شيء تقوله. كانت دائما "زابطة" ومرتاحة. لكن صباح باتت أكثر قرباً لي حين كبرتْ. وربما في تلك المرحلة صارت أكثر قرباً لنفسها أيضاً"... 

الروائي محمد أبي سمرا كان أكثر مباشرة في تناوله علاقة المثقفين بصباح، كتب في جريدة "النهار": "لماذا طردنا صباح من صحراء مراهقتنا العاطفية والفنية في لبنان الستينات والسبعينات؟ ألأنها لم تكن تخاطبنا بلغة المثال المتعالي للذات الجريحة(...) كان جبران خليل جبران النجم الأول الذي اهتدينا إليه في صحراء مراهقتنا، توقاً إلى اجتراح صورة فنية، ذاتية وخاصة وشخصية، لأنفسنا وللعالم. فيروز أيضاً، صوتاً وأغاني وشخصية نجومية، كانت سرابنا المائي في تلك الصحراء. أما صباح وأغانيها وصوتها، وهي كانت حاضرة بقوة في ستيناتنا اللبنانية الصحراوية، فسرعان ما نفرنا منها في مطالع تلك المراهقة، نفوراً علنياً، كنفورنا العلني من صور نساء الإعلانات الفاتنات في المجلات الفنية، فيما كانت صباح في السرّ والعتمة تشتعل في ليل صحرائنا التي طردناها منها في رحلة توقنا الروحي العلني إلى الخلاص"... ثمة أسماء كثيرة لا تتجرأ على البوح بتعلقها بصباح وصوتها وحتى ظاهرتها، فالأكثرية تمشي في إطار النمطية الثقافية، اللامبالاة تجاه صباح ومدح فيروز، وبعد رحيلها لجأ بعضهم إلى رثائها، وعلى هذا كتب الشاعر بلال خبيز في "معازف" أيضاً: "كل ما كتب عن صباح بعد غيابها هو رثاء نادمين: ندم الذين أدركوا أن مجال التراجع قد فات، وأن ما يفعلونه اليوم ليس سوى قبض ريح. كان أجدر بكل محبيها أن يعلنوا حبّهم لها وهي حيّة. صباح نفسها كانت تدعونا إلى هذا الإعلان. لكن محبيها، إلا قلة منهم، تخلّفوا وصنعوا لتخلّفهم حججاً ومبرّرات"... 

وعلى هذا لا يبدو ان الثقافة الأدبية انصفت الشحرورة صباح، وان عاشت حتى آخر لحظة في حياتها، في مطحنة الاعلام وهذياناته وابواقه.

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها