آخر تحديث:15:55(بيروت)
الثلاثاء 27/03/2018
share

"فنان من العالم العائم" لإيشيغورو.. جِراح اليابان العميقة

المدن - ثقافة | الثلاثاء 27/03/2018
شارك المقال :
"فنان من العالم العائم" لإيشيغورو.. جِراح اليابان العميقة هناك العديد ممن ينبغي لهم أن يقدموا أرواحهم كاعتذار
يرسم البريطاني من أصل ياباني كازو إيشيغورو؛ الحائز على جائزة نوبل للآداب سنة 2017، في روايته "فنان من العالم العائم" ملامح اليابان بعد بضع سنوات من هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، وتسيّد روح الكآبة والبؤس فيها، وكيف أنّ الدمار كان شاملاً مؤذياً لدرجة فظيعة، بحيث أنّ الوضع كان يستدعي القيام بثورة غير مسبوقة لاستعادة روح اليابان المفقودة، والنهوض للمضيّ نحو المستقبل، والتخفّف من أعباء الماضي وفجائعه وهزائمه. 

يستعيد الراوي، وهو الفنان المعلم ماسوجي أونو؛ مع حفيده سيرة بلده وتاريخه، وهجرته الرسم والفنّ واعتزاله العالم لينشغل ببيته وأسرته ويفسح المجال للشباب كي يكملوا طريق الفن والحياة، ويحاولوا إعادة إحياء مجد الإمبراطورية الغابر، والانطلاق نحو المستقبل بثقة وقوة بعيداً عن الروح الانهزامية.

يستهل إيشيغورو روايته (دار جامعة حمد بن خليفة للنشر، الدوحة، ترجمة هالة صلاح الدين، 2018م) بمرور بطله بالقرب من الجسر الذي يطلق عليه جسر التردد، وهو الذي يفصل منطقة سكنية عن منطقة أخرى توصف بأنها تحوي دوراً للمتعة، والترويح عن النفس، ويقال إنه أطلق عليه الاسم لأن عبوره كان يفضي بالمرء إلى حي المتعة، وذهبت الأقاويل إلى أنه كان بالإمكان رؤية من اضطربت ضمائرهم من الرجال يحومون حول المكان وقد وقعوا في شرك التردد بين السعي لقضاء أمسياتهم في اللهو أو العودة لزوجاتهم..

يشتري الفنان بثمن بخس بيتاً مهيباً يعود إلى أحد الأثرياء، وذلك في أجواء ما قبل الحرب التي ساهمت في دفع أصحاب المنزل إلى بيعه بطريقة غير تقليدية، إذ اعتمدوا على سمعة المشتري وقيمته الاعتبارية، ومدى استحقاقه للمنزل ذي التاريخ العريق، وذلك بعد إجراء تحرّ دقيق عنه ويقينهم أنّه الأنسب له، ويكون قريباً من جسر التردد، الذي ربّما يرمز من خلاله الروائي إلى المرحلة الانتقالية التي تمرّ بها البلاد من الهزيمة في الحرب إلى التسلّح بالإرادة والقوة والصبر للانتقال إلى المرحلة التالية ومعالجة الجراح العميقة التي خلفتها الهزيمة من دون تردد أو حيرة.

يصف كيف أن المنزل أصيب بنصيبه من دمار الحرب، وأنه ليس من السهل أن يقابل المرء شخصاً لم يتلوث بسخرية أيامهم تلك ومرارتها. هناك مثلاً شينتارو نموذج الرجل الذي حافظ على نقائه، ومعه كان يتعين على المرء أن يشعر بالامتنان لوجود من لم يتلوث بالتيار الراهن الغاص بالسخرية. وهناك صاحبة الحانة؛ السيدة كاواكامي التي بدت شائخة أكبر من عمرها بفعل سنوات الحرب، إذ يبدو أن شيئاً بداخلها قد انكسر ووهن منذ ذلك الحين. وعندما يتذكر المرء مَن فقدتهم في الحرب لا تصيبه الدهشة لحالها.

المعلم ماسوجي أونو الذي يقال عنه إنه لا يفطن إلى ما يخلعه عليه أهالي المدينة من احترام مبالغ. ذاع صيته إلى ما وراء الفن، إلى كل حقول الحياة، وهو المتواضع بطبعه، يندهش يما يمنحه الناس له من تقدير، يكتشف كل مرة أن التغيير طال معظم الأماكن، غير ملامح المدينة ومعالمها. أصبحت الأحياء كأنها صحراء من الحجارة المتهدمة. يتساءل حين يمر بذاك الخراب ما إذا كانت الحياة ستعود ذات يوم إلى تلك الأحياء، ويتفاجأ لاحقاً أن الجرافات هدمت كل شيء في انتظار البدء بالمرحلة التالية التي تأخرت كثيراً عن موعدها المفترض.

يبتسم بأسى حين يصارحه حفيده بأنه اضطر لترك الفن والتوقف لأن اليابان انهزمت في الحرب، لكنه يجيب بأنه بعد أن بلغ سناً معينة ود أن يستريح من عمله. 
يتحدث عن ظاهرة الانتحار الذي ساد بين بعض المسؤولين والشخصيات المميزة، وذلك كاعتذار منها على أنها لم تستطع النهوض بدور أكبر لمنع الهزيمة أو تدارك تداعياتها والتخفيف منها. كانتحار رئيس أحد رؤساء الشركات وذلك بعد شعوره بمسؤوليته عن بعض المشاريع التي تورط فيها أثناء الحرب. كان انتحاره بمثابة اعتذار قدمه بالنيابة عن الجميع إلى عائلات من قتلوا في الحرب.

بين أن يكون الأمر منطقياً وأن يغدو خسارة رهيبة ونزيفاً لطاقات البلاد التي تحتاج جهود جميع أبنائها للنهوض، والقول بأن بلده حين تخوض حرباً فإنه لن يدخر جهداً في مساندتها، ولا عار يقترن بذلك، وما الحاجة إلى الاعتذار بالموت، وكيف أن ذلك ينعكس كشعور بالراحة على الآخرين الذين يشعرون أن بمقدورهم نسيان تجاوزاتهم السابقة والتطلع إلى المستقبل، وأن رئيسهم أدى عملاً عظيماً بانتحاره – اعتذاره.

يورد رأياً مضاداً مفاده أنه أمر يدعو للرثاء، وأن هناك العديد ممن ينبغي لهم أن يقدموا أرواحهم كاعتذار وهم أجبن من أن يواجهوا أعباء مسؤولياتهم، لكنهم لا يقومون بها، ويؤدي تلك اللفتات النبيلة بعض الأوفياء لا غير، وأن هناك العديد من الأشخاص الذين عادوا إلى مواقعهم التي شغلوها إبان الحرب، وبعضهم ليس أفضل من مجرمي الحرب، وأن هؤلاء هم الذين يتحتم عليهم الاعتذار. بين أداء الواجب وتأديته والشعور بالمسؤولية إزاء الهزيمة والخسارة، ووجوب الاعتراف بالمسؤولية والإقرار بالأخطاء المرتكبة الفادحة.

يكون هناك إقرار من قبل تلاميذه أن تأثيره لم يقتصر على عوالم الفن فحسب، وأنهم عاشوا سنوات طويلة وفقاً لقيمه وأسلوب حياته، واستتبع ذلك قضاء وقت طويل في استكشاف عالم المدينة العائم، العالم الليلي للمتعة والتسلية والشرب، عالم كون خلفية جميع لوحاتهم. هناك الفنان جيزابورو الذي فقد في الحرب أحباء كثيرين، تدور بينه وبين أونو مساجلة عن الفن والحياة، وهو الذي كان يعيش مغترباً عن ذاته، وكان يجل لياليه الماجنة، واعتاد أن يقول إن أفضل الأشياء تجتمع ليلاً ثم يتلاشى أثرها صباحاً، وأن ما يسميه الناس العالم العائم هو عالم فطن إلى كيفية تقديره.

المغني ناجوشي الذي شعر بالذنب لأنه ألف ولحن أشعاراً وأغنيات ذاع صيتها في اليابان كافة، غناها المغنون في المذياع والحانات، وصدح بها الجنود المتقدمون إلى المعركة، وبعد أن انتهت الحرب اختلفت الأمور، ظن أن أغانيه كانت نوعاً من الخطأ. تفكر في كل مَن لقي حتفه وكل الصبية الذين في سن حفيد أونو، ممن حرموا من آبائهم، فكر في كل تلك الأشياء وظن أن أغنياته ربما كانت غلطة. شعر أن من واجبه أن يقدم اعتذاراً لكل من عاش، لذلك تحلى بالشجاعة عندما اعترف بأخطائه وأقدم على اعتذار/ انتحاره.

يشير إلى ضرورة اكتساب الولاء بالجد والاجتهاد والوفاء، وأنه ليس كلمة بسيطة، وأن هناك كثيرين يتكلمون عن الولاء لكنهم يسيرون بعيون عمياء، وأن من الواجب التحلي بالمسؤولية تجاه أي فعل، ولاسيما أن البلاد عبارة عن أنقاض متناثرة لم تستدل إلى طريقة لإعادة البناء والخروج من محنة الهزيمة والدمار.

يؤكّد الروائي على أن البلاد المنكوبة الخارجة مهزومة من الحرب لا يمكن أن تقف على رجليها، وتبدأ إعادة الإعمار، من دون البدء بترميم النفوس وبناء الإنسان أولاً، وضرورة أن يؤدّي كلّ امرئ واجبه المنوط به بحرص وتفانٍ، بحيث أن دورة العمل تتكامل لتنتج ما يصبو إليه الجميع من أمل باستعادة ميراث الماضي وتشكيل قوة بناء للمستقبل. 

شارك المقال :

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها